الطقس

تفسير العقود في القانون اللبناني والمقارن

تفسير العقود في القانون اللبناني والمقارن

9 ابريل 2008

بقلم الزميل اتيان طربيه *

“مفسّر الأعمال القانونيّة يجب أن يبحث بكلّ عناية ممكنة عن النيّة الحقيقية لصاحب أو أصحاب هذا العمل وعليه أن يمتثل ويذعن لمضمونه”.

يقول الفقيه دومولومب إنّ تفسير العقود عملٌ يأتي من بصيرة وقوّة تمييز جّيدتين ومن الخبرة ومن المنطق الصّائب ومن الحسّ السّليم.

الى ذلك، يُضيف الفقيه باكلو انّ تفسير العقود هي عملّية ترمي إلى إعادة المعنى الموجود مسبقًا وأصًلا في العقد الذي تكون صياغته غير موّفقة وغامضة. فالتفسير له غايتان الأولى التصحيح والثانية الترميم.

فمصطلح ” تفسير” يعني الشرح، الأيضاح، الكشف والبيان. أمّا المعنى القانوني للتفسير فهو تحديد قيمة ومضمون وماهية الموجبات التي يتضّمنها العقد.

الهدف الرئيس من تفسير العقود هو تحويل ما هو غامض او مبهم في العقد الى واضح كي يصل الفرقاء الى قواسم مشتركة والى تفاهم معيّن حول موضوع وماهية العقد. ويقع تفسير العقود ضمن الاطار القانوني العام الذي يفرض تحديد مضمون العقد ونطاقه وأثره بالنسبة الى موضوعه كما يمكننا وضع البحث في خانة الرقابة القضائية على تنفيذ العقد والى أيّ حدّ يلتزم القاضي بالعقد.

المتعاقدون في معظم الأحيان لا يُجيدون التعابير القانونية السليمة والدقيقة ويُنشئون عقودًا ناقصة غير متقنة وغير مُحكمة. في هذه الحالة يجب إعادة المعنى الدقيق والحقيقي لتلك العقود عبر الطلب من القاضي تفسيرها. فعندما لا يتفّق الفرقاء على تفسير واحد لجأوا الى القاضي مستعينين به لجعل العقد يُنفّذ وفقًا لما أرادوه أو لاعفائهم من بعض الموجبات أو لاسقاطها أو حتّى أحيانًا لاجراء تعديل في العقد بالنظر الى تقلّب الاوضاع الاقتصادية أو النقدية. وموضوع التفسير يُثار عند التنفيذ أو في أثنائه فيكون محلّه عند تحديد آثار العقد الذي يجب إنفاذه.

مبدأ سلطان الارادة كان له تأثير كبير على القانون اللبناني فهذا المبدأ يُحتّم على القاضي البحث عن النيّة الحقيقية والمشتركة للفرقاء وعدم التوّقف عند التّسميات والاصطلاحات الخاطئة التي يستعين بها المتعاقدون إمّا خطأً وإمّا قصدًا لاخفاء نوع وطبيعة العقد. فلاعادة المعنى الصّائب والصحيح للعقد، يلجأ القضاء أحيانًا الى عناصر ووقائع تكون قائمة لحظة إنشاء العقد. وفي حال سكوت الفرقاء، يجب البحث عن نيّتهم الفرضيّة، المقدّرة والتصوّرية. لكن تأويل الفرقاء ما لم يقولوه شيءٌ غير جائز إذ من الصعب معرفة ما خطر ببالهم لحظة إبرام العقد.

وبما أنّ التفسير يأتي من القاضي الذي هو شخصٌ كان غريبًا عن إنشاء العقد، لذلك كان لا بدّ من وضع قيود على تدخّله حتّى لا يؤدّي تدخّله الى إيجاد ما لم يوجده الفرقاء من إلتزام أو لم يخطر ببالهم أن يجدوه.

لذلك تحدّ من صلاحية القاضي في تفسير العقد شروطٌ أهمّها أن يكون النصّ فعلاً غامضًا، غير واضح، يحتمل عدّة تأويلات وأن لا يكون التفسير وسيلة غير مباشرة لاحلال إرادة أو فهم القاضي محلّ إرادة أو فهم الفرقاء، فيكون قد أعاد صياغة العقد حسب تصوّره وليس حسب إرادة واضعيه.

هذه المحاذير تحتّم علينا بعدما بحثنا عن الغاية من تفسير العقود، أن نحدّد المعيار بين الغموض والوضوح في صياغة العقود فالقاضي لا يتدّخل مفسّرًا العقد إلاّ في حالة الغموض.

فجاء في قرار لمحكمة التمييز عام 1967 ما يلي:” إذا كان يقتضي تفسير العقود بالاستناد الى نيّة الفرقاء فذلك محلّه عند وجود الغموض فيها”. يُعتبر النصّ غامضًا عندما يتضمّن من الكلمات ما يحتمل عدّة تأويلات أو كانت من الابهام ما يجعل الفكرة المُعبّر عنها غير واضحة المعالم، ممّا أوجد الالتباس حول ما أراده الفرقاء من إستعمالها، أو كانت الكلمات من التداول عُرفًا ولكن لا معنى قانونيًا لها. فيقول جاك غستان أنّ لا مجال لتفسير العقد عندما يكون واضحًا ودقيقًا تحت طائلة الوقوع في مشكلة تشويه العقد.

