استراتيجيا تنمية وتطویر الإدارة العامة في لبنان
8 مايو/أيار 2008أولاً: الحاجة إلى تنمية وتطویر الإدارة العامة
1-1) تمهيد:
إن الجهود التي قام بها لبنان لإعادة بناء مجتمعه واقتصاده منذ انتهاء الحرب الأهلية عام ١٩٩٠، أظهرت نقاط ضعف عدة في الإدارة العامة، لجهة قدرتها على لعب دور فاعل في برنامج إعادة البناء. لا شك أن الواقع المتردي للإدارة العامة، مرتبط الى حد كبير، بالأضرار التي لحقت بكل عناصر الإدارة خلال الأحداث، الا أنه لا يجب إغفال حقيقة أساسية، وهي أنه منذ إنجاز إصلاح وتنمية الإدارة لعام ١٩٥٩ لم يشهد لبنان أي محاولة جدية وشاملة لإصلاح الإدارة العامة أو لتحسينها. منذ أكثر من أربعين سنة أُنشئت الوزارات والمؤسسات العامة في غياب مخطط هيكلي عام للإدارة، فنتج عن ذلك بنيان إداري يتمثل بنسيج مذهل من التداخل والإزدواجية في المسؤوليات. فلا عجب إذًا أن يكون ذلك قد أدى الى تضارب في صنع السياسات والتنفيذ، والى ضعف في المساءلة في القطاع العام ككل، مما انعكس سلبًا على سمعة الدولة لدى المواطن. ودون التقليل من تأثير الحرب على الإدارة العامة، والإهمال، الذي تعرضت له، يجب الإقرار بأن الإدارة العامة بوضعها الحالي لا تتناسب مع طبيعة الوظائف الموكلة اليها، ناهيك عن النهوض بالمهمة الجبارة لإعادة البناء، والدور المسند اليها لتوحيد الوطن. إن الإدارة العامة بشكلها الحالي لا تستطيع أن تكون أداة فعّالة لتنفيذ سياسات الدولة وتقديم الخدمات التي يحتاج اليها المواطن. يقع الموظفون العامون ضحية التناقض الشاسع بين الإجراءات والمهام المناط بهم أمر تنفيذها، في الوقت الذي يفتقرون الى الوسائل والتجهيزات التي يحتاجون اليها للقيام بعملهم بشكل فعّال. وفي موازاة ذلك يشكو المواطن اللبناني من تدني مستوى الخدمات، ومن أسلوب صنع السياسات، وتنفيذ اعتباطي، وتمادي في تعقيد الاجراءات، وتأخر في إنجاز المعاملات، إضافة إلى الفساد، وتدخل السياسيين في الأمور العائدة للإدارة العامة. كذلك تفتقر إدارات ومؤسسات القطاع العام الى إطار إجراءات واضح، مستقر، شّفاف وفاعل، كما وتشكو من بنية ضعيفة، ومن تزايد في الدين العام، بينما يتردد المستثمرون في استثمار أموالهم في البلد نظرًا لجميع العوامل التي اتينا على ذكرها.
لقد أصبح من المعلوم أن التأخير في عملية الإصلاح والتحديث الإداريين يهدد استمراية عدد من البرامج المموّلة من الدول المانحة، وإن وسائل العمل التقليدية، والإجراءات المعّقدة وغير الفعّالة تعيق وتشل احيانًا عمل القطاع العام. ويعاني المواطنون من عدم استجابة الإدارة نتيجة مركزيتها واسلوبها المعّقد في توفير الخدمات التي يتقدمون لطلبها. في نفس الوقت تلاحظ المؤسسات المانحة بأنه لا يتم استيعاب مساعداتها بالسرعة المطلوبة وهي قد بدأت تتراجع عن تعهداتها نتيجة ذلك الوضع. نظرًا لما تقدم، يبدو من الواضح أنّ لموضوع إصلاح وتنمية الإدارة طابعًا ملحًا. وإن عدم التعاطي مع المشكلة بصورة جدية يحمل مخاطر أكيدة للبنان داخليًا وخارجيًا. وبرأي العديد، فأن استقرار وتطور النظام السياسي في لبنان يتوقف على قدرته على تطوير القوانين تحديث الإدارة وإصلاح القطاع العام بغية جعله أداة فعّالة في يد الحكومة.
1-2) المشاكل الأساسية التي تواجه الإدارة العامة اللبنانية:
قبل عرض الحاجة الى خطة لتنمية الإدارة وتحديثها، نرى أنه من الضروري معالجة المشاكل الأساسية التي لا تزال تعيق الإدارة العامة اللبنانية.
1-2-3) إدارة عامة مثقلة بالمهام والمسؤوليات:
إن المهام والمسؤوليات التي تتولاها الدولة، وانشغالها بشكل شبه كلي بالمهام والأعمال الإجرائية وتقديم الخدمات، لا تعكس سّلم الأوليات وفقًا للمهام الأساسية للدولة العصرية. ففي معظم المجالات، غالبًا ما تكون مؤسسات القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية، أكثر أهلية وجهوزية للعمل في مجال تقديم الخدمات من القطاع العام. إن عدم دعم المجتمع الأهلي والقطاع الخاص لعملية الإصلاح، وإخفاق الإدارة العامة في كسب تأييدهما وتعبئة طاقاتهما وإشراكهما في عملية الإصلاح، يساهم في استمرار المأزق الحالي. إن موارد الدولة المحدودة حكمًا، لا تكفي من جهة ثانية، للتركيز على مهامها الرئيسية مما يؤدي إلى تقليص كفاءة الإدارة من جهة، وحرمان باقي القطاعات من فرصة المشاركة من جهة ثانية.
1-2-2) عدم ملاءمة تنظيم وهيكلية الإدارة:
تشكو هيكلية الإدارة العامة من مركزية شديدة، وعدم ترابط فعال بين إداراتها على المستوى المركزي والإدارات المحلية (البلديات). وبالفعل فهناك نسبة عالية من المركزية في الإدارة العامة اللبنانية، على الرغم من الوعود المتكررة من قبل حكومات سابقة للتوسع في تطبيق اللاحصرية واللامركزية الإدارية. إن ذلك يحد من استجابة الدولة لحاجات البلديات، ويمنعها من تعبئة قدراتها على العمل والإبتكار. يبرر هذا الواقع خشية البعض بأن التوسع في اللامركزية الإدارية (البلديات) ضمن دولة لم تستعد عافيتها وقدرتها بالكامل، يكون له انعكاسات سلبية.
1-2-3) الضعف في صنع السياسات:
إن صياغة السياسات العامة والقطاعية، غالبًا ما تشكو من نقص في الإبتكار، وضعف في القدرة على التخطيط والبرمجة، وعدم تماشيها مع المتطلبات الفعلية. لذا يجب إعادة النظر وتحديث العديد من القوانين والإجراءات في ضوء المتغيرات والتطورات. يضاف الى ذلك النقص في القدرات على صنع السياسات، وكذلك الإفتقار الى أنظمة إدارة المعلومات التي من شأنها توفير المعلومات وتحليلها من أجل صياغة قرارات سليمة. كما وأن القدرات على التقييم والمتابعة ضعيفتان، والمعلومات المرتدة حول التجارب والخبرات والدروس، غير متوفرة، لتوظيفها من أجل المعلومات المرتدّة. أما السياسات فهي غير مبنية على رؤية أوسع لدور الدولة، مما يؤدي الى حلول مجتزأة من شأنها خلق مشكلات وإرباكات عدة.
1-2-4) مشكلة الفائضين وعدم ملاءمة الأنظمة العامة:
هناك شواغر عديدة في الملاكات الدائمة. إذ يقدّر عدد الوظائف الشاغرة بأكثر ١٠ آلاف وظيفة من أصل ٢٢ ألف وظيفة. كذلك، تشير المعلومات الى أن الشواغر هذه تتركز في الفئتين الثانية والثالثة. كما وأن هناك نقصًا حادًا في مهارات مهمة مثل اختصاص تقنيات المعلوماتية، إدارة الأعمال، الإدارة العامة، العلوم المالية والإقتصادية، التخطيط والإحصاء …الخ، بسبب اجتذاب القطاع الخاص لتلك المهارات، برواتب أفضل من تلك التي تقدمها الدولة لموظفيها. من جهة أخرى، يسعى مرشحون كثر للحصول على وظائف في الدولة لما تؤمنه من استقرار وظيفي، وأحيانًا بعض التقدير المعنوي. كذلك فإن العديد من الموظفين المؤقتين والمياومين الذين يتم استخدامهم، إنما يتم ذلك في أغلب الأحيان دون مراعاة لعنصري الكفاءة والجدارة. إن أنظمة الإنتقاء والتعيين والمبارات المعتمدة حاليًا لا تستطيع توفير المهارات والقدرات التي تتطلبها الوظيفة العامة، وخاصة في غياب نظام توصيف وتصنيف وظيفي عصري للوظيفة العامة. إضافة إلى ما تعانيه برامج التدريب من عدم مواكبتها لمتطلبات الوظيفة العصرية، لهذا فإنها تحتاج إلى آلية مراجعة شاملة تقوم على أساس دراسة تأخذ بعين الإعتبار احتياجات وأولويات التدريب الحقيقية في الإدارة العامة.
1-2-5) تدني فعالية الأنظمة الإدارية:
تخضع الإدارة العامة لضغوط وتدخلات مستمرة في عملها، مما أدى إلى قيام علاقات من المحسوبية والتبعية مع السياسيين، الذين يقومون أحيانًا بتسهيل الخدمات للمواطنين في إدارة قليلة الفعالية. ونتيجة لذلك، يعتقد العديد أن الإدارة العامة اللبنانية أصبحت أداة تخدم إلى حدّ معيّن مصالح السياسيين والنافذين. إن الفساد في الإدارة العامة، قد بلغ مستويات تدعو إلى القلق، مما يتسبب بفقدان الثقة بين المواطن والإدارة، ونزف حقيقي للإقتصاد، فمن جهة لا يرى المواطن في الإدارة العامة أداة لتلبية حاجاته ومتطلباته، وبالمقابل لا تتصرف الإدارة كأنها تعي دورها الحقيقي، بأن عّلة وجودها هي أن تكون في خدمة المواطن والمجتمع.
1-2-6) إنعدام المساءلة:
إن أنظمة الرقابة والمساءلة في المجال الإداري غير فعّالة. وبالرغم من كثرة عدد الهيئات الرقابية والتأديبية داخل السلطة التنفيذية، لم يتم التوصل حتى الآن الى ضبط المخالفات والحد من سوء الإدارة. علاوة على ذلك فإن الوزارات لا تتقدم حتى بالتقارير حول نشاطاتها كل ستة أشهر تطبيقًا للقوانين. إن الإجراءات المعقدة وأساليب العمل المثقلة، بالإضافة الى الفساد تشكل مصدرًا لشكاوى المواطنين، وهي السبب الرئيسي لضعف مستوى الإدارة العامة، وتدني مستوى الخدمات التي تؤديها. إذ أن الإجراءات وأساليب العمل في الإدارة اللبنانية مطبّقة على حساب الإستجابة السريعة، والفعالية، والأداء الجيّد، وإنجاز الأهداف المنصوص عنها في القوانين والأنظمة. أخيرًا تفتقر أنظمة الإدارة العامة الى اعتماد تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات. وعلى الرغم من الجهود التي بدأها مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، وإدارات أخرى في مجال المعلوماتية من توفير أجهزة وتدريب العاملين، فإن المعلومات التي يمكن أن تكون من أهم الوسائل لرفع الجدوى والشفافية لا تستخدم بشكل كافٍ، خاصة وأن تخزين المعلومات وتبادلها لا يزال يتم بالأشكال التقليدية، دون الإستفادة من تقنيات المعلومات في الإتصالات لجعل الإدارة فعلاً في متناول المواطن، وإتاحة الفرصة امامه للتعبير عن مدى رضاه من الخدمات المقدمة.
