الطقس

“المحاسبة عن عقود الإجارة المنتهية بالتمليك في المصارف الإسلامية ”

26 يونيو 2008

يقوم هذا البحث بدراسة وتحليل بعض صيغ عقود الإجارة المستحدثة، وهي الإجارة المنتهية بالتمليك، التي هي صورة من صور توظيف الأموال في المصارف الإسلامية، وقد اختلف فيها بين الفقهاء المعاصرين وبين المجامع والهيئات الفقهية في جوازها من عدمه. يطرح الباحث عدداً من التساؤلات حول هذه الصيغة، ويقوم بمناقشتها وتحليلها من جميع جوانبها، وفي ما يلي مقدمة البحث:

انتشرت في عصرنا الراهن عمليات الإجازة طويلة الأجل للأصول الثابتة، والتي لم تكن موجودة من قبل منذ سنوات قليلة ولكنها وفدت من الغرب إلى بلاد المسلمين حيث ظهرت أشكال وصور متعددة من العقود المستحدثة. وتلجأ الكثير من المنشآت إلى استئجار بعض أصولها التشغيلية بدلا من شرائها عن طريق الاقتراض، إما لأن هذه الأصول ذات طبيعة متخصصة وتتعرض لتطورات تقنية سريعة مما يجعل الإنفاق الاستثماري لشرائها أمرا يبعد عن الرشد الاقتصادي أو أن هذه المنشآت تواجه صعوبات في تدبير الأموال اللازمة للشراء عن طريق زيادة رأس المال أو الاقتراض من الغير.

هذا وتحقق الإجازة طويلة الأجل مزايا عديدة لكل من المؤجر والمستأجر. فالمؤجر يمارس عمليات التأجير طويلة الأجل إما كنشاط مستقل (منشآت متخصصة في التأجير) أو كوسيلة لترويج مبيعاته وكأحد صور توظيف أمواله. أما بالنسبة للمستأجر فالإجازة تعد أحد مصادر التمويل التي تمكنه من الحصول على ما يحتاجه من أصول دون سداد أي مبالغ مقدما، كما أنها تحميه من مخاطر التضخم وزيادة تكلفة الأصول في المستقبل من خلال الاتفاق مع المؤجر على سداد دفعات إجارة دورية ثابتة يتم ربطها بتوقيت التدفقات النقدية التي يحققها استخدام الأصل المستأجر، علاوة على تخفيض المخاطر التي يتحملها المستأجر نتيجة تقادم الأصول المستأجرة التي تتعرض لتطورات تقنية سريعة، وكذا نقل المخاطر المتعلقة بقيمة الأصول كخردة في نهاية عمرها الافتراضي للمؤجر.

وتعتبر عمليات الإجارة المنتهية بالتمليك من الصيغ الاستثمارية المستحدثة في المصارف الإسلامية دون غيرها من المصارف التجارية (الربوية). وتتراوح نسبة هذه العمليات من 2% إلى 60% من مجموع الصيغ الاستثمارية للمصرف - بمتوسط 12%- وهذه النسبة آخذة في الزيادة، وأن إيرادات هذه العمليات تتراوح بين 3% إلى 81% من إجمالي إيرادات الاستثمارات - بمتوسط 17% حيث نالت الترتيب الثالث بعد أسلوبي المرابحة والمشاركة .. كما أن بعض المصارف الإسلامية تركز معظم استثماراتها- 50% - فأكثر في تلك العمليات التي تأتي في مقدمة صيغ الاستثمار الإسلامي - وذلك في ضوء نتائج المسح الميداني الذي قامت به هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (معيار الهيئة في البحث: 1999م : 313).

ولقد أثارت العقود المستحدثة للإجارة المنتهية بالتمليك الجدل بين الفقهاء المعاصرين- وأيضا المجامع والهيئات الفقهية المتخصصة - حول مدى مشروعية هذه العقود بين مجيز لها وغير مجيز، ولكل أهل قول أدلته وأسانيده وحججه كما ترتب على ظهور هذه العقود ظهور الكثير من الجدل حول كيفية معالجتها محاسبيا - من حيث متطلبات القياس والإثبات والعرض والإفصاح - وبما يتفق مع المتطلبات البيئية والأحكام الفقهية للإجارة وضوابطها الشرعية في إطار مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية الغراء.