فجاء في قرار مبدئي لمحكمة التمييز الفرنسية عام 1872 انّه لا يُسمح للقاضي عندما تكون بنود العقد واضحة أن يُشوّه الموجبات التي يتَضمنها وأن يُعدّل مضمونه. ويُضيف جورج سيوفي أنّه عندما ينطبق نصّ العقد على نيّة المتعاقدين، ويكون هذا النصّ واضحًا جليًّا لا يحتاج الى إجتهاد الفكر في تفسيره، لا يكون من سبيل الى بحث ماهية القواعد الواجب التمّشي عليها لتفسير العقد. إنّ الاجتهاد الفكري لوضع قواعد للتفسير يحصل عندما يأتي العقد ناقصًا في بيان شروطه وأوضاعه أو مبهمًا في التعابير المستعملة في متنه فلا يعلم منها تمامًا ما يقصده المتعاقدان وما هو نوع العقد الذي ينويان إجراءه. وعند وقوع هذا الابهام أو حصول هذا النقص في العقد، فإنّ المتعاقدين قد يتلافيانه من تلقاء نفسيهما فيضعان إتفاقًا إيضاحيًا ثانيّا يُبيّنان فيه ما قصداه في العقد الأوّل ويُوضحان ما أشكل على القارئ فهمه فتزول بذلك ما قد يكون سببًا لسوء التفاهم وللخلافات المُحتملة فيما لو بقي الابهام في نصوص العقد والنقص بالتعابير المستعملة.

لكن الغموض لا يتوافر فقط في الكلام إنّما يُمكن أن يحصل أيضًا عند تعارض بنود العقد مع بعضها أو مع بنود مستند آخر له علاقة بالموضوع ذاته أو عند تعارضها مع الواقع، بحيث يتطّلب الأمر تدّخل القاضي للتوفيق، عبر تفسيره، باحثًا عن نيّة الفربقين وما قصداه فعلاً من العقد، الأمر غير السهل والذي يُعرّضه أحيانًا لوضع مفهمومه للعقد وكأنّه يعكس مفهوم طرفيه أو إرادتهما مع ما يحمل ذلك من مخاطر مخالفة هذه الارادة.

لذلك نرى أنّ هنالك قاعدتبن تحكمان صلاحية القاضي في تفسير العقد، الأولى عند الغموض يترّتب عليه التفسير تحت طائلة عدم إحقاق الحقّ والثانية عند الوضوح يمتنع عليه التفسير.

المشترع اللبناني وضع لتفسير العقد خطوطًا يرتبط بها القاضي أو يستوحيها فكان ما وضعه قد تسلسل على المواد 366 الى 371 من قانون الموجبات والعقود والمشترع الفرنسي كان قد وضع تشريعًا مماثلاً في المواد 1156 الى 1164 من القانون المدني الفرنسي. تلك المواد جاءت نتيجة قاعدتين نظريّتين هما المذهب الشخصي أو الذاتي في التفسير والمذهب الموضوعي في التفسير ووضعت تلك المواد قواعد موِّجهة للقاضي في تفسير العقود.

ففي المذهب الشخصي او الذاتي يُؤخذ بالارادة الباطنة أيّ الارادة الحقيقية والمذهب المادي أو الموضوعي يتوّقف عند ظاهر العبارات ليأخذ بما تعبّر عنه في ظاهرها، فيكون تركيزه على الارادة الظاهرة. وبعباراتٍ أخرى المنهج الذاتي يعتمد على مبدأ سلطان الارادة وهذا المبدأ يُحدّد ويُبرّر القوّة الالزامية للعقود ويتوّجب على القاضي أن يتحرّى عن الارادة المشتركة للاطراف والمنهج الموضوعي يفرض على القاضي أن يلجا الى ما يُعتبر عادلاً والى ما هو مستقرّ عليه ومتعامل به والى مبادئ حُسن النيّة والعادات المُتبّعة. المُشترع في لبنان وفرنسا تبنّى بشكل أساسي المذهب الشخصي لكن وضع تليين على هذا المبدأ وهو المذهب الموضوعي عبر وضع قواعد موّجهة للقاضي.

إذًا صار ضروريًا أن نُقسّم بحثنا الى ثلاثة أقسام. في القسم الأوّل سنشرح قاعدة التفسير الذاتي، في القسم الثاني قاعدة التفسير الموضوعي وبالقسم الثالث سنبحث عن الرقابة على تفسير العقود وعن دور محكمة الأساس ومحكمة التمييز.

القسم الأوّل: قاعدة التّفسير الذّاتي أو الاعلاني

التفسير الذّاتي أو الاعلاني مستخرج مباشرةً من مبدأ سلطان الارادة، هذا النّهج من التّفسير يجعل القاضي خادمًا لمشيئة الأطراف في العقد. من هذا المنظار، دوره الوحيد هو اعادة المعنى الى العقد عبر ازالة الغموض من البنود الملتبسة. تفسير القضاء حسب هذه القاعدة يهدف الى استرجاع المضمون الصحيح للعقد الذي أراده الفرقاء. اذًا صار واضحًا أنّ على القاضي أن يبحث عن النيّة الحقيقيّة للفرقاء عبر عدم التوقّف عند المعنى الحرفي للبنود (أوّلاّ) وأن يسعى الى ضمان استمراريّة وديمومة العقد عبر تفسيره بالنّظر الى روحه واطاره العام ومجمل بنوده (ثانيًا).