1-2-7) عدم وضع المواطن في صلب اهتمام الإدارة:
يرى العديد أن الدولة هي في الدرجة الأولى في خدمة مصالح بعض النافذين والموظفين، مما يؤدي الى إغفال لحاجات واراء المواطن. فالإجراءات المعقدة والغامضة تواجه المواطن، والمتعهدين، وطالبي الخدمات في شتى الميادين، والقيّمين على شؤون البلديات، وغيرهم من أصحاب الشأن، من الذين يحتاجون الى خدمات ودعم إدارات ومؤسسات الدولة.
وقد يتحسس الموظفون العامون، خاصة القياديين منهم، هذه الأمور، الا أنه لا تتوفر لديهم دائمًا الحوافز الكافية لأخذ المبادرة بتغييرها. فمركزية القرار والتشدد في التفاصيل الإجرائية التي قد تكون التشريعات والأنظمة مصدرًا لها، تحد من قدرة الإدارات والقيّمين عليها، من التجاوب بمرونة وسرعة لمواجهة المشاكل، المشار اليها، وإهدار لفرص التكيّف مع المتغيرات في البيئة المحيطة.
1-3) إخفاق محاولات الإصلاح السابقة:
إن المشاكل التي تم تعدادها ليست جديدة ومعظم المسؤولين داخل الإدارة وخارجها يدعمون الإصلاح بشكل عام، بدرجات متفاوتة، الا أن ذلك لم يؤد حتى الآن سوى لنتائج ضئيلة. إذ يعود بطء عملية الإصلاح الى تداخل عدد من العوامل التي تم ذكر بعضها آنفًا. ومع ذلك فإن جميع هذه العوامل تشير الى أن الضغط من أجل الإصلاح لا يزال غير كافٍ للخروج من الوضع السائد.
1-3-1) ضرورة مضاعفة دعم السلطة السياسية لخطط تنمية وإصلاح الإدارة العامة.
لم يتوفر في الماضي للإدارة العامة في لبنان الدعم اللازم من السلطة السياسية لاعتماد إصلاح إداري جدّي وطموح، مما يقلص من فرص الضغط على الإدارة لتحسين أدائها، وهذا بدوره قد أضعف آليات المساءلة والمحاسبة داخل الإدارة. وتسعى الحكومة الراهنة جاهدة الى تقديم رؤية متكاملة وواضحة لدور الدولة، والتزامًا جديًا بإطلاق عملية إصلاح وتنمية الإدارة. وسوف يساعد البرنامج الوطني للتأهيل الإداري (NARP) الذي تم وضعه عام ١٩٩٤ ، وكذلك البيانات الوزارية المتعاقبة لا سيما البيان الوزاري لعام2000، على تكوين إطار عمل ملزم يتيح بلورة سياسات وقرارات إصلاحية. مع الإشارة الى أن استراتيجيا إصلاح وتنمية الإدارة التي أصدرها مكتب وزير الدولة لشؤون الإصلاح الإداري عام 1998 لم تسنح الفرصة لمناقشتها وتداولها بشكل واسع. وتعمل الحكومة الحالية جاهدة على تقليص الدين العام، واعتماد توجهات وسياسات من شأنها تخفيض الأعباء المالية للقطاع العام مع السعي الى زيادة فعاليته وتطوير أدائه، الا أن النتائج المتوقعة من تطبيق هذه التوجهات والسياسات تحتاج الى بعض الوقت.
1-3-2) عدم توفر الدعم اللازم من داخل الإدارة:
إن متوسط معدّل أعمار موظفي الإدارة العامة قد يتجاوز ٥٢ عاما، مما يقلل من فرص تقبل التغيير، ويضعف من قدرة استيعاب المتغيرات. كذلك، فإن الغموض الذي يحيط بموضوع المساءلة يزيد الأمر تعقيدًا، حيث أن مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، لا يملك السلطة التنفيذية اللازمة لتنفيذ التوصيات التي يتقدم بها، إضافة إلى غياب التنسيق اللازم بين هذا المكتب والهيئات الرقابية الأخرى، في مجال إصلاح وتنمية الإدارة، مما يساهم في عدم توفر الدعم الكافي للضغط من أجل التغيير.
1-3-3) عدم توفر الدعم اللازم من خارج الإدارة:
يمارس الشعب في دول عدة دورًا فاعلا في الضغط من أجل تحديث الإدارة. أما في لبنان فالتعددية والتنوع في المجتمع يحولان في بعض الأحيان دون ذلك، فالآراء السياسية تختلف بين فئة وأخرى، مما يؤدي في مجالات معينة الى عدم الإتفاق على الأمور الأساسية، وينجم عن ذلك بعض الإرباكات والتناقضات الإجتماعية والسياسية. علمًا أن عدم توفر الإجماع السياسي بصورة دائمة يباعد أحيانًا بين الدولة والمجتمع. إن ضعف أداء الإدارة بالإضافة الى الفساد، قد ساهم في إضفاء جو من عدم الثقة، ومما جعل من الصعب إقناع الشعب بأن التحسين بات ممكنًا. من جهة أخرى يستطيع لبنان أن يعتمد على العديد من المؤسسات غير الحكومية، والإتحادات، والنقابات المهنية، لكن هذه لا تتمتع بالتأثير المطلوب، الذي تستطيع من خلاله ممارسة نشاطاتها من أجل التغيير، مما يحد من تأثيرها على عملية صنع القرارات.
أما بالنسبة للقطاع الخاص، فيستطيع لبنان أن يدّعي عن حق، بأنه قد شجّع المبادرة الفردية، من خلال نظام اقتصادي ليبرالي مبني على تبادل تجاري حر، كذلك تنوي الحكومة تقليص دورها في الملكية العامة للمرافق العامة، من خلال خصخصة بعض القطاعات. لكن كما هو الحال مع المؤسسات غير الحكومية، فإن الضغط من قبل القطاع الخاص على الإدارة من أجل تحسين أدائها ما زال ضعيفًا.
1-4) تقييم عمليات الإصلاح السابقة.
بالعودة إلى الأعمال الإصلاحية التي قامت الحكومات اللبنانية المتعاقبة باعتمادها، بعد إصلاحات العام ١٩٥٩، يمكننا أن نستنتج أنها أغفلت المشاكل الإستراتيجية المتعلقة بمهام الإدارات وهيكليتها، ولم تقدّم رؤية واضحة حول دور وموقع الإدارة اللبنانية. لم تشهد الإدارة اللبنانية خلال العقود الأربعة المنصرمة، أية محاولة لإعادة نظر جذرية بدورها ومهامها وتنظيماتها الأساسية، على الرغم من المجهود الكبير الذي قام فريق العمل في مكتب وزير الدولة لشؤون الإصلاح الإداري في إعداد دراسات تنظيمية ترمي الى مراجعة مهام ومسؤوليات وهيكليات الإدارات العامة، إضافة الى الخطة الإستراتيجية الموسعة التي جرى إعدادها، والتي لم تلق الصدى المطلوب في حينه. وبالتالي فهناك حاجة ملحة وشاملة لتحديث هذه الإدارة لتلتقي مع احتياجات الإدارة الحديثة. إن ضعف الأداء والمساءلة يحّتمان وضع إطار جديد يتم من خلاله تصميم وتنفيذ الإصلاح المنشود.
يعرض الفصل التالي المبادئ الأساسية التي قد تساعد في وضع هذا الإطار، بينما يحدد الفصل الرابع الاطار المقترح للاستراتيجيا.
ثانياً: مبادئ الإدارة العامة الحدیثة
2-1) دور الدولة:
إن الهدف الأسمى لاستراتيجيا إصلاح وتنمية الإدارة المقترحة، هو إقامة إدارة عامة ديناميكية فاعلة ومرنة، قادرة على تأمين النمو الإجتماعي والإقتصادي للبلد، وفي الوقت عينه تأمين الاحتياجات الإجتماعية الأساسية، والإنصهار الوطني، والتقيّد بمبادئ الحكم الجيّد. إن توجه الإدارة العامة، يجب أن ينصب على الإنتاجية، وأن يركز على الأداء والإنجاز، على أساس الجدوى الإقتصادية والفعالية والإستفادة من التقنيات الجديدة في الإتصالات والمعلوماتية. وهنا تبرز الحاجة الى إقامة علاقة جديدة ومنفتحة مع المواطنين، مبنية على الشفافية والمساءلة والخدمة الجيدة، إضافة الى قيام شراكة فعلية مع القطاع الخاص والمجتمع الأهلي. إن التعاطي الجدي مع إصلاح وتنمية الإدارة يجب أن يأخذ بعين الإعتبار دور الدولة، أو المهام الأساسية المناطة بها، ومن أهمها:
- السهر على سلامة الوطن وحمايته من أي عدوان.
- إقامة علاقات خارجية مثمرة ومتينة.
- الحفاظ على سيادة القانون.
- تفعيل الإقتصاد العام في إطار من الحرية والإنفتاح لإطلاق عجلة الإنتاج.
- تأمين الإستقرار الإقتصادي والمالي الذي يتيح إمكانية توزيع الموارد بفعالية.
- تأمين وتفعيل البنى التحتية الأساسية.
- تأمين شبكات حماية للفئات المعوّزه.
- تأمين الإطار القانوني الملائم لعمل القطاع الخاص والمجتمع الأهلي.
- حماية البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية النادرة للأجيال القادمة.
بناءً على ما تقدّم، فإن الإدارة الحديثة يجب أن تأخذ في الإعتبار المبادئ التالية:
2-2) التزام الإدارة العامة بمبدأ سيادة القانون:
إن تطبيق القوانين بثبات ونظام يشكل العنصر الرئيسي في الحفاظ على أسس المجتمع وشرعية الدولة. إن احترام الإطار القانوني والتقيد بشرعيته، مع ما يتضمن ذلك من احترام لمبادئ الإستقامة والثقة والموضوعية، إضافة الى مساواة الجميع أمام القانون، هي من أهم الأسس التي تضمن مصداقية الإدارة العامة وفعاليتها. إن الحفاظ على شرعية الإدارة العامة يتطلب استقلالية القضاء عن سلطة صانعي القرارات السياسية وتأمين الإلتزام الفاعل بتطبيق القانون.
