“إعادة تقييم العملات الخليجية.. المعوقات وسبل المعالجة”
27 مايو/أيار 2008صدرت عن مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية دراسة بعنوان “إعادة تقييم العملات الخليجية.. المعوقات وسبل المعالجة”. نورد في ما يلي اهم ما تضمنته:
يبدو أن خطط دول مجلس التعاون، التي حددت الأول من يناير 2010 موعدًا لإطلاق العملة الخليجية الموحدة، تسير في اتجاه معاكس لما تبغيه؛ وذلك بفعل العديد من العوامل، وأهمها: انسحاب سلطنة عمان من المشروع، وعدم اتفاق هذه الدول على معدل للتضخم، وانخفاض قيمة الدولار الأمريكي الذي يستخدم في تقييم العملات الخليجية أمام العملات الرئيسية الأخرى؛ حيث فقد حوالي 8% من قيمته أمام اليورو هذا العام وحده؛ الأمر الذي دفع الكويت إلى فك ارتباط عملتها به، بل إعلان الشيخ «محمد بن راشد آل مكتوم« نائب رئيس دولة الإمارات ورئيس وزرائها، أوائل شهر أبريل 2008 تشكيل بلاده لجنة لدراسة الاقتداء بالخطوة الكويتية، غير أن اللجنة أوصت بالإبقاء على الارتباط بالدولار.
ويضاف إلى العوامل السابقة ما اتخذته الولايات المتحدة من خطوات لانتشال اقتصادها من حالة ركود مؤكدة بسبب أزمة الرهن العقاري؛ وهو ما تمثل في الحفز المالي عبر ضخ مليارات الدولارات في السوق في شكل إعفاءات ضريبية للشركات، أو عبر تفعيل السياسة النقدية حفز الاقتصاد وتقليص كلفة الاقتراض وتشجيع الاستثمار من خلال خفض سعر الفائدة الأساسي. تلك الخطوات كان من الطبيعي أن تؤثر بالسلب في الاقتصاديات الخليجية بحكم ارتباطها بالاقتصاد الأمريكي، فخفض قيمة الفائدة، الذي كان آخره في 1/5/2008، بربع نقطة، لتحذو حذو بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي قام بنفس الخطوة يوم 30/4/2008، أدت إلى مزيد من تآكل فوائض النفط المسعر بالدولار، مما أثر على مخصصات خطط التنمية في دول المجلس، كما زاد من معدلات التضخم نتيجة زيادة السيولة التي ولدت إقبالاً غير محسوب على السلع والخدمات في جميع القطاعات. وكنتيجة طبيعية لعدم ملاحقة العرض لتلك الزيادة سادت حالة من الارتفاع الجنوني للأسعار، وبرزت ضغوط تضخمية متزايدة؛ إذ سجل معدل التضخم في السعودية 7،8%، وفي عمان 1،11%، وفي قطر 7،13%، وفي الإمارات 3،9% وذلك خلال العام الحالي. وتضع هذه التطورات والتأثيرات دول المجلس في مأزق حقيقي؛ حيث تمتد آثارها إلى زيادة فرص دخول اقتصادياتها في حالة ركود، قد تترتب عليها زيادة الأعباء الملقاة على عاتق الحكومات التي تسعى لتوفير مستويات معيشية مناسبة للمواطنين ذوي الدخول المنخفضة، لتضعها أمام ثلاثة تحديات أساسية، وهي: ارتفاع الأسعار، زيادة معدل البطالة، وضرورة تنويع اقتصادياتها والخروج من أسر اقتصاد السلعة الواحدة (النفط).وهذا الوضع يتطلب أن تزيد من معدل سعر فائدتها بدلاً من تخفيضها للحد من السيولة، كما أن الأمر يتطلب منها فك ارتباط عملاتها بالدولار وليس تتبع خطاه، ولاسيما أن هذا الانخفاض الحاد في قيمة الدولار أمام العملات الأخرى أصبح على رأس أولويات البحث في مختلف عواصم العالم؛ حيث أثار استفسارًا يشغل الجميع: هل ما يحدث له هو تعديل مقصود وتحت السيطرة لقيمة العملة الأمريكية أم انهيار حاد خارج عن السيطرة ؟