أوّلاً: البحث عن النيّة الحقيقيّة للفرقاء وعدم التوقّف عند المعنى الحرفي للبنود

تنصّ المادّة 366 من قانون الموجبات والعقود اللبناني على ما يلي:” على القاضي في الأعمال القانونية أن يقف على نيّة الملتزم الحقيقية (إذا كان الالتزام من جانب واحد) أو على قصد المتعاقدين جميعًا (إذا كان هناك تعاقد) لا أن يقف عند معنى النصّ الحرفي”.

وفي القانون المدني الفرنسي نصّت المادة 1156 على ما يلي:

“On doit dans les conventions rechercher qu’elle a été la commune intention des parties plutôt que de s’arrêter au sens littéral des termes”.

صياغة النصيّن اللبناني والفرنسي متشابهة الى حدٍّ كبير لكنّنا نجد فارقين:

الأوّل هو أنّ قانون نابوليون إستعمل عبارة “يجب علينا في تفسير العقود” والقانون اللبناني استعمل إصطلاح “على القاضي أن”.

Le code civil français utilise l’expression “on doit”, le COC libanais utilise l’expression le “juge doit”.

والفارق الثاني أنّ المادة 1156 من القانون الفرنسي تكلّمت عن الأعمال القانونية فقط بيد أنّ المادة 366 م ع تكلّمت عن العقد وعن الالتزامات من جانبٍ واحد.

لكن على رغم هذين الاختلافين نجد أنّ رسالة المُشترع في لبنان وفرنسا هي واحدة وهي تطبيق وتكريس مبدأ سلطان الارادة.

إذاً القانون يفرض على القاضي ألاّ يقف عند معنى النصّ الحرفي بل أن يقف على قصد المتعاقدين جميعًا. فإذا تبيّن من مضمون العقد أنّ النصّ لايعبّر عن إرادة الطرفين، فلا يتقيّد به القاضي إنّما يُعطيه المعنى الذي قصده فرقاء العقد. مثال ذلك أن ترد في عقد كلمة “المُستثمر” و يتبيّن من مضمون العقد أنّه يتناول إجارة، فإنّ القاضي يُعطي النصّ ما أراده له الفرقاء فيعتبر أنّ ما أرادوه هو ” المستأجر”.

لكن ما لم يقله النصّ هو كيفية معرفة هذه النيّة الباطنية إذا كان النصّ الحرفي لا يدلّ عليها. فالمشترع أصرّ على أن يُصار الى إكتناه نيّة المتعاقدين فهو علّق ذلك على شرط إمكان تبيّن هذه النيّة من المقابلة بين جميع بنود العقد، وهو قد أوجب على القاضي أن لا يتمّسك بالنصّ الحرفي في الحالة التي يتبيّن له أنّ النصّ الحرفي يُمثّل ما أساء المتعاقدان التعبير عنه، فعدم مطابقة العبارات المستعملة على الأفكار والنيّات الباطنيّة أمر يحصل عادةً في العقود التي ينظّمها مَن ليس لهم إلمام صحيح في قواعد الّلغة، وهو إذا اتضّح له من سياق مندرجات العقد أنّ ما قصده الفريقان المتعاقدان لا بدّ أن يكون خلاف ما عبّرا عنه فله عندئذٍ أن يوّضح نيّتهما وما قصداه من العقد وما ارتبطا من شروطٍ فيه، شرط أن يُستند، في هذا التفسير، الى التعابير المستعملة ذاتها والى ظروف العقد الحقيقية وأن يُبيّن كيف أنّ التعبير، بسبب سوء معرفة المتعاقدين أصول اللغة، أدّى الى هذا التباين بين الفكر الباطني من جهة وبين سوء التعبير عنه من جهة ثانية، كذلك إذا استعمل تعبيرًا عن سهوٍ وذهول لا يُؤدّي المعنى المقصود وتبيّن هذا الأمر من سياق مندرجات العقد، فإنّ المقصود من النصّ يجب أن يُوّضح و يُعتمد عند الحكم على المعنى المقصود دون المعنى الذي يُؤدّيه النصّ الوارد سهوًا أو خطأً، على أنّه لا يجب أن يغرب عن البال إنّ إعطاء المعنى الصحيح الى النصّ يجب أن يأتي عن طريق مندرجات العقد ذاتها، لا أن يُعتمد الى ما هو خارج عنه، لأنّه إذا حصل ذلك فيكون كأنّ القاضي قَبِلَ بأن يُثبت ما يُخالف نصّ العقد الحرفي بغير مستند خطّي آخر، وهذا ما لا يجوز.

فجاء في قرار لمحكمة إستئناف بيروت عام 1974 ما يلي:”التفسير يرمي الى توضيح إطار إرادة معيّنة وليس سببًا لاثبات إرادة أخرى محلّ الارادة المنوي تفسير محتواها ولا يجب إحلال إرادة غريبة محلّ الارادة العقدية”. وكانت محكمة الّتمييز عام 1969 قد قرّرت ما يلي:” لمحكمة الاساس عند تفسيرها للعقود أن تُعيد لها طابعها الحقيقي على أساس نيّات الفرقاء”. فمحكمة التمييز مستقرّة على هذا الرأي فجاء في قرار آخر عام 1987 ما يلي:” على القاضي أن يقف على نيّة المتعاقدين الحقيقية دون التوّقف عند النصّ الحرفي شرط عدم تشويه مضمون المستندات”.