2-3) الحكم الجيّد والمجتمع المدني:
ان بناء وتطوير المجتمع المدني وتوفير خيارات متعددة له، تفسح أمام المواطنين والمؤسسات المهنية فرصة للمشاركة في تشكيل عوامل أساسية تساهم في تأمين شرعية الإدارة العامة. حيث أن وجود مجتمع مدني قوي ونشيط يعتبر شرطًا أساسيًا لحكم جيد من شأنه تشكيل قوى مقابلة للدولة والقطاع الخاص، وذلك لما يتسم به هذا المجتمع من انفتاح وتأمين للمساءلة والتطلع الى احتياجات المواطن والتقيّد بالخطط المتفق عليها.
2-4) المساءلة في الإدارة العامة:
إن المساءلة، في هذا الإطار، ترّتب مسؤولية قانونية على أي جهاز إداري عن أعماله، تجاه إدارات أخرى وتجاه الغير، وذلك مقابل تفويضه الصلاحيات والمسؤوليات. تشمل المساءلة على حد سواء، الوزراء، والموظفين، ولهذا فإنها أساسية في الحفاظ على الديموقراطية. إن آليات المساءلة الفاعلة تتطلب مسؤوليات وأدوارًا واضحة، وهيكليات محددة، ونظام متابعة ملائم، إضافة الى الإنفتاح والشفافية في اتخاذ القرارات من قبل الإدارة العامة.
2-5) تجاوب الإدارة العامة مع احتياجات المواطن:
إن مبدأ التجاوب مع احتياجات المواطن يتطلب الإنتقال من نظام بيروقراطي الى نظام منفتح. ولهذا فإن تجاوب الإدارة العامة يجب أن يأخذ بمبدأ ربط الإدارة بالمواطنين لهدف تأمين نوعية خدمات أفضل وتسهيل الحصول على المعلومات واعتماد الشفافية. وهذا يعني أن الإجراءات والتدابير الحكومية يجب أن تستجيب لحاجات المواطنين آخذة بعين الإعتبار الأولويات والموارد المتوافرة. وبناءً عليه، على المواطنين أن يعو آليات صنع القرار التي تعنيهم وتحدد حاجاتهم بغض النظر عن الخلفيات الإجتماعية أو السياسية.
2-6) اعتماد معايير للأداء الجيّد ومؤشرات واضحة لقياس الإنجاز:
إن تقديم الخدمات في الإدارة العامة يجب أن يتوجه نحو النتائج والإلتزام بمبادئ الجدوى والفعالية والإقتصاد، آخذين بعين الإعتبار مبادئ الشرعية، والمساءلة والتساوي في الحقوق وإدارة صحيحة للمال العام. وبناءً عليه، هناك ضرورة للتخلي عن البيروقراطية من أجل إدارة مُنتجة تحدد أهداف واضحة وتضع معايير لنوعية الأداء الجيّد، ومؤشرات واضحة لقياس الإنجاز.
2-7) توفير علاقة متزنة مع القطاع الخاص:
يجب على الحكومة ترويج وتسهيل نمو القطاع الخاص مع الحفاظ على مصالح المجتمع. لهذا فإن تنمية القطاعات الإقتصادية والإجتماعية تتطلب رسم علاقة شراكة بين القطاعين العام والخاص بهدف تحسين تقديم الخدمة العامة، والاستعانة بالقطاع الخاص في المجالات التي يتمتع بها، بمزايا ومهارات عديدة.
2-8) توفر القدرة على التعلم والتجديد:
إن قدرة الإدارات العامة على التعلم والتأقلم والتطور، والغاء بعضًا من هذه الإدارات العامة وإحداث أخرى جديدة، إضافة الى وجود القدرة على متابعة التطورات والإحتياجات المستقبلية، وتأمين نظام مستمر للمتابعة والمراقبة، هي من الشروط الضرورية لنجاح القطاع العام في تأمين النمو الإجتماعي والإقتصادي. وكما لاحظنا سابقًا، فإن الكثير من المبادئ التي تم ذكرها هي غير معمول بها في الإدارة العامة اللبنانية. لذا فإن القسم التالي سوف يركز على الاستراتيجيات التي يجب اعتمادها لتدعيم قدرات الإدارة العامة وتمكينها من إرشاد الحكومة في حال أرادت اعتماد خطوات أكثر جرأة.
ثالثاً: خطة تنمية وتطویرالإدارة
3-1) الأهداف:
إن الخطة الشاملة لتنمية وتطوير الإدارة المقترح أن يعتمدها لبنان، والتي يجب أن تأخذ بعين الإعتبار مبادئ الإدارة العامة الحديثة المشار اليها آنفًا تتضمّن العناصر التالية: تركيز دور الدولة على المهام الرئيسية. اعتماد هيكليات إدارية فاعلة ومتناسقة. تعزيز القدرة على صنع السياسات وتنفيذها. تزويد الإدارة العامة بالموظفين الكفوئين واعتماد نظام حديث للوظيفة العامة. تبسيط وتحديث الإجراءات والنظم تعزيز وتفعيل أنظمة الحكم الجيد. تركيز الإدارة على خدمة المواطن وتحقيق النتائج. بناءً على هذه العناصر، يجب اعتماد مقاربة متماسكة للتحديث الإداري. إن خطة كهذه تتضمّن الاستراتيجيّات الرئيسية سوف تعكس الخيارات الأساسية، التي تتم ترجمتها من خلال تدابير محددة، تساعد على رسم منهجية العمل، والإجراءات والنظم الخاصة بهيكلية ونشاط الإدارة، والعنصر البشري، على أن تكون تلك التدابير منسجمة مع المبادئ الإدارية الحديثة.
3-2) الأهداف الإستراتيجية والتدابير المقترحة:
3-2-1) تركيز الدولة على المهام والنشاطات الرئيسية:
يجب أن تركز الدولة نشاطها على ما يمكن لها وما يجب عليها أن تقوم به من مهام ونشاطات رئيسية، تاركة الأدوار والنشاطات الأخرى للقطاع الخاص والمجتمع المدني. على الدولة أن تخّفف من الأعباء الملقاة على عاتقها التي من شأنها أن تبدد طاقاتها وتهدر إمكاناتها، وأن تتولى ما يعود لها من نشاطات أساسية بطريقة أفضل من السابق. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التدابير التالية: توضيح دور الدولة بمعنى قيامها بالمهام الرئيسية (وضع الاستراتيجيات ورسم السياسات، التخطيط، التنسيق والرقابة الناظمة) والنشاطات التشغيلية المتمّمة لتلك المهام. تقييم الموارد المالية والبشرية المتاحة للقيام بتلك المهام وتقدير إمكانيات الحصول على تلك الموارد. إتخاذ القرار الملائم والمتعلق بالتخّلص من النشاطات التشغيلية في القطاعات المختلفة. التوقف عن تدخل الدولة في تقديم وإنتاج الخدمات والسلع بشكل مباشر وعلى نطاق واسع، كلما كان ذلك مفيدًا للمواطن ولتحسين نوعية الخدمات. إعادة توزيع المهام والأدوار من خلال اعتماد خطوات تدريجية كالخصخصة، وإنشاء مؤسسات تنفيذية تتمتع بمرونة العمل، وتلزيم الأعمال للقطاع الخاص ، وتعزيز دور منظمات المجتمع الأهلي. وضع واختبار وترتيب قائمة بخيارات الخصخصة المتاحة، وإنشاء سلطة رقابية عليا تتمتع بالإستقلالية تتولى الإشراف على برامج الخصخصة وإقرارها. وضع إطار سياسي لعملية الخصخصة وإصدار القوانين التي تضمن تحقيق المساءلة والمصداقية لهذه العملية الدقيقة. فتح قنوات الإتصال والتفاعل بين إدارات ومؤسسات القطاع العام، والمجتمع الأهلي، والقطاع الخاص، لتبادل الآراء والمبادرات والخبرات.
3-2-2) اعتماد هيكليات إداریة فاعلة ومتناسقة:
لا بد من تنظيم المهام الرئيسية للدولة بشكل فاعل ومتناسق، وتفويض الصلاحيات للمستويات الإدارية الدنيا، وتوزيع الأدوار بطريقة منهجية ومتناغمة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التدابير التالية:
إعادة تنظيم الهيكليات الإدارية بناءً على دراسة شاملة لها، وللقوانين والأنظمة التي ترعى عمل الوزارات والمؤسسات العامة بهدف عقلنة المهام والمسؤوليات وإعادة تصويبها. وهذا يتضمن إمكانية الدمج ونقل الصلاحيات وإزالة الإزدواجية، الخ… تصنيف الإدارات والمؤسسات الحكومية وفق تحديد دقيق يميّز بينها، لجهة صنع السياسات والتخطيط، وتوزيع الموارد، والرقابة والتنفيذ والمتابعة.
إعادة النظر في وضع المؤسسات العامة، بحيث يصار إلى منحها مزيدًا من الإستقلالية، مقابل مساءلتها واعتماد نظام قياس النتائج والمنجزات، أو إلى خصخصة بعض أنشطتها، ونقلها الى القطاع الخاص أو منظمات المجتمع الأهلي.
إعادة توزيع المهام والصلاحيات بين الإدارات المركزية، والوحدات الإقليمية، والبلديات (التفويض، اللاحصرية، اللامركزية) بحيث تركز الوزارات على صنع السياسات وإتخاذ القرارات وتتوقف عن القيام بالنشاطات التنفيذية. إعادة النظر في حجم وشكل الوزارات، بما يتلاءم مع مهامها المتعلقة بصنع السياسات، والتخطيط، والتنظيم، بعد التخّلص من الأعمال والأنشطة الثانوية، ومعالجة وضع الموظفين الفائضين، وردم الهوّة القائمة بين المسؤولية والسلطة. اعتماد مبدأ التكيّف التنظيمي المستمر وتعزيز مبدأ الإدارة الفاعلة. تحفيز الموظفين على تجاوز الحدود التي تفصل إداراتهم عن باقي الإدارات، والتعاون بمرونة مع الإدارات الأخرى أفقيًا وعاموديًا.
3-2-3) تعزیز القدرة على صنع وتنفيذ السياسات:
تحتاج الدولة الى حسن استعمال وتوزيع مواردها المحدودة وفق أولويات مختارة بدقة في مجالات محددة. وتستند تلك الأولويات الى قاعدة بيانات دقيقة، والتوازن في الخيارات، والشفافية في إتخاذ القرارات، ضمن إطار الإستراتيجيا الشاملة. وعلى القرارات السياسية أن تترجم في خطط عملانية، وموارد مالية محددة وأهداف دقيقة يجري العمل على تحقيقها. ويحتاج تنفيذ القرارات الى متابعة متواصلة وتعديلات مستمرة. وهذا يتطّلب التدابير التالية:
إنشاء وحدات للتخطيط في بعض الوزارات تتولى وضع الخطط واقتراح السياسات العائدة لهذه الوزارات، إضافة الى المتابعة والتقييم، وخاصة القدرة على التخطيط الإقتصادي (مثلا: نموذج هيئة التخطيط).
تعزيز مستوى النقاش داخل المجتمع المدني والبرلمان والوزارات حول السياسات التي يجب اعتمادها.
الفصل بين مهام وضع السياسات والتخطيط، وتوزيع الموارد المالية، والتنفيذ، والمتابعة والمراقبة ضمن إدارات مختلفة، لكل منها مهامها وصلاحياتها.
تعزيز القدرات في مجال التحليل الديموغرافي والإحصائي.