وأمام الإجابة عن هذا كان رد الفعل العالمي على تدهور قيمة الدولار حاليًا مختلفًا تمامًا عن رد الفعل داخل الولايات المتحدة، فالتقارير الأوروبية والآسيوية تتحدث عن تدخل غير أمريكي في أسواق الصرف من أجل وقف تراجع العملة الأمريكية وزيادة قيمتها أمام عملاتهم، باعتبار أن انخفاض قيمة الدولار يجعل المنتجات الأمريكية في الخارج أرخص من مثيلاتها الأوروبية على سبيل المثال.. وفي إطار هذا وضعت البنوك المركزية لدول العالم تحت ضغط كبير لاتخاذ قرار حاسم والحسم بين خيارين، إما الاستمرار في شراء العملة الأمريكية بهدف دعمها حتى لا تتأثر اقتصادياتهم سلبًا بهذا التدهور، أو بيع ما لديهم من دولارات في ظل استمرار تدهور قيمته واللجوء إلى تكوين احتياطيات نقدية بعملات أخرى أقوى مثل اليورو والين؛ وذلك حتى تظل صادراتهم أقل كلفة من غيرها في مختلف الأسواق العالمية. ولأن دول مجلس التعاون الخليجي جزء من هذا العالم وتعتمد موازناتها على إيرادات النفط، التي يظن البعض أنها استفادت من الزيادات المتصاعدة في أسعاره ولكن لم تكن هذه الزيادة في جانب منها إلا خسارة، ولاسيما أن الدولار ـ المسعر به النفط ـ فقد ربع قيمته خلال فترة ارتفاع أسعار النفط، وبذلك فإن اقتصاداتها تتأثر سلبًا بانخفاض سعره، كذلك ترتفع معدلات الأسعار في الدول التي تستورد منها دول المجلس بسبب ارتفاع سعر صرف عملات هذه الدول، مقارنة بعملات دول المجلس المرتبطة بالدولار.. وإزاء ذلك، انقسمت الآراء إلى ثلاثة فرقاء، الأول: يرى أن على دول الخليج أن تتماشى مع معدلات الفائدة التي فرضها البنك الفيدرالي لمنع تدفقات التمويلات الراغبة في المضاربة مستغلة فروق سعر الفائدة، نظرًا لتثبيت سعر عملاتها بالدولار. الفريق الثاني: يرى أن ما قامت به المصارف الخليجية لتجنب الوقوع في مشكلة انهيار الأسواق المالية، قد يوقعها في مشكلة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في التضخم، الذي بلغ أعلى مستوياته منذ 16 عامًا في السعودية وعمان وأعلى مستوياته منذ 19 عامًا في الإمارات، واقترب من أعلى مستوياته على الإطلاق في قطر، في الوقت الذي يقود خفض الفائدة إلى تدفق المزيد من السيولة في الأسواق، وهو أمر تحتاج إليه أمريكا ويحاول الخليج تجنبه، لاسيما أن ما دفع الأمريكيين إلى تلك الخطوة هو معاناة اقتصادهم من سيل مفاجئ من البيانات السلبية؛ فهناك ضعف في سوق العمل وفي التصنيع، وثمة تباطؤ في مبيعات التجزئة، وازدادت حدة دورة الهبوط في قطاع الإسكان، مما هدد النظرة المستقبلية للاقتصاد بالتسبب في ضغوط جديدة على الميزانيات العمومية للمؤسسات المالية الكبرى.
