ذوبان الجليد يغير خريطة الممرات البحرية التجارية عبر العالم
11 سبتمبر 2008أبوظبي- أكد علماء أوروبيون وأميركيون أن حلقة من الممرات المائية البحرية الصالحة للملاحة التجارية تشكلت حول القلنسوة الجليدية التي تغطي القطب الشمالي. وهذه هي المرة الأولى خلال نصف قرن أو أكثر التي ينفتح فيها الممر البحري الشمالي الغربي الذي يصل بين أميركا الشمالية وبحر الشمال عابراً مناطق شمال أوروبا إلى آسيا وبشكل مفاجئ.
وبالرغم من أن التيارات البحرية والهوائية تؤدي دوراً في حدوث هذه الظاهرة، فإن الخبراء يقولون إن اتساع المساحات المائية المفتوحة في أقصى شمال الكرة الأرضية يقدم أحدث دليل على أن المحيط المتجمد الشمالي يمر خلال فصول الصيف بمرحلة تحول إلى محيط مفتوح.
ولا يشك العلماء بأن الاحترار الأرضي الناتج عن إطلاق غازات الاحتباس الحراري بفعل النشاطات البشرية، أسهم في تراجع الجليد القطبي بالرغم من أنهم يختلفون بشأن مدى هذا الإسهام.
وخلال الشهر الماضي كشفت الصور الجوية التي التقطتها أقمار اصطناعية عن ممرات مائية بحرية مفتوحة كانت قبل أشهر فقط مغلقة بجبال الجليد العائمة.
وأكد تحليل الصور أن هذه الممرات تصلح الآن للملاحة البحرية التجارية عن طريق المحيط المتجمد الشمالي. ومن شأن هذا التطور ان يغير خريطة الممرات البحرية التجارية عبر العالم.
ويذكر أن هذا الاكتشاف تم تكذيبه في بداية الأمر من قبل المركز الأميركي لدراسة الجليد والإدارة الأميركية للمحيطات والأرصاد الجوية حيث أشار علماء إلى أن ما كشفته الأقمار الاصطناعية ليس إلا كتل جليدية مغمورة بطبقة من الماء العذب الناتج عن ذوبان أجزائها السطحية بفعل التيارات الهوائية الدافئة. وعند تصوير هذه الكتل من الفضاء تبدو وكأنها ممرات مائية صرفة خالية تماماً من الجليد.
وتم تصحيح هذه الفرضية الأخيرة يوم الجمعة الماضي (5 سبتمبر/أيلول)، عندما استخدمت مجسات خاصة في التقاط صور رادارية من الأقمار الاصطناعية أكدت انصهار الكتل الجليدية المركزية. وخرج العلماء من هذه الصور بتصريح دقيق جاء فيه: (هذه هي المرة الأولى التي ينفتح فيها ‘’الممر البحري الشمالي الغربي'’ و'’الطريق البحري الشمالي'’ على بعضهما خلال التاريخ المدوّن).
وكان علماء متخصصون بالدراسات القطبية قد تنبأوا بأن تؤدي ظاهرة تسخن جو الأرض إلى تحويل القارة القطبية الشمالية من منطقة جليدية إلى مسطحات مائية. وأشاروا إلى أن المرحلة المقبلة سوف تشهد ظاهرة جديدة تتمثل بظهور الجليد في الشتاء واختفائه في الصيف خلافاً لما هي عليه حال القطب منذ بضعة آلاف السنين. وسوف يرافق هذا التطور توسع مستمر في الممرات المائية الصالحة للملاحة البحرية.
ويذكر أن ظاهرة نشوء الممرات البحرية الشمالية وانكشاف مساحات شاسعة من الأرض اليابسة التي كانت مكسوة بالجليد، أثارت أطماع الدول الكبرى المجاورة للقارة القطبية الشمالية. وكانت روسيا سباقة إلى الإعلان عن حقه في امتلاكها.
وما لبثت كندا أن صعّدت الخلاف حول الموضوع عندما أعلنت عن أن ملكية القارة هي حق شرعي لها؛ وفضّلت أن تعمد إلى إقرار نوع من الأمر الواقع عندما قام رئيس وزرائها ستيفن هاربر بزيارة تحد إلى المنطقة امتدت لثلاثة أيام عقب الإعلان الروسي مباشرة.
وكان الروس قد قرروا تنصيب علم بلادهم فوق جليد النقطة المركزية للقطب. ويشار أيضاً إلى أن كلاً من الولايات المتحدة والنرويج والدنمارك تشترك في الصراع الدائر حول الموارد الطبيعية الضخمة لهذه المنطقة العذراء من العالم.
ولعل الغريب في الأمر أن العوامل الطبيعية هي السبب المباشر لاندلاع هذا الصراع. فلقد أدى المعدل المتسارع لتسخّن جو الأرض إلى تزايد سرعة ذوبان الجليد مما أدى إلى كشف ممرات بحرية جديدة ذات قيمة تجارية كبيرة يمكنها أن تعوّض عن استخدام الممرات التقليدية بين الشرق والغرب كقناة السويس أو قناة بناما.
وبيّنت بحوث أجريت في أعالي المناطق الشمالية للأرض أن الممرات البحرية الجديدة سوف تقصّر مسافة الرحلة البحرية بين أميركا الشمالية وآسيا بنحو 6500 كيلومتر عن الممر البحري التقليدي عن طريق قناة بناما.
ومن جهة أخرى، أدى تراجع الصفائح الجليدية القطبية نتيجة تسخّن الجو إلى كشف مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة العامرة بالموارد الطبيعية. وأشارت أحدث الدراسات إلى أن القطب الشمالي يضم ما يقرب من 25 بالمئة من المخزون العالمي غير المكتشف من النفط الخام والغاز الطبيعي.
ومنذ انكشفت نوايا الروس حول الموضوع في شهر سبتمبر/أيلول من عام ،2007 تعرّض هاربر لضغوط كبيرة للتصدي لهذه النوايا. وكان قد قال عقب اندلاع النزاع: ‘’أمام كندا العديد من الخيارات عندما يتعلق الأمر بدفاعها عن حقوقها السيادية على القارة القطبية الشمالية.
وأعلن عن خطط لإنفاق ما يقرب من 3,8 مليار دولار لبناء ثماني سفن حربية كاسحة للجليد يمكنها اختراق معظم الصفائح الجليدية التي تغطي تلك المناطق النائية للدفاع عن سيادة كندا عليها. وبدأت الحكومة الكندية بدراسة أفضل الأماكن لإقامة أول ميناء بحري تجاري هناك وربما يقع الاختيار على جزيرة (هانز) القريبة من الممر الشمالي الغربي للقطب.
ووفقاً لأحدث الدراسات فإن القطب الشمالي يختزن مليارات الأطنان من الرواسب والتكوينات الجيولوجية النفطية التي تتزايد عمليات الوصول إليها سهولة مع ذوبان المزيد من الطبقات الجليدية التي تعلو الصفائح القطبية. ولقد أصبح استثمار هذه الآبار عملياً من وجهة النظر الاقتصادية بسبب الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار النفط مؤخراً.
(عدنان عضيمة- الإتحاد الإماراتية)