تطوير القدرة على جمع المعلومات وإدارتها، واعتماد معايير محددة للمهام التشغيلية، واستثمارها في مجال المتابعة والمراقبة.
دعوة المجتمع الأهلي كالجامعات والمعاهد، والمنظمات غير الحكومية وغيرها…الخ، الى المشاركة في المناقشات والمراجعات في مجال صنع السياسات.
الربط بين الموازنة والأهداف الإستراتيجية القطاعية.
3-2-4) بناء إدارة ذات نوعية عالية وضمان الحصول على العنصر البشري الكفوء:
يجب على الإدارة العامة أن تكون الأداة الرئيسية في يد الدولة، وعليه لا بدّ أن تتمتع بمستوى عال من الكفاءة والنزاهة والإلتزام والمرونة في توزيع الموارد البشرية. إن عدد ونوعية وتوزيع العنصر البشري يجب أن يخدم الإحتياجات المتوسطة المدى للدولة، لا السياسات القصيرة المدى أو الحقوق الوظيفية البعيدة المدى. إن الإحتراف في الإدارة يتطلب بشكل متزايد اتخاذ قرارات عقلانية والتوجّه نحو خدمة المواطن وتحقيق الأهداف والنتائج، وإدارة الموارد المحدودة بطريقة فاعلة، الى جانب التركيز على الإجراءات القانونية والإدارية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التدابير التالية:
- ملاءمة حجم الإدارة للإحتياجات الفعلية المتصلة بالمهام الرئيسية وبالتقديرات الواقعية للموارد المالية المتوفرة.
- وضع تشريع جديد للوظيفة العامة يركز على المساءلة والمرونة والأداء.
- اعتماد نظام لاستقطاب وتعيين الموظفين، ونظام للمسار الوظيفي يقومان على أساس الجدارة والتصنيف الوظيفي المبسّط.
- اعتماد نظام لقياس الأداء يّتصف بالشفافية والموضوعية يأخذ بعين الإعتبار نوعية وإنتاجية الموظفين.
- اعتماد معايير موحدة للوظيفة العامة، ووصف وظيفي يقوم على أساس موحّد، وفتح المجال لمزيد من المناقلات بين القيادات الإدارية في الوزارات.
- رسم إطار لإدارة وتنمية الموارد البشرية يعتمد مقاربة متوسطة المدى، وتطوير قدرات الوزارات والمؤسسات العامة في هذا المجال.
- الإنتقال التدريجي من إدارة تقليدية تسعى الى التركيز على الإجراءات والقوانين، الى إدارة عصرية وحديثة تقوم بالإضافة الى ذلك بالتركيز على تحقيق الأهداف والنتائج،
- وتنسيق شبكات المعلومات والسعي الى تكاملها، ووضع السياسات الإستراتيجية واكتساب مهارات التخطيط.
- وضع نظام مرن للحوافز يرتبط بشكل دقيق بالأهداف والأداء.
- الإستثمار في مجال التدريب النوعي (ليس بالضرورة من خلال المؤسسات الحكومية القائمة) ضمن إطار خطط مرنة للمسار الوظيفي والمناقلات الأفقية.
- فتح قنوات جديدة للتوظيف المؤقت والمتوسط المدى في الفئات العليا، من خارج ملاك الإدارات العامة، ولا سيما للموظفين الذين لديهم خبرة في القطاع الخاص.
3-2-5) تبسيط وتحدیث الإجراءات والنظم:
يتوجب على الإجراءات والأنظمة الحكومية أن تّتسم بالشفافية، وتركز على النتائج والمساءلة، وتسمح بالتكيّف مع المتغيّرات التي تحصل في محيط العمل. وعلى الأنظمة أن تعكس بعناية ودقة المجالات التي تتدخل فيها الحكومة، على أن تبقى مبسّطة. كما أن نظم الإتصالات وتخزين المعلومات وتحليلها يجب أن تتطابق مع معايير ومواصفات عالية تضمن النوعية التقنية والفعالية والشفافية على المستوى الداخلي والخارجي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التدابير التالية:
الاستعانة وترشيد الهيئات الإستشارية وتفعيلها(من خلال الحدّ من الهيئات واللجان الاستشارية في الوزارات المختلفة).
إعادة النظر في الأنظمة على أساس المعايير التي تبرر الإبقاء عليها، والنظر في كلفة اعتمادها وتطبيقها، والتخّلص من الأنظمة غير الضرورية والمكلفة.
التخفيف من البيروقراطية من خلال تبسيط إجراءات العمل كلما كان ذلك ممكنًا.
يركز إعداد واعتماد نظام للإجراءات الإدارية على تحقيق النتائج والنزاهة والفعالية.
إتمام إعادة تأهيل البنى التحتية والتجهيزات التي تحتاج اليها الإدارات.
إدخال تقنيات المعلومات والإتصالات، على نطاق واسع لتحلّ محل الإجراءات البيروقراطية الروتينية، كي تسرّع في إتخاذ القرارات.
تحديد قواعد المعلومات الحكومية المناسب فتحها للجمهور العريض من خلال الإنترنت.
فتح المجال أمام المواطنين، لتقديم طلباتهم المتعلقة بالخدمات والرخص وغيرها، عبر البريد، والفاكس، وشبكة المعلومات من خلال اعتماد الحكومة الإلكترونية.
3-2-6) تعزيز نوعية الحكم
تحتاج الدولة إلى إعادة ثقة المواطنين بها من خلال استخدام الإجراءات والسلطة وفقًا لأفضل المبادئ والممارسات، والمعايير المتصلة بالنزاهة والإنفتاح وحكم القانون. كما يجب على العلاقات بين الدولة والمؤسسات غير الحكومية والمواطنين أن تخضع للتدقيق العام وأن تستبعد المصالح السياسية والفئوية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التدابير التالية:
- تطوير المساءلة المالية للإدارات من خلال اعتماد إجراءات محاسبة شفافة مع التركيز على الإستخدام الأمثل للموارد بهدف تحقيق أفضل النتائج.
- اعتماد الرقابة المؤخرة بحيث يتم، إضافة الى التركيز على قانونية الأعمال والإجراءات، التركيز على مدى ملاءمتها وجدواها من الناحية الإقتصادية.
- التزام أحدث المعايير المتصلة بالنزاهة ومعاقبة الموظفين المتورطين في قضايا الفساد بغض النظر عن رتبهم والتدخلات السياسية.
- خلق المناخ الذي يسمح بإجراء نقاش عقلاني، بالنسبة لتوزيع الموارد والتعيينات في المراكز الحكومية القيادية بعيدًا عن المساومات السياسية والإتفاقات الفئوية.
- تعزيز الوحدات الإدارية على المستويات المتوسطة والدنيا،من خلال التوسع في التفويض وضمان استقلاليتها النسبية، من خلال توسيع صلاحياتها في مجال إدارة مواردها المالية وتحديد احتياجاتها.
- فسح المجال أمام المجتمع الأهلي لمراجعة ومناقشة التدابير الحكومية.
- منح القضاء مزيدًا من الاستقلالية لردع المداخلات السياسية في شؤونه.
3-2-7) التوجّه نحو خدمة المواطن وتحقيق النتائج:
من أهداف وجود الدولة هو خدمة المواطنين، ومبرّر وجودها في ذهن المواطن يكمن في كونها تخدم المصلحة الجماعية، وهذا يتطلب وعيًا مستمرًا من قبل الموظفين لضرورة خدمة المواطنين والاستجابة لاحتياجاتهم المتنوّعة ضمن إطار القوانين المرعية الإجراء. إن اعتماد مبدأ الإنجازات القابلة للقياس بدل مبدأ التشدد في الإجراءات هو الذي يجب أن يسود عمل الإدارات والمؤسسات العامة. إن صوت المواطن يجب أن يسمع وأن يتم التجاوب معه. إن نجاح المؤسسات أو عدم نجاحها هو رهن بمدى قدرتها على حلّ المشكلات، وتعزيز نوعية الحياة في القطاعات المعنية فيها، ويتم الكشف عن ذلك من خلال التدقيق في أعمالها. ويمكن تحقيق تلك الأهداف من خلال التدابير التالية:
- تعزيز التفاعل بين الإدارة العامة والمجتمع الأهلي: (مثلا اعتماد نظام فعّال للشكاوى ودرس ملاءمة إنشاء جهاز الوسيط Médiateur أو Ombudsman)
- إجراء مسح دوري واعتماد أنظمة معيّنة لمتابعة مدى رضى المواطنين عن أداء الإدارات.
- وضع معايير محددة لقياس الفترة الزمنية التي تستغرقها خدمة ما، ونوعيتها، أو عبر إجراء مقارنات بين إدارات مختلفة تتولى النشاط عينه في إدارة عامة أو قطاع خاص، وتحديد أهداف دقيقة لتطوير الخدمات على أساس المعايير الموضوعة.
- اعتماد شرعة المواطن الكفيلة بمتابعة المواطن في الوزارات الرئيسية، وخلق الآلية لمدى التقيّد بهذه الشرعة.
- اعتماد مبدأ الشباك الواحد حيث يكون من الضروري إحداثه في عدد من الإدارات أو المؤسسات العامة.
- تغيير دور وتوجّه الإدارة من التركيز على مطابقة الأعمال للقوانين والرقابة المشددة، الى التركيز على تأدية الخدمات بنوعية أفضل للمواطنين.
- مقارنة النشاطات التشغيلية التي تبقيها الدولة في نطاق عمل الإدارات الحكومية، بنشاطات مماثلة تقوم بها مؤسسات تجارية ومؤسسات غير حكومية لناحية الفعالية والكلفة.
3-3) برمجة الأولويات وتسلسل الخطوات الهادفة لتنفيذ استراتيجيا إصلاح وتنمية الإدارة العامة:
3-3-1) لا يمكن للبنان أن يعتمد استراتيجيا شاملة لإصلاح وتنمية الإدارة تعالج كل القضايا الإستراتيجية دفعة واحدة وفي الوقت عينه. فالخبرات التي مرّت بها دول أخرى تشير الى أن عمليات الإصلاح الشاملة والسريعة معرّضة للفشل أكثر من المقاربات الإصلاحية التدريجية المستندة الى اعتماد اولويات وخيارات واقعية ومتناغمة، ضمن رؤية شاملة. إن الواقع اللبناني بما فيه من عقبات تعترض مسيرة إصلاح وتنمية الإدارة (وقد تمت الإشارة اليها في الفصل الثاني) ومن بينها محدودية الموارد المالية وضعف القدرة الاستيعابية، وعدم كفاية العناصر الكفوءة في الإدارة العامة، والمقاومة المتوقعة للإصلاح من داخل وخارج الإدارة، كل ذلك يحّتم اعتماد مقاربة تدريجية لإصلاح وتنمية الإدارة. كما أن القدرات الحالية للإدارة العامة، ونظم وآليات تصميم وتنظيم وتخطيط وتنفيذ العمليات الإصلاحية معّقدة، ومحدودة. لذلك، قد تكون الخطوة الأولى هي بناء هذه القدرات.