كما أنّه لا يصحّ للقاضي تحت ستار التفسير أن يُعدّل في مضمون الموجبات وإن بدا له أنّ التعديل سيكون أكثر عدالة، فيكون أيضًا قد حلّ إرادته محلّ إرادة الطرفين، الأمر الممنوع عليه.

وعلى صعيدٍ آخر وفي حال وجود بنود نموذجيّة تكون عادةً روتينيّة وميكانيكيّة ومستوحاة من عقود تقادم عليها الزمن، يجب على القاضي ألا يأخذها في عين الاعتباركالبند التًالي:” على المدين أن يدفع بالعملة الذهبية أو الفضيّة وليس بغيرها”. فالقاضي يبرّر إقصاءه لتلك البنود باعتبارها تبعيّة أو ثانوية ولو علم الفرقاء بعدم جدواها لكانوا حتمًا إستبعدوها عندما صاغوا العقد.

ومن الّلوازم على هذا المبدأ، قد يحصل في عقد أنّ هناك بنود مطبوعة وبنود مخطوطة وإذا حصل تعارض بينهما تغلب البنود المخطوطة لأنّ الكتابة باليد لافتة. وإذا حصل تعارض بين بنود عامة وبنود خاصة تُؤخذ البنود الخاصة بالاعتبار للسبب ذاته.

وزيادةً في الايضاح نقول إنّه إذا صُودف أنّ لا شيء في العقد يُؤيّد إدعاءات أحد المتعاقدين من أنّ النصّ هو غير مطابق لنيّته الباطنة وكان الفريق الآخر يُعارضه في إدّعائه، فإنّه ليس في مقدور القاضي أن يترك النصّ ويُهمله ويتمسّك بأقوال المتعاقد المجرّدة لجهة نيّته الباطنة التي لا يمكن الاعتماد عليها إلاّ في القدر الذي فيه تبرز الى حيّز الوجود، ولأنّ المُعاقد، الذي يدّعي أنّ نيّته تُخالف ما كتبه في المستند الخطّي دون دليل يُستخلص من العقد ذاته، عليه أن يتحمّل مسؤولية إهماله وعدم تبّصره في كتابة ما لم يقصده ومسؤوليته هذه تقضي بأن يُردّ طلبه إعتماد نيّته الباطنة فقط التي لم يقم عليها دليل من مندرجات العقد و لا من مندرجات مستند خطّي آخر صادر عن خصمه أو عنهما كليهما.

وليس لطرف في العقد أن يستغلّ إبهامًا وقع فيه الطرف الثاني عندما عبّر عن إرادته بكلمات استعملها إذا كان قد وعيَ عند التعاقد حقيقة ما قصده الطرف الثاني فيما عبّر عنه، وسواء كان في التعبير إبهام لم يكن ليفوته فالثقة بين المتعاقدين تستبعد مثل هذا الاستغلال، وهي الثقة التي تفرض الأمانة في التعاقد.

ثانيًا: البحث عن مصلحة إستمرارية العقد بالنظر الى روحه وإطاره العام ومُجمل بنوده

على القاضي اذًا أن يبحث أوّلاً عن النيّة الحقيقية للفرقاء وعدم التوّقف عند المعنى الحرفي لبنود العقد. لكن وفي مجال التعاقد يصعب أحيانًا على القاضي أن يستنبط المعلومات التي تنوّره في بحثه عن نيّة المتعاقدين. فجاءت المواد 1157 الى 1164 من القانون المدني الفرنسي والمواد 367 الى 371 من قانون الموجبات والعقود لتساعده على ذلك. فتُعتبر تلك المواد قواعد موّجهة للقاضي فهي غير إلزامية و لا تحدّ من سلطة التقدير المطلقة الممنوحة له في تفسير العقود عندما يعتري الغموض بعض بنودها. فهي كدليل يهتدي به، وعليه تجاه واقع كلّ عقد غامض النّصوص أن يُعطيه المعنى والمفعول اللذين أراده له الفرقاء فيه.

فيقول العميد كاربونيه:

Carbonnier: Ces articles sont un petit guide ‏âne, ce sont de simples conseils n’ayant pas de valeur impérative.

ويُضيف كاربونيه أنّ تلك المواد هي خارطة طريق تهدف الى مساعدة القاضي في بحثه عن نيّة الفرقاء. ويُضيف الفقيه آلان بينابان بأنّ تلك المواد هي وصفات تساعد القاضي وهي غير إلزامية له. فلم تنقض محكمة التمييز الفرنسية حكمًا صادرًا لم يتقيّد بتلك المواد.

فتنصّ المادة 367 م ع على ما يلي:” إذا وُجد نصّ يُمكن تأويله الى معنيين، وجب أن يُؤخذ أشدّهما إنطباقًا على روح العقد والغرض المقصود منه، وعلى كلّ حال يُفضّل المعنى الذي يجعل النصّ ذا مفعول، على المعنى الذي يبقى معه النصّ بلا مفعول”.

وتُضيف المادة 368 م ع :” بنود الاتفاق الواحد تُنسّق وتُفسّر بعضها ببعض بالنظر الى مُجمل العقد”.

أمّا في القانون الفرنسي نصّت المادة 1157 على ما يلي:

“Lorsqu’une clause est suceptible de deux sens, on doit plutôt l’entendre dans celui avec lequel elle peut avoir quelque effet, que dans le sens avec lequel elle n’en pourrait produire aucun”.

