المضاربة الشرعية وتطبيقاتها الحديثة
16 يونيو 2008من ضمن سلسلة دراسات البنك الاسلامي للتنمية- المعهد الاسلامي للبحوث والتدريب صدرت عام 1993 الطبعة الثانية لدراسة بعنوان “المضاربة الشرعية وتطبيقاتها الحديثة” لحسن عبد الله الأمين:
يتناول البحث المضاربة الشرعية، تعريفها ومعناها ومشروعيتها وشروط صحتها وآراء حول تطبيقاتها الحديثة وتكييف العلاقة الشرعية والقانونية ووضع البنك كممثل لأصحاب الأسهم، ويناقش توزيع الأرباح والأمور التي تعترض المضاربة الشرعية عند التطبيق والممارسة ومحاولة إيجاد حلول لها من واقع التجربة. في ما يلي ابرز ما جاء في مقدمة البحث:
“… كيف تدعون إلى الرجعة إلى الاسلام - مع تغير ظروف الحياة في أوضاعها المختلفة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في هذا العصر؟ وكيف توفقون بين ظروف العصر في مجال الحياة الاقتصادية وخاصة النظام المصرفي الذي غطى أغلب نواحي الحياة المالية وأصبح يمثل جزءا من اقتصاد الشعوب الإسلامية، كيف توفقون بينه وبين الإسلام؟
وكانت الإجابات الأولى على هذا التساؤل، قد اتجهت إلى محاولة إيجاد الحلول الشرعية للأوضاع القائمة - في النظام المصرفي داخل إطار الاقتصاد الغربي الحديث - بتفسيرها تفسيرا يدخل تحت القبول الإسلامي لها، إما لاعتبرات الضرورة والحاجات الملحة المتعينة من جهة، وتحقق منفعة الطرفين من جهة أخرى، وإما بإدخالها في نطاق عقود جديدة، أو تحت بعض العقود المسماة “العقود الإسلامية”، مع عدم الالتزام بالشروط الفقهية لهذه العقود أو بحصر معنى مفهوم الربا في صور معينة لا تنطبق على الأنشطة المصرفية الحديثة. وكان من هذا القبيل ما نسب بغير حق للأستاذ الإمام محمد عبده إلى أن وصلت الصحوة الإسلامية المرحلة الثانية من التبلور فبرز طرح جديد من البدائل، عن الأسباب المتبعة - تقليديا في العمل والنشاط المصرفي - تخطى آثار مرحلة البدائل، عن الأسباب المتبعة - تقليديا في العمل والنشاط المصرفي - تخطى آثار مرحلة البحث عن التبرير لتلك الأساليب التقليدية. وكان على رأس تلك البدائل التي طرحت.
للخروج من دائرة الأساليب التقليدية - التي غالبا ما تؤدي إلى الربا أو الممارسات المحرمة - للخروج المصرفي في ضوء قواعد المضاربة الشرعية مع عدد آخر من العقود والأساليب الشرعية، وكان ذلك في أوائل العقد السادس من هذا القرن الميلادي حينما طرح الدكتور محمد عبد الله العربي - عليه رحمه الله - فكرة استخدام “عقد المضاربة الشرعية” في النشاط المصرفي كبديل للأساليب الربوية المتبعة، وذلك في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ثم نشرها في كتابه “النظم الإسلامية” وكان عرضه لها مبسطا، ركز فيه على إبراز المعالم الرئيسة لها وكيفية تطبيقها من غير توسع في تفاصيلها ودراسة مشاكل تطبيقها، وواكب ذلك في نفس الوقت تناول هذا الموضوع في الدراسات العظيمة التي قدمها المرحوم محمد باقر الصدر في كتابيه “اقتصادنا” و “البنك اللاربوي” وخاصة الأخير منها، ثم تتابعت بعد ذلك الدراسات التفصيلية لهذا العقد وتحليل المشاكل التي تنشأ من خلال تطبيقه، وكان من وبواكير هذه الدراسات كتاب الدكتور سامي حمود “تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية” وأطروحتنا للدكتوراه من جامعة الأزهر سنة 1977م والتي نشرتها دار الشروق بجدة تحت عنوان “الودائع المصرفية النقدية واستثمارها في الإسلام” ثم تواصلت دراسات لهذا الموضوع حتى يومنا هذا دون انقطاع.