3-3-2) تحتاج عملية إصلاح وتنمية الإدارة لتوجيه يقوم على أساس المبادئ الإستراتيجية التي تفسح المجال لتحديد وحلّ المشكلات على المستويات المختلفة بطريقة منطقية ووفقًا لجدول زمني محدّد. ولقد اعتمدت تقارير برنامج إعادة تأهيل الإدارة اللبنانية(ARLA) هذا المنطق الذي يمكن تلخيصه بالنقاط التالية:
الرؤية: لا بدّ أولا من وضع تصوّر لدور الدولة ووظائفها الرئيسية وهذا يتصل بالقضايا التالية: المهام الرئيسية وقدرات الدولة، العلاقات بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع الأهلي، اللاحصرية واللامركزية، خصائص المجتمع الأهلي، آليات المساءلة، الشفافية، والتركيز على الأداء.
تحديد الأدوار والمهام: بعد وضع الرؤية، يتم إعادة النظر بالأدوار والمهامالرئيسية ، والقوانين الخاصة بإدارات معيّنة. وهذا يشمل تحديد أدوار الأجهزة الرقابية المركزية والإدارات العامة بدقة متناهية، والنتائج المطلوب تحقيقها، وعلاقات الإدارات ببعضها البعض، وبالقطاع الخاص والمجتمع الأهلي.
الهيكلية: بعد تحديد الأدوار والمهام، يتم وضع الهيكليات التنظيمية الكفيلة بأداء الإدارات العامة لدورها المطلوب. وهذا يشمل هيكليات قطاعات معيّنة بما في ذلك التصنيف الأفقي للإدارات، وتنظيمات بنيتها الداخلية.
الأداء: ثم يأتي دور الإجراءات التي تكفل قيام الإدارات بنشاطها بفعالية وكفاءة. وهذا يشمل كفاءة العنصر البشري، واستخدام الموارد، واعتماد تقنيات المعلومات والمراقبة والتحفيز.
3-3-3) إن التسلسل الذي وردت فيه الاستراتيجيات السبع المشار اليها آنفًا منطقي ويتضمن أهم المحاور الواجب درسها ومعالجتها، إلا أن الواقع يشير الى أنها ليست جميعها على المستوى ذاته من الالحاح، مما يستوجب من الحكومة تحديد أولوياتها بالنسبة لهذه الأهداف الاستراتيجية وترتيبها ضمن تسلسل منطقي وفي ضوء احتياجاتها وسياساتها. وفي هذا المجال يتوجب التمييز بين الخطط التالية:
الخطط الاستراتيجية: ومدتها حوالى ٥ سنوات، تتحدد فيها الاستراتيجيات الرئيسية، والتوجهات الكبرى ويتم الاتفاق عليها والاشراف عليها من قبل السلطات السياسية العليا (مجلس الوزراء)، ومتابعتها من قبل الأجهزة الرقابية المركزية.
الخطط الرئيسية: التي تترجم الخطط الاستراتيجية في خطط وسياسات محددة على المدى المتوسط تستهدف قطاعات معينة، ويتم الإتفاق عليها ومتابعتها على مستوى الوزارات المعنيّة.
الخطط العملانية: هي نشاطات معيّنة تترجم الخطط الرئيسية في برامج محددة توضع سنويًا ويتم الإتفاق عليها، ومتابعتها، على مستوى الوحدة الإدارية أو ضمن الوزارة أو المؤسسة العامة الخاضعة لوصايتها.
3-3-4) مع الأخذ بعين الإعتبار الأنواع المختلفة للتخطيط المشار اليها أعلاه، لا بدّ من التذكير بوجود أربعة أنواع من التدابير المطلوب اتخاذها، ولكلّ تدبير خصائصه ومحدوديّته ونطاقه:
التشريعات: إن التشريعات الأساسية التي ترعى عمل الإدارة العامة تحددها القوانين، وبالتالي لا يمكن تعديلها إلا من خلال إصدار قوانين جديدة من قبل البرلمان. إن هذا الأمر يستغرق وقتًا طويلا وأحيانًا تكون العملية معقدة. غير أن هذه التغييرات لا مفرّ منها من أجل إدخال التعديلات المذكورة.
المراسيم الإشتراعية: تصدر المراسيم الإشتراعية عن السلطة التنفيذية، أي الحكومة، بتفويض من السلطة التشريعية، ويمكن أن تحدث تغييرات أساسية في مهام وهيكليات الإدارات العامة والنظم الإدارية بشكل عام. تتسم المراسيم الإشتراعية بمرونتها مقابلة مع القوانين، حيث تجدر الإشارة الى أن معظم العمليات الإصلاحية السابقة تمّ التأسيس لها من خلال المراسيم الإشتراعية.
السياسات والتدابير: تتمتع الحكومة بسلطة كبيرة في مجال وضع السياسات، ويمكن لها أن تمنح الوزارات والمؤسسات العامة صلاحيات في مجال وضع السياسات، او تطويرها، على المستوى المطلوب منها. إن هذه العملية تتصف بمرونة أكبر من التشريعات والمراسيم الإشتراعية، لكن لها محدوديتها على الصعيد القانوني.
البرامج والتعاون: تتمتع الوزارات والوحدات الإدارية الكبرى، والمؤسسات العامة، بالقدرة على وضع وتنفيذ البرامج، والتعاون بشتى الوسائل مع إدارات ووحدات ومؤسسات عامة أخرى، أو مع مؤسسات خاصة وأهلية. وهذا هو المستوى الأكثر مرونة وعملانية. إذ يمكن إجراء اتصالات مع القطاع الخاص والمجتمع الأهلي، ويمكن توزيع الموظفين وتخصيص الموارد المالية. إن العملية الإصلاحية تحتاج إلى كل أنواع التدابير والإجراءات المشار اليها أعلاه، وتتطلب برمجة دقيقة للخطوات العملية على المدى القصير والمتوسط والبعيد على المستويات الأربع الآنفة الذكر. إلا أنه وقبل وضع الخطط والتنسيق فيما بينها، لا بد من اتخاذ قرار أساسي يتعلق بتحديد الجهاز المركزي للتنمية الإدارية الذي سيتولى إعداد وتنسيق الخطط والبرامج التنموية والتطويرية ومواكبة تنفيذها. وهذا ما سيتم معالجته في الفصل التالي.
رابعاً: أهمية إحداث جهاز مرآزي للتنمية الإداریة.
4-1) الحاجة إلى جهاز مركزي للتنمية الإدارية:
إن الهدف الأساسي من تنمية الإدارة وتطويرها في لبنان هو ايجاد إدارة عامة حيوية وفعّالة، تكون أداة في يد السلطة السياسية لتحقيق اللحمة الوطنية والتنمية الإقتصادية والإجتماعية والحكم الجيد. إن هذا العمل الإصلاحي والتنموي يتخطى الإمكانات المتاحة للهيئات المركزية المختلفة الموجودة حاليًا على أرض الواقع في لبنان. وقد أظهرت تجارب دول عدّة، بما فيها الدول ذات البنى الإدارية المتطورة، أن نجاح الجهود الإصلاحية يتوقف بقدر كبير على وجود جهاز فعّال ومستقل يكون مرتبطًا بالسلطة السياسية بشكل مباشر ويتولى عملية تنمية وتطوير القطاع العام، ويتصدى للمشاكل الإدارية بشكل متواصل ودائم، بهدف معالجتها. أما في لبنان، فقد أدّى إصلاح وتنمية الإدارة في عهد الرئيس فؤاد شهاب إلى إنشاء إدارة الأبحاث والتوجيه في العام ١٩٥٩ ، ضمن التفتيش المركزي، حيث عهد إليها مسؤولية إصلاح وتطوير عمل الإدارة العامة، إلا أن إدارة الأبحاث والتوجيه لم تتمكن من لعب هذا الدور بكفاءة لأسباب مختلفة. في العام ١٩٩٥ ، وبموجب اتفاقات بين الدولة اللبنانية، وجهات دولية ابرزها البنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أنشئ مكتب وزير الدولة لشؤون الإصلاح الإداري. وقد عهد الى هذا المكتب:
أ. وضع خطة بعيدة المدى لتنمية وتطوير الإدارة تشكل إطارًا لتنفيذ التطوير الإداري في لبنان.
ب. كسب التأييد للخطة على المستوى الحكومي، والترويج لها على مستوى الإدارات والمؤسسات العامة.
ج. لعب دور محوري واستقطاب الموارد اللازمة لتنفيذ استراتيجيا إصلاح وتنمية الإدارة.
إلا أن الفترة الممتدة بين العام ١٩٩٥ وتاريخ وضع هذه الخطة لم يشهد إتخاذ قرارات سياسية ذات وقع إصلاحي حاسم. ويمكن القول أن مكتب وزير الدولة لشؤون الإصلاح الإداري، بالرغم من تحقيق إنجازات هامة، جرى عرضها مفصلا في تقريره السنوي للعامين2000 ، لم يتمكن من تحقيق كل الأهداف التي كان يصبو اليها، والتي جرى تحديدها في /٩٩ استراتيجيا الإصلاح الإداري المفصّلة التي وضعها عام ٩٨ ، للأسباب المذكورة في الفصل الثاني، ونظرًا الى عدم توفر القدرات الكافية لدى الهيئات المركزية للتعاطي مع ملف إصلاح الإدارة وتطويرها. وعليه، واستنادًا الى ما تقدّم، تبدو الحاجة ملحة الى خيارات جديدة لتوجيه وتسهيل هذه العملية الإصلاحية البالغة الأهمية. وبالفعل، فإنه في الإطار الإداري والسياسي اللبناني الحالي، لا يبدو من المجدي الإكتفاء “بتفعيل” الهيئات المركزية الموجودة، وإنما هناك ضرورة ملحة الى إعادة نظر جذرية بمهام الهيئات والأجهزة العاملة في مجال الإصلاح الإداري.
4-2) الخيارات المختلفة:
إن نقطة الإنطلاق للحكومة الجديدة للقيام بإعادة تشكيل وتصميم شاملين للإدارة اللبنانية، هي في الإعتماد على جهاز مركزي متخصص يتولى عملية تنمية الإدارة وتطويرها، حيث يمكن أن يتمحور عمله حول:
أ. وضع السياسات العامة المتعلقة بتنمية الإدارة وتطويرها.
ب. ترجمة هذه السياسات وبلورتها ضمن خطط عمل قابلة للتنفيذ.
ج. إصدار التوجيهات التنفيذية.
د. اقتراح المبادئ العائدة الى حسن عمل الجهاز الإداري للدولة.
ه. تنسيق وتحفيز الخطوات اللازمة لعملية تنمية الإدارة وتطويرها.
و. متابعة ومراقبة جميع أوجه تنمية وتطوير الإدارة بهدف توحيد الجهود في إطار إصلاحي شامل.
ونعرض في هذا السياق ثلاثة خيارات تؤسس لمقاربة موضوعية لهذا الموضوع:
أ. الخيار الأول: إنشاء وزارة للتنمية الإدارية.
تشكل هذه الوزارة في دول عدة جهازًا قائمًا بذاته (مثل: ايطاليا، فرنسا، اسبانيا، البرتغال، السويد، لوكسمبورغ).