والمادة 1158 من القانون ذاته تنصّ على:

“Les termes suceptibles de deux sens doivent être pris dans le sens qui convient le plus à la matière du contrat”.

والمادة 1161 تنصّ على:

“Toutes les conventions s’interprêtent les unes par les autres en donnant à chacune le sens qui résulte de l’acte entier”.

فالعقد، وُجد ليُنفّذ بكامل بنوده. لذلك وجب أن يُعطى لكلّ بند مفعوله بحيث يأتي العقد متكاملاً. فإذا وُجد نصّ يحتمل معنيين، إقتضى إعطاؤه المعنى الذي يجعل البند قابلاً للتنفيذ بصورةٍ متكاملة مع سائر البنود. فلا يجوز تعطيل نصّ بذريعة غموضه، بل طالما أنّه وُجد فمعنى ذلك أنّه قُصد من ورائه مفعول قانوني معيّن، وعلى القاضي تحديد هذا المفعول إنطلاقًا من تقديره لما أراده الفرقاء من وضع هذا النصّ. يتمتّع القاضي بهذا الشأن بصلاحية مطلقة و لا يُمكن أن يُنسب اليه تشويه النصّ، طالما أنّ هذا النصّ يحتمل أكثر من مفهوم، فأعطاه القاضي المفهوم الذي رآه يتناسب ويتوافق مع روح العقد و ما قصده الفرقاء من ورائه فجاء في قرار لمحكمة التمييز عام 1999 ما يلي:” إذا وُجد نصّ يمكن تأويله الى معنيين وجب أن يُؤخذ أشدّهما إنطباقًا على روح العقد والغرض المقصود منه”.

وفي السياق نفسه أشارت المادة 368 م ع أنّه يقتضي تفسير بنود الاتفاق وتنسيق بعضها مع بعض بالنظر الى مُجمل العقد. إذًا تُفسّر بنود العقد بصورة متناسقة بعضها مع بعض بحيث تأتي متكاملة فإذا وُجد في عقد بندان صريحان إلاّ أنّ أحدهما يُناقض الآخر أو لا يأتلف معه توّجب على القاضي ترجيح أحدهما على الآخر بحيث يأتي متناسبًا مع سائر البنود. ويُمكن اعتماد هذه القاعدة و إن وردت البنود في أكثر من عقد ولكنها مترابطة ببعضها تحقيقًا لهدف أساسي. المثال على ذلك أن يرد في عقد تأمين على نقل بضاعة إنّ هذا العقد يشمل الأضرار الناتجة عن خطأ غير قصدي من الناقل، ومن ثُمّ يأتي بند آخر وينصّ على أنّ الناقل لا يُسأل إلاّ عن الأضرار الناتجة عن الغير. فلا شكّ أنّ تفسير البندين يُملي إعتبار عبارة “يشمل الأضرار الناتجة عن خطأ غير قصدي من الناقل” أنّها تعني الأضرار الحاصلة للبضاعة بالمطلق ومن ضمنها تلك الناتجة عن خطأ الناقل غير القصدي، فيُرجّح هذا البند على الثاني.

فجاء في قرار لمحكمة التمييزعام 1963 ما يلي:” إنّ تفسير العقد يتمّ بالنظر الى مجموع البنود الواردة فيه لا الى بند واحد عندما تكون هذه البنود مرتبطة بعضها ببعض بحيث أنّها تؤلّف وحدة متماسكة”

وجاء في قرار آخر العام نفسه:” إنّ تفسير العقد لا يقوم على استخراج نيّة الفريقين من بندٍ واحد بل من مُجمل بنوده”.

وجاء أيضًا عن محكمة التمييز عام 1965:” إنّ تفسير بنود الاتفاقات يعود لقاضي الاساس الذي عليه أن يتحرّى قصد الفريقين وأن يأخذ بمجمل بنود الاتفاقات”.

وورد في موسوعة دالوز ما يلي:

Le juge peut écarter les termes utilisés par les parties, s’il est démontré que “malgré leur clarté, les termes invoqués pris dans leur sens littéral, étaient incompatibles avec l’ensemble du contrat et l’intention évidente des parties”.

إذًا وباختصار هذه الخطّة في التفسير تفترض من القاضي أن ينظر الى كلّ بنود العقد حتّى يأتي تسلسلها متناسقًا في المعنى، وغير متناقض في المدلول، فيكون استخراج نيّة الطرفين من مجموع البنود كما تسلسلت ومن ربط البند الواحد بالآخر بالشكل الذي يُكمله ويوّفر فكرة توّضح العقد أو تحدّد أبعاده، فلا تُهمل عبارة أو تُعزل عن غيرها إذا كان لها شأن في التوضيح والتحديد.

القسم الثاني:قاعدة التفسير الموضوعي أو المُنشئ

في الممارسة العمليّة يميل القاضي عند عدم التّعبير الى استكمال النّقص في العقد الى فصل النّزاع وفقًا للانصاف والعرف والقواعد المكمّلة ويربط الحلّ بارادة مقدّرة للأطراف (أوّلاً) ويراعي القاضي المدين والطّرف الأضعف في عقود الاذعان والأنموذجيّة المطبوعة سلفًا (ثانيًا). فيقوم القاضي باعادة بناء العقد وكان الفقيه جوسران قد تكلّم عن:

Le forçage du contrat par le juge en créant à la charge des parties de nouvelles obligations non contenues dans le document contractuel.