إن غياب المعايير المحاسبية التي تحكم المحاسبة والإفصاح عن عمليات عقود التأجير طويلة الأجل، وكذلك تعدد الشروط التي تنطوي عليها هذه العقود مما أدى إلى أن يواجه المحاسب صعوبة في ترجمة الآثار الاقتصادية لهذه الشروط على المركز المالي للمنشأة ونتائج نشاطها، وقد يختلف المحاسبون فيما بينهم في كيفية معالجة تلك العقود محاسبيا حيث تختلف أسس المعالجة المحاسبية لعقود الإجارة طويلة الأجل تبعا للشروط التي ينطوي عليها كل عقد. كل ذلك أدى إلى أن تقوم الشركات مؤجرة ومستأجرة بمعالجة هذه العقود على أنها عقود إجازة تشغيلية Operational Leases بغض النظر عن الشروط التي تنطوي عليها هذه العقود.

فالشركات المؤجرة تسجل دفعات الإجارة المحصلة كإيراد، وتحسب إهلاك للأصول المؤجرة مع إظهار هذه الأصول وما يخصها من مجمعات الإهلاك في قائمة المركز المالي ضمن غيرها من الأصول المماثلة. أما الشركات المستأجرة فقد عالجت هذه العقود أيضا كإجارة تشعيلية، وكان ذلك يرضي إدارة تلك الشركات حيث أن المحاسبة عن عمليات الاستئجار طويلة الأجر بهذا الشكل يؤدي إلى عدم تحميل قوائم نتائج أعمالها بأعباء إهلاك الأصول المستأجرة أو الفوائد المترتبة على الاستئجار حيث تتحمل فقط بأقساط الإجارة الدورية مما يؤدي إلى إظهار نتيجة الأعمال بشكل أفضل مما يكون له أثره لإيجابي على حوافز الإدارة ومكافآتها وخاصة إذا كانت تتوقف على مستوى الربح. ولكن الاستمرار في ذلك أدى إلى تضليل كثير من مستخدمي القوائم المالية خاصة المقرضين والمستثمرين والمحللين الماليين …. مما دعا الهيئات والمجامع المهنية إلى اقتراح طريقة حديثة للمحاسبة والإفصاح عن الأصول الثابتة المستأجرة تسمح برسملة عقود الإجارة طويلة الأجل وإظهار القيمة الرأسمالية للأصول المستأجرة ضمن الأصول الثابتة في قائمة المركز المالي للمستأجر وإظهار يُحَمَّل على قائمة نتيجة الأعمال، مما يترتب عليه أن تظهر التقارير والقوائم المالية - بعدل - المركز المالي ونتيجة الأعمال.

ولقد تبلورت النتيجة الحديثة التي اقترحت للمحاسبة والإفصاح عن عقود الإجارة طويلة الأجل في صورة إصدار الهيئات المهنية ( سواء على المستوى المحلي مثل المعايير الأميركية والبريطانية والسعودية أو على المستوى الدولي مثل المعيار الدولي ومعيار الإجارة المنتهية بالتمليك الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية) العديد من المعايير والتوصيات المحاسبية التي دعت صراحة إلى أنه يمكن - حال توافر شروط معينة - أن تتم رسملة عقود الإجارة طويلة الأجل في دفاتر المستأجر، مما يعكس بجلاء اهتمام الهيئات المهنية بهذا الأمر وصدور المعايير والتوصيات المناسبة. إلا أن هذه المعايير تباينت في الأساس النظري الذي استندت إليه والفلسفة التي انتهجتها، علاوة على أنها تواجه بعض الصعوبات والتعقيدات في مجال التطبيق، ولذا فإن هذا البحث محاولة للمساهمة في توضيح وبيان كيفية المحاسبة والإفصاح عن عقود الإجارة المنتهية بالتمليك في المصارف الإسلامية من منظور إسلامي، وذلك من خلال إجراء دراسة مقارنة للمعالجات المحاسبية المتعلقة بالعمليات المرتبطة بهذه العقود والتي نصت عليها المعايير المذكورة بغية تحديد ما يتلاءم منها مع بيئة التطبيق في المصارف الإسلامية.