من ايجابيات هذا الخيار تقوية الوزارة على الصعيد المهني وتأمين استمراريتها، وكذلك إعطاءها المرونة والقدرة على الإستجابة التي يمكن أن تساعد على تحفيز وإسهام عدد أكبر من المسؤولين في عملية إصلاح وتنمية الإدارة. أما أبرز سيئات هذا الخيار فهو احتمال التأثير السياسي لهذه الوزارة على غيرها من الوزارات. وتجدر الإشارة إلى أنه في دول عدة كذلك، تندرج مهام إصلاح الإدارة وتطويرها في مهام وزارات أخرى، تشتمل على وحدات خاصة لمعالجة مسائل الخدمة العامة وإصلاح وتنمية الإدارة وبرامج التحديث الإداري. ففي كل من النمسا والدانمارك وفنلندا وايرلندا وايسلاندا تدخل مهام إصلاح وتنمية الإدارة مع وزارة المال. أما في هولندا، فإن إصلاح وتنمية الإدارة هو أحد مهام وزارة الشؤون الداخلية.
ب. الخيار الثاني: تعيين وزير دولة لشؤون التنمية الإدارية.
يتولى هذا الوزير تقديم الدعم والمساندة لتعبئة وتنسيق نشاطات وإمكانات الوزارات والإدارات الأخرى، وتوجيهها لخدمة أهداف الإصلاح والتنمية الإدارية المنشودة، على أن تحدد له مهام واضحة في حقل تطوير وتحديث الإدارة العامة، وكذلك تفويضه مسؤولية التنسيق والإشراف على مختلف الأجهزة المركزية التي تعنى بإصلاح وتنمية الإدارة. وقد تساند هذا الوزير في عمله هيئة لإصلاح وتنمية الإدارة أو جهاز داعم آخر. من ايجابيات هذا الخيار إمكانية استقطاب الخبرات المتخصصة (كما هو الحال في مكتب وزير الدولة لشؤون الإصلاح الإداري)، والمشاركة المباشرة للوزارات المختلفة، وتقليص احتمال مقاومة إصلاح وتنمية الإدارة. أما أبرز سيئاته، في حال عدم توفر إرادة سياسية قوية داعمة للإصلاح، فتتمثل بعدم وجود صلاحيات كافية لهذا الجهاز مما قد يعيق تحركه بسبب رفض الإدارات التعاون معه.
ج. الخيار الثالث: إنشاء جهاز مركزي للتنمية الإدارية يرتبط برئاسة مجلس الوزراء.
يتمتع هذا الجهاز بالإستقلالية وصلاحيات واسعة، على غرار مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي، ويكون مسؤولا عن تنمية الإدارة وتطويرها، ويمكن أن يشكل أداة الإصلاح الرئيسية في حال تعيين وزير دولة للتنمية الإدارية بحيث يوضع تحت إشرافه وتوجيهاته. من ايجابيات هذا الخيار قرب الجهاز المركزي من مركز القرار في الدولة، وسهولة التنسيق مع الأجهزة المركزية الأخرى، المرتبطة برئاسة مجلس الوزراء. أما الجوانب السلبية منه فهي احتمال إغراقه بالأعمال التنفيذية بدلا من الأعمال الاستراتيجية التي يفترض أن يقوم بها. في بريطانيا مثلا، تم إحداث وحدة في رئاسة الوزارة تعرف ب”مكتب الإدارة العامة” للإشراف على عدد من الوحدات المسؤولة عن مبادرات إصلاحية معيّنة مثل وحدة “شرعة المواطن” و”وحدة الفعالية” وحدة درس السوق” وفريق “الخطوات التالية/والوحدات التنفيذية. يتضمن هذا الخيار عدة صيغ، منها مثلا، تكليف عدة وحدات بمهام محددة لعملية الإصلاح وربطها مباشرة برئاسة مجلس الوزراء أو بمجلس الوزراء. ويترتب على هذا الطرح توسيع مهام رئاسة مجلس الوزراء وتدعيم قدرته الإختصاصية. إضافة الى ذلك هناك إمكانية إنشاء مجلس أعلى أو هيئة في رئاسة مجلس الوزراء (كما هي الحال في اليابان)، أو إنشاء هيئة عليا لإصلاح وتنمية الإدارة تتألف من بعض أعضاء مجلس الوزراء (كما هي الحال في المملكة العربية السعودية) أو حتى تشكيل لجان مؤقته لوضع واقتراح خطوات إصلاحية للإدارة العامة تعطى مهام الإشراف على برامج إصلاح وتنمية الإدارة وتأمين السرعة اللازمة للتنفيذ (كما هي الحال في كندا، الولايات المتحدة، استراليا ونيوزلنده).
إن اعتماد أحد هذه النماذج أو الخيارات هو في الأساس قرار سياسي، وهو في الدرجة الثانية مسألة تقنية. إضافة إلى ذلك، فإن اعتماد أحد هذه النماذج أو الأجهزة (Mandates) الخيارات سوف ینعكس بالضرورة على أدوار ومهام الرقابية المركزیة. واستطراداً هناك حاجة لاتخاذ قرار حول توزیع المهام والمسؤوليات بين الجهاز المرآزي للتنمية الإداریة الذي سيصار الى اعتماد صيغته، مع باقي الأجهزة الرقابية المرآزیة في الأمور العائدة الى شؤون تنمية الموارد البشریة، خاصة في السياسات والتوجهات الأساسية المرتبطة بهذا الموضوع، والأمور العائدة الى تحدیث وتطویر الإدارة في مجالات الهيكليات، والإجراءات وأساليب العمل، والأمور العائدة لتقنيات الإتصالات والمعلوماتية. وفي هذا الإتجاه، هناك حاجة الى دمج المهام الحالية العائدة لإدارة الأبحاث والتوجيه، وضمها لمهام الجهاز المرآزي للتنمية الإداریة، خاصة في حال اعتماد الخيار الأول أو الثالث. إن عدم وجود خيار “آامل” لا یشتمل الا على الإیجابيات، لا یجب أن یحول بشكل من الأشكال، دون اعتماد خيار من الخيارات الثلاثة التي جرى عرضها، مع ترجيحنا، وبحسب الأولویة، للخيار الأول القاضي بإنشاء وزارة للتنمية الإداریة، وتالياً الخيار الثالث القاضي بإنشاء الجهاز المرآزي للتنمية المرآزیة، على أن یبقى متاحاً في آلا الخيارین إمكانية الإستعانة بفریق الخبراء والفنيين العاملين حالياً في مكتب وزیر الدولة لشؤون التنمية الإداریة.
خامساً: تطبيق خطة تنمية وتطویر الإدارة العامة في لبنان
5-1) دراسة الواقع:
إن الأهداف والقواعد التي ذكرت في الفصول السابقة والتي تهدف إلى إصلاح وتنمية الإدارة العامة في لبنان، ستبقى دون جدوى ما لم يصار إلى تنفيذها بشكل جوهري، منظم ومركز. لقد شهد لبنان عدة محاولات لإصلاح الإدارة، الا أنها أغفلت مناقشة واعتماد رؤية استراتيجية شاملة.
وبهذا المعنى، فإن القرارات المتعلقة بأشكال التنفيذ المختلفة هي أشد أهمية من المبادئ المعتمدة. وإذا لم تقم الحكومة بتأمين وضمان نظام يركز على العملية التنفيذية بشكل فاعل، آخذين الخيارات الإستراتيجية بعين الإعتبار، فإن أي تغيير هو صعب الحصول. هذا الفصل يعرض للقرارات التطبيقية ويطرح محاولة وضع ورقة عمل شاملة لعملية التنمية الإدارية، والتي بدونها يصعب إحراز أي تقدم. بناءً عليه، فإن هذا الفصل يشتمل على قائمة قرارات معروضة على الحكومة لإعتمادها في حال تم إقرار الخطة المقترحة في هذه الورقة.
5-2) الحاجة إلى الدعم السياسي:
أظهرت تجارب إصلاح وتنمية الإدارة السابقة إن فشل هكذا عملية يعود إلى أسباب عدة أهمها: غياب الدعم السياسي الثابت المتماسك والفاعل، والذي بدونه تكون أي عملية إصلاحية مجرد عملية تجميلية عرضية تؤدي إلى إضعاف الإلتزام المستقبلي تجاه أي محاولات أخرى. إن غياب الدعم السياسي يوازيه ضعف في عملية رسم الخطوات الإستراتيجية،إضافة إلى ضعف التنظيم وغياب الدافع عند الأشخاص المعنيين. إن مجيء حكومة جديدة، يعطي فرصة للبدء بعملية إصلاح وتنمية معمّقين، لهذا فعلى الحكومة أن تلتزم بشكل صريح وعلني عملية التنمية الإدارية، من خلال توفير الدعم السياسي وتهيئة الأطر المؤسساتية، إضافة إلى إعطاء الأولوية القصوى لإعتماد وإقرار مفهوم التنمية الإدارية، بشكل واضح ومتماسك، وتحديد آلية تسهّل تطبيقه.
5-3) التسلسل والتوقيت:
إن المشاكل التي تعاني منها الإدارة اللبنانية، متعددة وخطيرة، ولهذا فإنها تتطلب معالجة مختلفة من حيث الأسلوب والتوقيت. تتميّز تجارب إصلاح وتنمية الإدارة الناجحة باعتماد التسلسل المنطقي، المتناغم والدقيق، والتوقيت الإستراتيجي. إضافة الى ذلك فإنها عملية تتطلب سنوات عدة حيث يساهم فيها عدد من الأطراف، على مختلف المستويات، في شؤون التنظيم، التدريب، إجراء التجارب وإدخال الإصلاحات بشكلٍ تدريجي ومستمر. إن هذه العملية لا تخلو من الأخطاء التي يمكن الاستفادة منها مستقبليًا، كما وإنها تتضمن أيضًا نجاحات تعطي الثقة والدعم لأي عملية مستقبلية. يظهر البرنامج الزمني التالي محاولة أولية للعملية الإصلاحية، يمكن تعديلها وتكييفها في وقت لاحق. وبالرغم من أنها محاولة جدّ متفائلة إلا أننا مقتنعون بضرورة وضع جدول زمني محدد ودقيق بهدف دفع صانعي القرار لإيجاد حلّ لهذه المعضلة، وإلزام جميع الأطراف المعنيين على المشاركة في هذه العملية بشكل صريح وواضح، إضافة إلى خلق الدافع الذي من دونه تفقد العملية الإصلاحية من قوتها وفاعليتها. يمكن لعملية التنمية الإدارية في لبنان، أن تمتد على مدى خمس سنوات، وذلك ضمن تسلسل زمني منتظم لتأمين حمايتها وفاعليتها. يتوزع الجدول على النحو التالي:
السنة الأولى:
أ - الحصول على موافقة و إجماع السلطات العليا بهدف إقرار الآلية التنموية الإدارية المناسبة وتحديد مجالاتها، طبيعتها، وإتجاهاتها، وذلك خلال فترة ٤ أشهر مكثفة، يصار بنتيجتها إلى تحديد المباديء و توزيع المسؤوليات على المستوى الحكومي.
ب- فترة أربعة أشهر مكثفة لمناقشة المشاكل وعرض الإستراتيجيات المطروحة، يصار بنتيجتها المصادقة على الإستراتيجيات بأكملها وذلك تحت رعاية مجلس الوزراء. يتم بموازاة هذه العملية إنشاء قاعدة حوار وإستشارات بين إدارات الدولة، القطاع الخاص، والمجتمع المدني إضافة إلى الإعلان المكثف لمبادئ ومفاهيم التنمية الإدارية.