أوّلاً: إكمال العقود واللجوء الى عناصر خارجة عنه

قد يحدث أن يأتي العقد غير مكتمل الجوانب إمّا لسهوٍ وقع فيه المتعاقدون أو لجهلهم بالأحكام القانونيّة التي ترعى مثلاّ هذا العقد أو لعدم خبرةٍ لديهم. عندها لا بدّ للقاضي عند عرض النّزاع عليه أن يستكمل العقد باللجوء إلى القواعد التي تحكمه، إذا كان من العقود المسمّاة، أو إلى القواعد التي تحكم عقودًا مشابهة له أو للعرف المتداول.

فنصّت المادة 370 م ع على ما يلي:”إذا وُجدت نواقص في نصّ العقد وجب على القاضي أن يسدّها إمّا بالأحكام المُدرجة في القانون، إذا كان العقد مسمّى، وإمّا بالرجوع في غير هذا الحلّ الى القواعد الموضوعة لأكثر العقود تناسبًا مع العقد الذي يُراد تفسيره.”

وأضافت المادة 371 م ع أنّه:” يجب أيضًا على القاضي أن يعتدّ من تلقاء نفسه بالبنود المرعيّة عُرفًا وإن كانت لم تُذكر صراحةً في نصّ العقد.”

وفي القانون الفرنسي نصّت المادة 1135 على ما يلي:

“Les conventions obligent non seulement à ce qui y est exprimé, mais encore à toutes les suites que l’équité, l’usage ou la loi donnent à l’obligation d’après sa nature”.

وأضافت المادة 1160 من القانون نفسه:

“On doit suppléer dans les contrats les clauses qui y sont d’usage quoiqu’elles n’y sont pas exprimées”.

تلك النصوص تحدّد صلاحية القاضي في إكمال بنود العقد عند تخلّفه عن ذكر ما يُعتبر من متمّماته أو من متطلّبات تنفيذه. ولكن لا يُمكن للقاضي إستعمال هذه الصلاحية لاجراء تغيير في بنود العقد أو لفرض موجبات على أحد المتعاقدين أو على كليهما لا تمّت للقواعد القانونية المقرّرة قانونًا أو عُرفًا بصلة قد تكون مخالفة للبنود الواردة في العقد وإن كانت هذه البنود مناهضة لنصوص قانونية، طالما أنّ هذه النصوص لا تتسّم بالصفة النظامية الآمرة.

إنّ تدخّل القاضي في العقد على هذا الشكل، أيّ عبر تفسيرها تضمنه الالتزامات من فروع، يُشكّل في الواقع إكمالاً لبناء العقد، وإن لم يخطر ببال المتعاقدين. ولكن المحاكم تفترض دومًا، تبريرًا لهذا التدّخل، إنّ الفرقاء بعدم ذكرهم لهذه الفروع إنّما أرادوا إذعان أنفسهم للاحكام القانونية التي ترعى مثل هذا العقد.

أمّا عن لجوء القاضي الى العرف والانصاف والقواعد المكّملة، يقول آلان بينابان:

Les compléments à la volonté des parties peuvent avoir deux degrés d’intensité différente: les unes, jouant véritablement le rôle d’un palliatif du silence contractuel, sont seulement supplétifs, les autres faisant intervenir l’autorité publique dans le contrat, sont au contraire impératifs. Les compléments supplétifs sont les lois supplétives qui peuvent être écartées par une clause contraire mais en cas de silence du contrat, elles viendront nécessairement s’appliquer et les usages qui doivent être connus des deux parties. Or les compléments impératifs sont les lois impératives, l’obligation de sécurité, l’obligation de renseignement et d’avertissement, l’obligation de conseil, l’obligation de loyauté et de bonne foi”.

فحُسن النيّة هي الاستقامة في التعامل وإرادة عدم الاضرار بالغير في معرض إستعمال حقّ من الحقوق والالتزام بمبادئ العدل والانصاف وعدم تجاوز ما يمنحه الحقّ من سلطة واستئثار. إنّه التعامل باستقامة وشرف مع الغير بحيث تكون سلامة التعامل والثقة المتبادلة هي الرائد بين الناس ولعلّ هذا التعريف لحُسن النيّة مرتبط بالعدالة والانصاف هو الذي حدا محكمة إستئناف جبل لبنان بأن تُقرّر:” إنّه على القاضي في العمال القانونية أن يقف على نيّة المتعاقدين وحقيقة ما قصدوه من العقد عندما يحتوي على نتائج غير عادلة، وأن يُعطي العقد الوصف الذي يتّفق مع عناصره دون أن يكون مُقيّدًا بالوصف الذي أعطاه له الفرقاء وبالنيّة الظاهرة المُعبّر عنها”. يتضمّن هذا القرار عدّة مبادئ قانونية أوّلها هو في حال احتوى العقد على نتائج غير عادلة يجب على القاضي أن يتحرّى عن حقيقة الموجب كما هو وارد في ذهن المتعاقدين. فالمقصود ليس تعديل الموجبات عبر التفسير لكن البحث في إرادة الفرقاء في العقد عمّا قصدوه من هذه الموجبات، إذ من المفترض أن يكون الانسان عادلاً مع نفسه ومع الغير، وبالتالي إعطاء هذه الموجبات مفهومها ونتائجها الحقيقية. أمّا إذا كانت هذه النتائج مخالفة لمبدأ حُسن النيّة والانصاف، فإنّه يحقّ للقاضي بالاستناد للمادة 221 م ع ردّ طلب تنفيذ العقد لأنّ هذه المادة فرضت أن يكونه التنفيذ متوافقًا مع هذا المبدأ.