طبيعة المشكلة:

تتحد طبيعة المشكلة التي يعالجها البحث - في إطار ما ورد في مقدمة البحث - في أن عقود الإجارة المنتهية بالتمليك التي تمارسها بعض المصارف الإسلامية تعتبر من العقود المستحدثة الوافدة من الغرب إلى بلاد المسلمين، واختلاف المجامع والهيئات الفقهية وبعض الفقهاء المعاصرين حول ما إذا كانت هذه العقود جائزة شرعا أم محرمة. هذا بالإضافة إلى أن هذه العقود تنطوي على شروط ذات آثار اقتصادية على التقارير والقوائم المالية المنشورة التي تعدها المنشآت المؤجرة والمستأجرة، مما ينعكس أثره على المراكز المالية ونتائج النشاط لهذه المنشآت والمحتوى الإعلامي لتلك التقارير والقوائم نتيجة اختلاف المعالجات والسياسات المحاسبية المتبعة في معالجة هذه العقود باعتبارها عقود إجارة تشغيلية وبالذات بالنسبة للمنشآت المستأجرة .. كل ذلك أدى إلى تضليل كثير من مستخدمي القوائم المالية، مما دعا الهيئات والمجامع المهنية - على المستويين المحلي والدولي - إلى إصدار المعايير والتوصيات التي تحدد الأسس العامة التي يجب أن تلتزم بها المنشآت المختلفة سواء كانت مستأجرة أم مؤجرة بصدد المحاسبة والإفصاح عن عقود الإجارة طويلة الأجل وتحديد متطلبات القياس والإثبات والعرض والإفصاح المتعلقة بهذه العقود في القوائم المالية لتلك المنشآت.

وفي ضوء ما سبق، فإن الآراء الفقهية المعاصرة الصادرة بشأن عقود الإجارة طويلة الأجل خاصة تلك العقود التي تنتهي بتمليك المستأجر للأصول المستأجرة - في حاجة إلى الدراسة والتمحيص والتعرف على خلاصة ما توصل إليه الفقهاء المعاصرين فيما يختص بمشروعية عقود الإجارة المنتهية بالتمليك بصورها المختلفة وتكييفها فقهيا، هذا بالإضافة إلى ضرورة إجراء دراسة تحليلية وتقويمية مقارنة للمعالجات المحاسبية التي أوردتها المعايير المحاسبية (الأمريكية والبريطانية والدولية والسعودية) ومعيار الهيئة، وعرض تلك المعالجات على رأي الفقه الإسلامي، وذلك بغية التوصل إلى منهج إسلامي للمحاسبة والإفصاح عن عقود الإجارة المنتهية بالتمليك التي تبرمها بعض المصارف الإسلامية - بصفة المصرف مؤجرا أو مستأجرا وما ينبغي أن تكون عليه متطلبات القياس والإثبات والعرض والإفصاح عن تلك العقود في القوائم المالية للمصارف الإسلامية، وذلك في إطار ثلاثة محاور وهي: أولها أن تأتي المعالجات متمشية ما أقره علماء الفقه الإسلامي ومبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية. وثانيها: المحتوى الإعلامي للقوائم المالية واحتياجات مستخدمو تلك القوائم من المعلومات. وثالثها: التوافق والانسجام مع مبادئ الفكر المحاسبي الإسلامي والمبادئ المحاسبية المتعارف عليها والمقبولة قبولا عاما. هذا وتثير المشكلة موضوع البحث العديد من التساؤلات أهمها ما يلي:

1 - ما مدى مشروعية عقود الإجارة المنتهية بالتمليك - بصورها المختلفة - التي تجريها المصارف الإسلامية؟ وإذا ثبتت مشروعية هذه العقود فكيف يتم تكييفها فقهيا؟

2 - كيف يتم قياس قيمة الأصول المقتناة .. بغرض الإجازة المنتهية بالتمليك في ظل الفلسفات التي استندت إليها المعايير المحاسبية ومعايير الهيئة؟ هل تتم رسملة هذه الأصول في دفاتر المستأجر أم المؤجر؟ وهل تختلف الفلسفة التي يقوم عليها معيار الهيئة عن تلك التي تستند إليها المعايير المحاسبية؟

3 - هل يتم احتساب إهلاك الأصول محل الإجارة المنتهية بالتمليك في دفاتر المستأجر أم المؤجر؟ وهل يتم الإهلاك على أساس فترة الإجارة أم على أساس العمر الاقتصادي للأصل؟ وما هي سياسة الإهلاك الواجب اتباعها؟

4 - كيف يتم تحديد مبالغ دفعات الإجارة؟ وكيف يتم قياس العائد من الإجارة من المنظور الإسلامي؟ وكيف يتم تجزئة دفعات الإجارة إلى مكوناتها أو عناصرها في دفاتر المؤجر والمستأجر؟ وما هو معدل العائد المستخدم في ذلك؟

5 - ما هو أثر اختلاف القيمة السوقية للأصل عن قيمته الدفترية؟ - لدى المؤجر - على المعالجة المحاسبية لعقد الإجارة المنتهي بالتمليك (الإجارة التمويلية أو ما يطلق عليه الإجارة البيعية في المعيار الأمريكي أو عقد الشراء التأجيري في المعيار البريطاني)؟ وكيف تتم معالجة عقود البيع ثم الاستئجار المنتهي بالتمليك؟ وهل تختلف المعالجة المحاسبية لعقود الإجارة العقارية المنتهية بالتمليك عن المعالجة المحاسبية لعقود الإجارة المماثلة لأصول أخرى؟

6 - ما هي متطلبات الإثبات المحاسبي - أو كيف يتم التوجيه المحاسبي - لعمليات عقود الإجارة المنتهية بالتمليك؟ وكيف يتم هذا الإثبات في دفاتر كل من المؤجر والمستأجر؟

7 - هل تختلف المعالجات المحاسبية للمشكلات السابقة المتعلقة بعمليات عقود الإجارة المنتهية بالتمليك في ظل معيار الهيئة عن تلك المعالجات التي أوردتها المعايير المحاسبية (الأمريكية والبريطانية والدولية والسعودية)؟ وما هي المعالجات التي استحدثها معيار الهيئة للقياس والإثبات والعرض والإفصاح عن تلك العقود في القوائم المالية للمصارف الإسلامية؟ وما مدى تمشي هذه المعالجات مع الأحكام الفقهية لعقود الإجارة المنتهية والتي تتفق مع مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية؟

8 - ما هي أهم الآثار المالية والاقتصادية للمحاسبة والإفصاح عن الأصول المستأجرة على المحتوى الإعلامي للقوائم المالية للمؤجر والمستأجر طبقا للمناهج والفلسفات التي انتهجتها المعايير المحاسبية ومعيار الهيئة؟

9 - ما هي المعلومات المتعلقة بعقود الإجارة المنتهية بالتمليك من وجهة نظر المؤجر والمستأجر والتي يحتاجها مستخدمو القوائم المالية؟ وما هو الجزء الواجب عرضه من تلك المعلومات في صلب القوائم المالية؟ وما هو ذلك الجزء الواجب الإفصاح عنه في الإيضاحات حول القوائم المالية؟ وما مدى كفاية متطلبات العرض والإفصاح عن تلك المعلومات في القوائم المالية لكل من المؤجر والمستأجر - في إطار تلبية احتياجات مستخدمي تلك القوائم من المعلومات - كما حددتها المعايير المختلفة؟ وما ينبغي أن يكون عليه العرض والإفصاح من وجهة نظر الباحث؟