أما على الجانب الخليجي فلا يوجد داع لبقاء الربط؛ ففي السنوات الخمس الماضية ارتفع إجمالي الناتج المحلي في دول مجلس التعاون بحوالي 7% وفقًا لما ذكره “كون تشو” كبير محللي الأسواق الناشئة في “باركليز كابيتال” بلندن. ويذكر العديد من المحللين الاقتصاديين ان نمو اقتصاديات الشرق الأوسط يتركز داخليًا، وهذا يعني أن هذه الاقتصاديات تتمتع بالحماية والحصانة من تداعيات بطء النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، حيث إن الصناعات التي تتركز في السوق المحلية لن تتأثر بضعف الطلب في الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه فإن عائدات النفط التي تتم إعادة استثمارها في الاقتصاديات المحلية سوف تحفظها من التأثر بالأزمة النقدية الغربية. إن المنطقة تستورد سياسة مالية يطبقها المصرف الاحتياطي الفيدرالي بما يتناسب مع حاجات الولايات المتحدة، وما يناسب هذه الأخيرة لا يناسب بدوره اقتصاد الخليج، وما يقلق في هذا ليس المستويات الحالية للتضخم، بل المستويات المستقبلية المنتظر تسجيلها. ويخلص أصحاب هذا الاتجاه إلى ضرورة فك الارتباط بالاقتصاد الأمريكي الذي لم يعد مجديًا، لاسيما أن عالم اليوم أصبح يخضع لسيطرة اقتصادية متنوعة، سواء الولايات المتحدة واليابان ودول الاتحاد الأوروبي، أو الهند والصين ودول شرق آسيا ودول أمريكا اللاتينية، فضلاً عن منطقة الخليج ذاتها. الفريق الثالث: اتخذ مسارًا وسطًا بين الاتجاهين؛ حيث يرى أن دول الخليج يصعب عليها في الوقت الحالي فك ارتباط عملاتها بالدولار، فقرار مثل هذا يحتاج إلى دراسة معمقة لكيلا يعود سلبًا على اقتصاد المنطقة، فكل حوالة مالية أو خطاب اعتماد أو شيك بنكي يصدر من الخليج لأي جهة في العالم، وحتى تحويلات العاملين بها، تمر عبر البنوك الأمريكية، كما أن هناك العديد من كبريات الدول المصدرة للنفط ممن تبيع نفطها بالدولار وعملاتها ليست مرتبطة به مثل دول أمريكا الجنوبية، والدول الاسكندنافية المطلة على بحر الشمال وروسيا وغيرها. وبذلك فهناك صعوبة في الاتجاه إلى فك الارتباط، وعلى الأقل يتعين رفع أسعار صرف العملات، حتى تساعد على سحب السيولة من النظام المالي، وهو ما سيعد رسالة واضحة من دول الخليج إلى جميع شركائها بأنها على استعداد لبناء سيناريوهات للتعامل مع التضخم، الذي كان من أهم أسبابه ارتفاع معدلات السيولة وعرض النقود واتباع سياسات نقدية توسعية في أوقات الارتفاعات المحمومة للاقتصاد.
إن فك ارتباط العملات الخليجية بالدولار له من المخاطر ما هو أكثر من المكاسب، فدول الخليج تستعد لإصدار عملتها الموحدة، وبحسب الخبراء فإن ذلك يتطلب نظام صرف ثابت يصعب تحقيقه في حالة سلة العملات، على عكس تقويم سعر الصرف بعملة واحدة، وفي إطار هذا تجدد الاهتمام بإعادة مشروع الوحدة النقدية إلى مساره، فأي عمل منفرد آخر من جانب دولة خليجية واحدة كفيل بالقضاء على المشروع برمته، ولهذا اتفقت دول الخليج في اجتماع الدوحة خلال الشهر الماضي على الإبقاء على ربط عملاتها بالدولار لحين تحقيق الوحدة النقدية التي ستمهد الطريق أمام تلك الدول لإصلاح سياسة ربط عملاتها بالدولار بشكل مشترك، في الوقت الذي تشهد اقتصادات الخليج ازدهارًا، لكن في المقابل كلما تأخر إصدار العملة الموحدة زادت الضغوط على دول المجلس مثل قطر -التي تعاني أعلى نسبة تضخم- لرفع قيمة عملتها بشكل منفرد، كما فعلت الكويت التي اتخذت من التضخم المستورد مبررًا لفك ربط عملتها بالدولار في مايو 2007، وسمحت للعملة منذ ذلك الحين بالارتفاع بنسبة نحو 9% أمام الدولار. إن تحرير العملات الخليجية يحتاج إلى دراسات مستفيضة، وفي نفس الوقت فإن إصدار العملة الخليجية الموحدة المرهونة باستمرار الارتباط بالدولار سيمكن دول الخليج العربية من تحقيق نهضة اقتصادية لديها عملة حرة قوية، قد تجعل باقي الدول العربية تسعى لربط عملاتها بها، وهو ما ينتج عنه صناعة عملة عربية أكثر قوة؛ وإيجاد منطقة عملة جديدة، الأمر الذي يمهد لايجاد بنك مركزي عربي واحد، ويغير من خريطة الاقتصاد العربي إلى الأفضل.