وأعقب ذلك التطبيق العملي لعقد المضاربة الشرعية في البنوك الإسلامية القائمة الآن منذ نشآتها في منتصف السبعينات.
وهأنذا أعود للكتابة مرة ثانية في المضاربة الشرعية وتطبيقاتها الحديثة، بعد أن حظي موضوعها بالكثير من الدراسات، وخضع لمحك التطبيق العملي، وأصبح بذلك أيسر على الكاتب، للمعلومات الثرة التي تمخضت عن الدراسة الواسعة له، وعن تطبيقاته العملية في المجال المصرفي الإسلامي. ومن جهة أخرى، فقد برزت من خلال التطبيق مشاكل أخرى، زيادة على المشاكل المعهودة والتي أثيرت حوله في كتب الفقه، عن خلط أموال المضاربة، ودفع أموالها لمضاربة ثان، وكيفية اقتسام العائد الربحي بني المضارب الأول والثاني إلى غير ذلك. من هذه المشاكل: إن أسلوب المضاربة الشرعية بالرغم من أنه يوفر الإطار الشرعي للعمل المصرفي، عن طريق الاشتراك في العائد الربحي بين طرفيه - بدلا عن نظام الفائدة البوية على رأس المال، إلا أنه في ظل نظام الضرائب السائد اليوم في أغلب البلاد الإسلامية يخضع العمل المصرفي لنظام الضرائب التصاعدية، مما يقلل فرص العائد الربحي، كما أنه لا يحتسب في ربح المضارب مع المصروفات، وإنما يعتبر من الأرباح، وهذا يقتضي وضع مقابل له احتياطات البنك، لدى البنك المركزي، مما يعطل على المصرف بعض المال عن مجال الاستثمار، إضافة إلى أنه يعرض رأس المال للخطر دون ضمان عامل المضاربة، حسب نظام المضاربة الشرعية التي تفترض أن المضارب أمين على المال، وليس ضامنا، إلا إذا تعدى أو أهمل أو قصر، هذا مع ما هو متوقع حصوله من أتعاب ومشاكل من بعض أعمال المضاربة الشرعية في بعض الأحيان، ومنها طريقة المحاسبة في المضاربة المشتركة في المصارف، وهل تكون بعد استبعاد نصيب أموال الودائع الجارية لحساب المصرف مقابل تحمله مصروفات الإدارة منفردا، كما تسير عليه بعض المصارف الإسلامية، أم تكون بدمج هذه الأموال مع أموال المستثمرين واقتسامها معهم، مع تحميلهم المشاركة في تكاليف الإدارة والتشغيل، كما تفعل بعض المصارف الأخرى؟. ومن أجل ذلك اتجهت التطبيقات الحديثة في المصارف الإسلامية، إلى اختيار الأسلوب الآخر، الذي طرح هو بدوره بديلا عن العمل المصرفي الربوي، وهو أسلوب بيع المرابحة، حتى أصبح هذا الأسلوب الأخير هو المعول الأول عليه في النشاط المصرفي الإسلامي، وتواضع بإزائه دور المضاربة الشرعية، وذلك لسهولته ويسه، وبعده عن المشاكل التي يثيرها أسلوب العمل بالمضاربة الشرعية.
وفي الحقيقة فإن أسلوب بيع المرابحة للأمر بالشراء يبدو سهلا ميسورا، ولكنه محصور في البيع، وهو أسلوب محدود في النشاط المصرفي، إذا ما التزمت فيه القواعد الشرعية، ولكن إذا ما سار بالطريقة التي يمارس بها، وهذا التساهل الذي يجري عليه، في بعض استعمالاته لدى بعض المصارف الإسلامية، فإن ذلك يعرض مصداقية البنوك الإسلامية نفسها للخطر، وهو لا يغني غناء كاملا عن أسلوب المضاربة الشرعية، وإنما يعزز كل منها الآخر.
كما أن المشاكل التي أثبرت حول أسلوب المضاربة الشرعية ليست مستعصية عن الحل إذا ما سلمت النيات وبذل في سبيل تذليلها شيء من الجهد، إن شاء الله.