أمّا مبادئ الانصاف فتتضمّن مراعاة التوازن في الموجبات المتبادلة. فعند تفسير النصّ يجب أن يتوّجه القاضي نحو إعطاء المعنى للنصّ الذي يوّفر هذا التوازن فيرجّح هذه الثقة على تلك التي تبدو مرهِقة لأحد طرفي العقد، هذا طبعًا عند غموض النصّ. فإذا حصل غُبن مثلاً فما على الفريق الذي يتظلم منه إلاّ مراجعة القاضي طالبًا إبطال العقد، وليس تعديل الموجبات، لأنّ تعديلها لا يستند الى أيّ سند قانوني في التشريع اللبناني بعكس بعض التشريعات الأجنبية والعربية التي أقرّت للقاضي هذه الصلاحية في حال توافرت أوضاع طارئة أحدثت خللاً كبيرًا في العقد.

أمّا العُرف فإنّ القاضي مدعوّ لأن يعتدّ به، حسبما جاء في المادتين 221و371، باعتبار أنّه تُفترض معرفة الفرقاء به وإن لم يُحيلوا العقد عليه أو يذكروه فيه. فالعُرف بمثابة قواعد عامة متداولة و معروفة من الجميع يلتزمون بها باعتبارها المُعبّر عن إرادةٍ جماعية تُمثّل العدالة في التعامل على غرارالنصوص التشريعية.

عمليًا يلجأ القاضي للعرف لاستكمال العقد أو لتفسيره أو لاعطاء الموجبات مضمونها المتعارف عليه أو لتحديد الموجبات الفرعية أو الثانوية، عندما لا يحتوي العقد على الايضاح الكافي حول هذا الموضوع أو أنّ ذلك كان غائبًا كليًّا عن العقد. ولا سيّما إذا كان العقد بين ممتهنين.

وهناك قواعد يضعها المُشترع لتكون مكمّلة لارادة المتعاقدين كالأحكام القانونية المُكمّلة للعقد التي تُراعى وإن سكت عنها طرفا العقد ما لم يتعمدّا صراحة الخروج عنها أو عن بعضها. ويجب التذكير بأنّ من المستلزمات التي تفترضها طبيعة بعض العقود موجب كفالة السلامة أو ضمانها، كما هو الأمر في عقد العمل وعقد نقل الأشخاص. وموجب ضمان السلامة على نوعين أوّلهما موجب تحقيق غاية، وهو الذي يستهدف في عقد النقل إيصال المنقول سالمًا الى الوجهة المقصودة منه والنوع الثاني هو موجب وسيلة أي الالتزام ببذل العناية دون الالتزام ببلوغ النتيجة.

باختصار القانون اللبناني لم يأتِ على ذكر ما يُمكن عمله في حالة عدم وجود نصّ قانوني يُعتمد عليه و لا عُرف يُركن إليه. وعند تحقّق هذا الاحتمال لا بدّ للقاضي من الرجوع الى قواعد الانصاف من أجل سدّ هذا الفراغ ففكرة الانصاف ليست مطلقة بل نسبية، وهي تدلّ على ما يعمله عادة في أحوال العقد ذاتها متعاقدٌ حسن النيّة يُقيم في محيط وزمن معيّنين.

ثانيًا: مراعاة مصالح المدين والفريق الأضعف في عقود الاذعان والأنموذجيّة

تنصّ المادّة 369 من قانون الموجبات والعقود على ما يلي:”عند قيام الشّك يفسّر النّص لمصلحة المديون على الدّائن”.

وتنصّ المادّة 1162 من القانون المدني الفرنسي على ما يلي:

“Dans le doute, la convention s’interprète contre celui qui a stipulé et en faveur de celui qui a contracté l’obligation”.

هذه القاعدة تراعي جانب المديون لأنّه اجمالاً الطّرف الأضعف في العقد. وقد تضمّن قانون الموجبات والعقود عدّة توجيهات نحو مراعاة جانبه، كما حصل في المواد 115 و241 و300 اذ منح القاضي حقّ اعطاء المديون للايفاء بقدر حسن نيّته ووضعه في العقد. الاجتهاد يميل لتفسير هذا النّص على اعتبار المشترط ليس بالضرورة الدّائن لكن من صاغ العقد. وليس نادرًا أن يواجه القاضي حالة يحتار بين معنيين يحتملهما العقد من غير أن يكون بيده ما يرجّح أحدهما على الآخر، فيساور الشّك ذهنه حول حقيقة المعنى المقصود من الطرفين اللذين صاغا العقد، فيعمد عندها الى تفسير النصّ على الشكل الذي يتوافق مع مصلحة المدين. وهذه القاعدة في التفسير مبرّرة، لأنّ الأصل هو براءة ذمّة المدين فإن قام الشكّ حول مدى إلتزام المدين فيكون تحديد هذا المدى بالصورة التي تجعله في أضيق الحدود. فالدائن هو الذي يقع عليه أن يُثبّت إلتزام المدين ومداه، فإن لم يوّفر الاثبات على المدى الذي قدّره ولم يكن في نصّ العقد ما يُيّسر إثباته فإنّ القاضي يأخذ بالمدى الذي يتلاءم و مصلحة المدين.