ج- فترة أربعة أشهر مكثفة يصار خلالها الى تطوير الخطوات التسلسلية لتجهيز الإدارة المركزية للتنمية الإدارية، التي تم تحديدها واختيارها سابقًا، وذلك بتوضيح مهامها، مسؤولياتها، والعناصر البشرية التي تحتاجها، إضافة الى موارد أخرى. يتم في هذه المرحلة تزويد الجهاز المركزي بفريق عمل يتمّتع بالخبرات والكفاءات الملائمة، إضافة الى تسهيلات متممة أخرى (مثلا: موازنة، أبنية…).
السنة الثانية:
أ- فترة عشرة أشهر مكثفة يصار خلالها إلى تحديد الخطوات التي سوف تتناول المستويات الخمس التالية:
اتخاذ قرارات من قبل الحكومة المركزية تتناول مواضيع رئيسية تنفيذًا للدراسات والمشاريع التي يتمّ تحضيرها من قبل مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية قيام الأجهزة الرقابية المركزية بتحضير إستراتيجياتها الإصلاحية متناولة دورها ووظائفها، والبدء بهذه العملية فور الحصول على موافقة الحكومة. البحث والتشاور في الخيارات المطروحة والتي تتناول مواضيع التوسع في تطبيق اللاحصرية واللامركزية، والخصخصة، بهدف الوصول إلى مجموعة طروحات تساهم في أخذ عملية القرار السياسي والقانوني. تنظيم خطة وطنية تتناول نقاشات واسعة وشاملة تدعو إلى مشاركة المعنيين إضافة إلى القطاع العام، القطاع الخاص، والمجتمع المدني.البدء بتنفيذ خطة تطوير الأداء على نطاق واسع.
ب- فترة شهرين، وذلك لمراجعة كامل العملية، خاصة فيما يتعلق بإتجاهاتها، الأدوار والمسؤوليات التي تمّ تحديدها، الحاجة إلى دعم خارجي أو داخلي، إضافة إلى تحديد الخطوات المقبلة بهدف الإبقاء على الدعم السياسي أو العمل على دفعه وتوسيع نطاق العمل الإصلاحي.
السنة الثالثة:
أما السنة الثالثة، فسوف تشهد الإنتهاء من عملية إعادة تنظيم الأجهزة الرقابية المركزية التي تمّ إختيارها سابقا،ً والبدء بعملية التنمية فيما يخص الإدارات التي تليها. إضافة إلى ذلك سيصار إلى تقوية عملية الخصخصة. وشمول عملية تدريب موظفي الإدارات العامة، وكذلك التدريب على استعمال تكنولوجيا المعلومات. مع الإشارة الى أن لا شيء يمنع من جدولة برامج التدريب هذه خلال السنة الأولى والثانية، كلما كان ذلك ممكنًا من الناحية اللوجستية والمالية، ويخدم أغراض التطوير والتنمية الإدارية. وستتضمن هذه السنة أيضا الشروع بتنفيذ السيناريوهات التي تم وضعها للإدارات والمؤسسات العامة التي تشمل أيضًا تدريب الموظفين القياديين على تقنيات الإدارة والتخطيط، واعتماد التدابير التي تؤمن الشفافية والمساءلة.
السنة الرابعة:
سوف تشهد هذه السنة عملية إعادة تشكيل Resizing الإدارة العامة باتجاه ايجاد إدارة مصغرة ، واعتماد خطوات أساسية باتجاه تفعيل اللامركزية، إضافة إلى تلزيم بعض الأعمال التي كانت أصلا من مسؤولية الدولة، وتأمين تدريب موسع لموظفي الفئات الوسطى. كما سيتم أيضًا إما إلغاء بعض المؤسسات العامة، أو دمجها مع الوزارات، يضاف إلى ذلك إدخال تكنولوجيا الإنترنت بشكل واسع وذلك لتأمين الشفافية والفعالية.
السنة الخامسة:
أما في السنة الخامسة، فسوف يصار إلى تقييم الخطوات التي تم إنجازها حتى ذلك الحين، إضافة إلى الإنتهاء من عملية اللامركزية والتلزيم ودعم الجهاز المركزي للتنمية الإدارية، عند الحاجة، والتخطيط للمرحلة التالية.
5-4) خلق الإهتمام والحاجة إلى التنمية والتطوير الإداري.
إن إصلاح الإدارة العامة في لبنان سوف يصطدم بعدة حواجز، منها عملية الرفض في بعض الأحيان. ولهذا فهناك حاجة إلى ضرورة تأمين الدعم اللازم والتعبئة الفاعلة، وهذا يدعو إلى إهتمام الجهات المعنية بالإصلاح والتنمية الإدارية، وذلك على النحو التالي:
موظفو الإدارة العامة: يمكن تحويل حالة الإحباط الحالية التي يواجهها موظفو الإدارة العامة في لبنان إلى دعم لعملية إصلاحية واضحة الأهداف. إن الخبرة والإبداع والإلتزام التي يتميز بها بعض موظفي القطاع العام يمكن إستخدامه بهدف وضع الخطط الاستراتيجية، والتنظيمات الجديدة. ولهذا فإن هذه المرحلة تتطلب وضع أهداف وشروط واضحة، إضافة إلى تأمين الدعم المناسب. وهنا يمكن للجهاز المركزي للتنمية الإدارية أن يساعد على تطوير المعلومات ومواد التدريب، إضافة إلى توجيه العملية التدريبية لدى الإدارات المعنية ووضع الإطار المناسب الذي يمكن من خلاله تحويل ملاحظات الموظفين إلى خطة عمل بّناءة. إضافة إلى ما تقدم، تبرز الحاجة من قبل الحكومة إلى رسم مؤشرات تركز على كيفية تأثير عمليات التنظيم المستقبلية على الموظف، ورسم الخطوات التي يمكن إعتمادها لاحقًا لتلطيف أو تخفيف التأثيرات الناتجة عنها، والتي تشمل الضمانات الوظيفية، إعادة التدريب، ودرس مسألة الفائضين وصولا إلى التوافق والمساعدة على استيعابهم في الملاكات الدائمة أو توزيعهم على الإدارات التي تحتاج الى خدماتهم، أو اعتماد برامج للصرف المبكر، أو إيجاد وظائف ملاءمة لهم في القطاع الخاص أو الأهلي.
أ- المواطنون:
إن دعم العملية الإصلاحية سياسيًا وإجتماعيًا يرتكز على إقناع المواطنين أن هكذا عملية تهدف إلى تدعيم الدولة في مشروعها الإصلاحي والتنموي بهدف الإستجابة لإحتياجاتهم. ولهذا فمن الضروري ايجاد أقنية التواصل الفاعلة مع المواطن عامة،ً ومع فئات محددة أخرى عن طريق الحملات الإعلانية، وتنظيم الإجتماعات والندوات، وفتح صفحة إعلانية على الإنترنت، تحث المواطنين على المشاركة عن طريق إرسال تعليقاتهم وإقتراحاتهم. إن عملا كهذا يساعد على تعبئة عناصر المجتمع المدني، ويحثهم على المشاركة المباشرة من خلال تقييم الإنجازات الحاصلة، ووضع المقاييس، واقتراح التغييرات والبدائل المحتملة.
ج- القطاع الخاص:
هناك مجموعة من البرامج والعمليات الجاهزة المؤهلة للإنتقال من كنف الدولة الى القطاع الخاص. وهنا تبرز الحاجة إلى إستخدام موارد القطاع الخاص الأكفأ على توليها. ولهذا فسوف يستفيد القطاع الخاص من السياسات التي تكون قد وضعت والمتعلقة بالشفافية، التخفيف من القوانين، والحد من البيروقراطية. إن إشتراك القطاع الخاص في عملية الإصلاح والتنمية الإدارية تساهم في وضع إجراءات تساعد على إبراز نقاط القوة لدى الفريقين. وبناءً عليه فهناك حاجة إلى وضع خطة تنظم الشراكة بين هذين القطاعين، وتنظم عمل مؤسسات القطاع الخاص.
ه- المؤسسات المانحة:
إن للدعم المقدم من الجهات المانحة لعملية إصلاح وتنمية الإدارة العامة في لبنان، انعكاسات ايجابية وفوائد عدة إذا أحسن الاستفادة منها واستثمارها في الوجه الصحيح. ولهذا فهناك ضرورة للإستفادة من التجارب السابقة الداعمة للعملية الإصلاحية والتي ُقدمت من قبل البنك الدولي، برنامج الأمم المتحدة للتنمية، الإتحاد الأوروبي، وغيرهم، في مجال الدعم التقني والمالي، وبنفس الوقت تجّنب الثغرات والأخطاء والارباكات التي تتسبب بها مداخلات غير مبررة. وفي هذا المجال يمكن تكليف الجهاز المركزي للتنمية الإدارية (مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية) من قبل الحكومة، القيام بمهمة تنسيق الهبات والقروض المخصصة لشؤون تنمية وتطوير الإدارة العامة بالتعاون مع الإدارات والمؤسسات المستفيدة، لتخصيصها في الوجهة الصحيحة وتبعًا للاحتيجات الملحّة، تلافيًا لأي تضارب او ازدواجية في استعمال هذه الهبات والقروض.
5-5) الحاجة إلى حماية، وترسيخ ودعم العملية الإصلاحية والتنموية:
إن صعوبة العملية الإصلاحية، والإرباكات التي يمكن أن تواجهها فضلا عن غياب القدرة على التنبؤ بنتائجها، تتطلب الإستقرار والدعم السياسي وتهيئة الأسس المؤسساتية، التي بدونها، لن تبصر أي عملية إصلاحية النور. وبناءً عليه، يمكن تلافي هذه المخاطر عن طريق الخطوات التالية:
أ. تجييش كل الأفرقاء لدعم استراتيجيا ومبادئ إصلاح وتنمية الإدارة عن طريق الحوار المعمق، الإطلاع على مفاهيم أخرى في البلدان المجاورة، التدريب، الإستخدام المكثف لوسائل الإعلام، تعبئة الآراء وتنشيط الحوار في المجتمع المدني.
ب. تأمين الإتصال المباشر بالسلطة السياسية، على مستوى رئيس الوزراء، ومجلس الوزراء.
ج. إيجاد الحوافز والأدوات الداعمة لعملية الحوار، الخلق، والإبتكار، والسماح بالخطأ لدى القياديين، عند توفر حسن النيّة، من خلال المكافئة والتقدير للعاملين. وتأمين الدعم المالي والتقني لعمليات التجديد والإبتكار، إضافة إلى السماح بإجراء مشاريع رائدة، تصميم الخطط، التي تساعد على الحوار مع مختلف المشاركين.
د. تحصين العملية الإصلاحية والتنموية وجعلها بمأمن، طالما يتولاها جهاز مركزي للتنمية الإدارية يتمتع بكفاءة وموارد ملائمة، إضافة الى الدعم السياسي (تمّ بحث هذه الخيارات في فصل سابق). إن الموضوع الذي يتوجب التركيز عليه هو المقدرة على التعاطي مع الإنعكاسات السلبية التي يمكن أن تنتج عن اعتماد أي من هذه الخيارات.