وفي خلال الورقات التي تضم أطراف هذا البحث، سيجد القارئ بإذن الله كثير من العرض والمعالجة لقضايا موضوع المضاربة الشرعية وتطبيقها الحديثة، والوقف على كثير مما ذكرناه بوضوح، أو ما أنا إليه إيماءة عابرة بإذن الله تعالى وخاصة في النقاط التالية:
في الفصل الأول، تكلمنا عن معنى المضاربة في الاستعمال اللغوي، والشرعي وتبيين الفرق بين معناها الإصطلاحي، ومعناها المستخدم الآن في المصفق (البورصة).
وفي الفصل الثاني، تعرضنا لتوضيح طبيعة عقد المضاربة، وهل هو على خلاص القياس باعتباره نوعا من الإجراءات كما يرى الجمهور، وعلى ذلك فلا يصح استخدامه إلا فيما ورد النص بجوازه فيه - وهو العمل في التجارة فقط، أم هو من نوع المشاركات - كما يرى بحق الحنابلة وابن تيمية وعلي يصح التوسع في استخدامه بما يشمل التجارة والصناعة والزراعة والعمل على الآلة، كالسفينة والسيارة وغيرها. دون أن يكون رأس المال فيه نقدا فقط، كما يشترط الجمهور.
وفي الفصل الثالث: تكلمنا عن شروط الصحة المتعلقة بالربح، وقد استحوذ شرط كون نصيب كل من عامل المضاربة ورب المال حصة شائعة من الربح، وليس بنسبة من رأس المال ولا مقدارا محددا، استحوذ ذلكك على حيز كبير من العرض والمناقشة المختلفة حوله، وبيان ما ترجح لدينا منها.
كذلك استأثر موضوع جواز اشتراط الضمان على المضارب الذي انفرد د. سامي حمود بالقول به - استأثر على كثير من العرض والمراجعة أيضا.
وقد خصص الفصل الرابع لإيراد رأي من يقولون بعدم لزوم شروط المضاربة، وخاصة ما كان منها خاصا بجعل نصيب المضارب حصة شائعة من العائد الربحي لا مقدارا محدودا، وإيراد حججهم ثم العودة عليها بما ينقضها ويؤكد ضرورة هذه الشروط، سواء أكانت متعلقة بشهادات الاستثمار التي تصدرها بعض الجهات المختصة وجوائزها أم بالفوائد التي تدفعها صناديق البريد في مصر وغيرها.
أما الفصل الخامس: فقد أوردنا فيه بعض الآراء الحديثة حول شروط المضاربة ومدى لزوم التقيد بها، وخاصة رأي الشيخين على الخفيف وطه سويلم حول شرط أن يكون النصيب حصة شائعة لا مقدارا معينا، وأبرزنا الرد عليهما، وكذلك بينا في هذا الفصل آراء الفقهاء حول تخصيص جزء من الربح لغير طرفي المضاربة.
أما الفصل السادس: فقد خصصناه لبيان أحوال المضارب ومجال عمل المضاربة ونطاقه، وشرحنا فيه أنواع المضاربة المطلقة والمقيدة، وكيفية استخدام المضاربة الجماعية في نطاق المضاربة المطلقة، وبينا آراء الفقهاء حول خلط أموال المضاربة المختلفة، ودفع مال المضاربة لمضارب ثاني، وكيفية اقتسام الربح وحصة عامل المضاربة في هذه الحال.
الفصل السابع: تناولنا فيه تكييف العلاقة بين المصارف والمستثمرين من الوجهتين الشرعية والقانونية وبينا طبيعة هذه العلاقة.
ووضحنا وجهتين لطريقة توزيع الأرباح وكيف أن بعض المصارف الإسلامية سارت على إحداهما، كما سار البعض الآخر على الوجهة الأخرى، وبينا أي الوجهين أسلم.
ثم ذكرنا بعض عوائق استخدام المضاربة الشرعية والعمل المصرفي الإسلامي التي ظهرت من خلال التطبيق العملي، وعلقنا على ذلك - بما رأيناه ممكنا من الحلول.”