5-6) إعتماد خيارات قصيرة المدى:
أظهرت التجارب في لبنان، أن النقاش والتعاطي المتداول حول موضوع إصلاح وتنميةالإدارة، لم يسفر عن نتائج ملموسة في ظل سلبيات الوضع الراهن التي أشرنا اليها سابقًا، كما حصل مع مكتب وزيرالدولة لشؤون الإصلاح الإداري، حيث أن الدراسات التنظيمية، واستراتيجيا إصلاح وتنمية الإدارة التي تم وضعها، لم يجر اعتمادها والاستفادة منها. والخطوات المعمقة التي تم التوصل إليها، لم يجرِ وضعها موضع التنفيذ.
أ. التوافق على قاعدة تعاون مع المجتمع المدني:إن بروز الحاجة إلى إعلام المواطنين وإشراكهم في وضع إستراتيجيات الإصلاح والتنمية الإدارية يتطلب رسم الخطوات العملية منذ البداية، ولهذا يجب على الحكومة أن تقرر كيفية إستخدام وسائل الإعلام، وبناء وسائل الإتصال والتشاور مع المواطنين، بطريقة تسمح لهم بالمشاركة بشكل فاعل. كما يجب على الحكومة أيضًا أن ترسم علاقة ملائمة مع المنظمات غير الحكومية، وغيرهم من الفاعلين في المجتمع المدني الذين يمكن أن يشاركوا في تقييم فعالية التدابير المتخذة وإمكانية تطوير تدابير اخرى.
ب. التوافق على قاعدة تعاون مع القطاع الخاص: إن الفرص والمجالات التي سوف تتاح من خلال إعتماد الخصخصة والتلزيم تظهر الحاجة إلى إشراك القطاع الخاص، حيث أن اللجوء إلى أي من هذين الخيارين يعتمد على مقدرة وفاعلية كل من القطاعين. إضافة إلى أن البحث عن طرق فاعلة لتطوير وتطبيق هذه السياسات يجب أن يأخذ بعين الإعتبار تصورات وآراء القطاع الخاص.
ج. إنشاء قاعدة تقوم على أساسها عملية تنسيق الدعم المقدم من الهيئات المانحة لعملية الإصلاح والتنمية الإدارية:
إن الدعم المقدم من قبل الإتحاد الأوروبي يوازيه إهتمام جهات دولية أخرى، تسعى إلى المساعدة عن طريق تقديمات مالية وتقنية تدعم العملية الإصلاحية. ولهذا فهناك ضرورة لتعبئة هذا الدعم في أقرب وقت ممكن، لما له من تأثير على المدى البعيد، إضافة إلى ضرورة التنسيق بين مختلف المساعدات التي سوف تقدم، وذلك للحصول على نتائج هامة وتأمين الرقابة الملائمة.
د. تأمين الشفافية القصوى:
كما أشرنا سابقًا، إن تعقيد وصعوبة العملية ألإصلاحية يبرز الحاجة إلى إعتماد الشفافية من خلال إشراك وسائل الإعلام، بصورة مباشرة، وإنشاء صفحة على الإنترنت وفسح المجال للوصول الى الوثائق والمعلومات، إضافة ، الى عرض الخطوات المتخذة والنتائج التي تمّ التوصل إليها من خلال النشرات والمؤتمرات وورش العمل.
ه. توزيع المسؤوليات الهامة:
يجب على الحكومة الجديدة فور تحديد سياساتها وتوجهاتها، أو تقوم بتوزيع المهام والمسؤوليات الكبرى على الإدارات وكبار القياديين فيها. حيث أنه في غياب هكذا تحديد من قبل السلطات العليا فإنه من المحتمل عدم إعطاء الوقت الكافي، من قبل المعنيين، لممارسة المهام والمسؤوليات التي وزعت إضافة إلى تفشي الفوضى والإرباك حول “من مسؤول عن ماذا”.
و. إعطاء التعليمات وتحديد مهلة زمنية لمكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية:
كما ذكرنا سابقًا، إن مسار العملية الإصلاحية بأكملها يعتمد على وجود جهاز مركزي للتنمية الإدارية محدد المهام، تتوفر فيه الإمكانيات اللازمة، وممكن أن يكون هذا الجهاز مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية الراهن مع الحاجة الى تحديد مهامه ومسؤولياته بصورة قانونية، كما يمكن أن يكون جهاز بصيغ أخرى جرى عرضها في القسم الخامس. ومهما كانت الصيغة النهائية المعتمدة للجهاز المركزي للتنمية الإدارية التي سوف تقررها الحكومة، فهناك ضرورة للإستفادة من هذا المكتب في الوقت الراهن. وبناءً عليه، يجب على الحكومة أن تأخذ القرارات الملائمة للاستفادة من خبرات مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية ومشروع”ARLA” التي تنفذه بتمويل من الهبة الأوروبية.
ز. الموافقة على الدعم المقدم من الدول المانحة على المدى القصير:
إن تحديد مجال وطبيعة المساعدة الخارجية لعملية إصلاح وتنمية الإدارة، قد يأخذ من الحكومة والأطراف المشاركة بعض الوقت، إلا أنه من الممكن أن تقوم الحكومة بالإستفادة من الدعم المقدم من الإتحاد الأوروبي من خلال مشروع ARLAالذي نعرض له في القسم اللاحق. وهنا يبرز احتمال إعادة توزيع الموارد في إطار الهبة المقدمة من الإتحاد الأوروبي، لدعم الحكومة بعملية صنع القرار (في المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء) وغيرها من الأمور. لذلك هناك ضرورة للعمل السريع، من قبل الحكومة، الإتحاد الأوروبي، مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، وغيرها من الأجهزة المشاركة في هذا المشروع.
سادساً: “برنامج إعادة تأهيل الإدارة العامة في لبنان
إن تنفيذ عملية الإصلاح والتنمية الإدارية بشكل فاعل، يحتاج الى دعم مالي وفني. وهنا تبرز الحاجة الماسة للاستفادة من الهبة المقدمة من الإتحاد الأوروبي والتي تبلغ قيمتها ٣٨ مليون يورو EUROمن خلال برنامجARLA. يقوم الإتحاد الأوروبي من خلال هذا البرنامج بدعم مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية في عملية تحويل الإدارة اللبنانية الى إدارة ديناميكية، فاعلة، شفّافة، وموجهة لخدمة المواطن وذلك بالتعاون مع القطاع الخاص والمجتمع المدني.
يؤمن برنامج ARLAالدعم الفني لفترة زمنية محددة، ضمن أهداف واضحة ومحددة نعرض لها على الشكل التالي:
1. إعادة تنظيم المهام الإدارية للمؤسسات المستفيدة، من خلال وضع وتنفيذ نظام إداري ملائم للإدارة وتدريب الموظفين الحاليين. 2. تطوير الإطار التنظيمي والإجرائي وتبسيط الإجراءات الإدارية خاصة المتعلقة بتأمين الخدمات للمواطن.
3. تطوير قدرة الإدارات المستفيدة لتحديد، وتقييم، وتخطيط، وتنفيذ ومراقبة المشاريع.
4. تطوير مهام الإدارات المستفيدة، خاصة إدارات الخدمات، في مجال التخطيط، والتنظيم، والمراقبة والإرشاد
5. تطوير قدرة الإدارات المعنية لتقييم المشاكل، والاحتياجات، وبالتالي صياغة، برمجة، وتنفيذ سياسات قطاعية ملائمة مُمكن تنفيذها من الناحيتين المالية والفنية، وذلك وفقًا للسياسات الحكومية.
6. تعزيز اللامركزية الإدارية من خلال دعم البلديات بهدف تدعيم قدراتها. يعاون فريق الاستشاريين PMC مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية في تحديد، برمجة، إستدراج عروض، مراقبة وتقييم مشاريع التطوير الإداري للإدارات المعنية، ويوفر الدعم لأجهزة الرقابة المركزية. يعتمد عمل هذا الفريق على أعمال وخبرة مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية في مجال تأهيل وتنمية الإدارة اللبنانية منذ عام ١٩٩٥. وفقًا للإتفاقية المالية الموقعة بين الإتحاد الأوروبي ووزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، يغطي برنامجARLA التجهيزات، الدراسات، الخدمات، ، التدريب والنفقات التشغيلية. تحدد الإتفاقية المالية تقديم المساعدة لأربع فئات من الإدارات العامة:
. مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، وأجهزة الرقابة.
. الإدارات المركزية.
. المؤسسات العامة وشبكة الخدمات
. البلديات.
لقد قام برنامج ARLA حتى اليوم بوضع عدد من الدراسات وتنظيم بعض من حلقات التدريب والمبادرة في عدد من مشاريع الدعم الفني لأجهزة الرقابة والوزارات المعنية. إن الاستراتيجيا التي نطرحها في هذه الورقة هي إحدى نتائج التعاون بين فريق الاستشاريين ال PMC ومكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، خلال السنة الأولى لبرنامجARLA.
ولا بد أخيرًا أن نقترح على الحكومة الجديدة والإتحاد الأوروبي الأخذ بعين الإعتبار الإحتياجات المالية والتقنية للبدء بوضع وتنفيذ استراتيجيا تنمية إدارية طموحة. ويمكن بناءً على القرارات المتخذة من قبل الحكومة اللبنانية والإتحاد الأوروبي في هذا المجال، تعديل مهام برنامج العمل، في ما يتعلق بالإدارات المستفيدة، بما يتناسب وهذه الاستراتيجية. لذا يتوجب إيجاد إجراءات أكثر مرونة بين الحكومة اللبنانية والمجموعة الأوروبية للتأكد من صحة استعمال الموارد على أفضل وجه. كما يمكن للحكومة اللبنانية اعتماد مصادر مالية وتقنية أخرى، من أجل دعم عملية الإصلاحوالتنمية الإدارية، في بعض المجالات، مع الحفاظ على الترابط والتنسيق بين مختلف البرامج.
سابعاً: الخاتمة
تعرض هذه الورقة للأهمية القصوى للبدء بعملية التنمية الإدارية في لبنان. كما وإنها تشير إلى أسباب فشل المحاولات السابقة، مثل غياب الدعم السياسي وعدم توفر القدرات المؤسساتية. إن المشاكل والصعوبات على المستويات الوطنية والدولية تفرض على الحكومة الجديدة الإلتزام بتنفيذ خطة إصلاحية وتنموية إدارية طموحة شاملة. بناءً على ما تقدّم، نرى أنه يتوجب على الحكومة الجديدة، بالتعاون مع المسؤولين الرفيعي المستوى في الإدارات العامة، وممثلي القطاع المدني، والقطاع الخاص، الإستفادة من هذه الفرصة والمباشرة باعتماد خطوات عملية للبدء بتنفيذ هذه الاستراتيجيا، التي تتطلب الخبرات العالية، والموارد المالية والتقنية اللازمة، لا سيما توفر القرار والدعم السياسيين على أعلى المستويات.
* وضعت هذه الاستراتيجية تحت إشراف وزیر الدولة لشؤون التنمية الإداریة اللبناني فؤاد السعد وهي من إعداد وحدة التطویر الإداري بالتعاون مع الفریق الإستشاري الأوروبي -أیلول ٢٠٠١