يتفرّع عن هذه القاعدة أيضًا أنّه في عقود الاذعان أو الموافقة مثلاً، ومنها عقد التأمين على الحوادث، التي يُملي فيها الجانب الأقوى إقتصاديًا شروطه، تُفسّر دومًا النصوص الواردة فيها لمصلحة المؤمَّن، في حال قام الشكّ حول مفهومها. كما أنّه إذا تضمّن العقد شروطًا غير مألوفة يجب أن تُذكر بصورة صريحة وحتّى كتابةً باليد أو بصورة مميّزة، فينتبه لها المتعاقد الآخر ويتّخذ بشأنها الموقف المناسب.

ويشرح مصطفى العوجي عقد الاذعان بأنّه العقد الذي يقتصر دور أحد الفرقاء فيه على قبول عقد منظّم بصورة مسبقة من المتعاقد الآخر دون إمكانية مناقشة بنوده، أيّ أنّ المتعاقد الذي يرغب الدخول في العقد يذعن للشروط الموضوعة فيه بصورة مسبقة، فله إمّا القبول أو الرفض (المادة 172 م ع ) فالعقود التي تحصل يوميًا بين المواطنين لا تفترض حتمًا المفاوضة والمساومة بل يعود لكلّ طرفٍ فيها أن يحدّد شروطه فلا يبيع البائع إلاّ بالسعر المحدّد منه وبالشروط التي وضعها و لا يشتري الشاري إلاّ بالشروط التي يضعها. إنّ ما يحدّ من تسلّط أو تعسّف أحد المتعاقدين على الآخر، عبر عقود الاذعان، هو حقّ الرقابة الذي يمارسه القاضي على هذه العقود، بحيث إذا عُرض عليه تظلّم متعاقد من شروط مُرهقة أو تعسّفية في العقد واضطُرّ تحت وطأة الحاجة أو بسبب إحتكار السلعة أو الخدمة المقدّمة أن يذعن لها، بادر الى إجراء رقابته المؤدّية الى إبطال تلك الشروط أو إبطال العقد برمّته.

وفي العقود الأنموذجية، محكمة التمييز تلعب دورًا أكبر في تفسير العقود فهدفها توحيد الاجتهاد لضمان حقوق الطرف الأضعف كما جاء في قرار عن محكمة التمييز الفرنسية عام 1984.

ويُضيف الفقه في فرنسا أنّه من الضروري إعادة التوازن الى تلك العقود.

L’équilibre serait retrouvé en interprétant la clause en faveur de celui qui la “subit” et au detriment du stipulant. Tel est le cas dans le contrat de vente et notamment avec l’article 1602 du code civil qui prévoit qu’en cas de clause obscure le contrat sera interprété contre le vendeur. Une règle identique est reprise en droit de la consommation à l’article L133-2 al2 du code de la consommation: “Les clauses du contrat proposés par les professionnels aux consommateurs ou aux non professionnels doivent être présentées et rédigées de façon claire et compréhensible. Elles s’interprêtent, en cas de doute, dans le sens le plus favorable au consommateur ou au non professionnel”.

والاجتهاد في فرنسا مستقرّ ويسعى دائمًا الى حماية المستهلك.

ويُضيف بوريس ستارك:

Il semble contraire à la règle de l’égalité qui doit régir les justiciables que les clauses des contrats-type se trouvant dans des centaines, des milliers, voire des dizaines de milliers de contrats, reçoivent une interprétation divergente selon les juges qui seraient appelés à en préciser le sens et que le rôle unificateur du droit, qui est celui de la cour de cassation, ne puisse pas s’exercer en cette matière.

فالفقه في فرنسا يدعو دائمًا محكمة التمييز الى ممارسة رقابة على تلك العقود فكان مثلاً القرار الصادر عام 1984 عن محكمة التمييز الفرنسية الذي أشرنا اليه في هذه الفقرة، ولكنّ الاجتهاد الحديث إبتداءً من العام 1991 إبتعد نوعًا ما عن موجب رقابة محكمة التمييز على تفسير العقود الأنموذجية لضمان حقوق المدين وأعاد هذا الدور حصريًا الى محاكم الأساس.

القسم الثالث: الرّقابة على تفسير العقود

هذه المسألة تُظهر التفريق بين مسألة تقليدية هي مسألة التمييز بين الوقائع والقانون. وهذه المسالة بالتحديد هي التي تفصل بين سلطة قضاة الموضوع وسلطة محكمة التمييز. المحكمة العُليا هي قاضي الحقّ والمحاكم الدنيا تفصل في الواقع. لكن وعلى رغم هذا المعيار الجازم والواضح والدقيق في التطبيق، فالمحكمة العليا كثيرًا ما تتدخّل لمنع تشويه العقد من قبل محكمة الأساس. فسندرس إذًا بادئ ذي بدء صلاحية واستقلالية قاضي الموضوع في تفسير العقود (أولاً) ومن ثُمّ دور محكمة التمييز ورقابتها على عدم تشويه العقد وعلى حسن التكييف (ثانيّا).

أولاً: إستقلاليّة قاضي الموضوع في التفسير والتكييف

حصل جدالٌ واسعٌ في فرنسا حول ما إذا كانت محكمة الأساس تتمتّع باستقلاليّة في تفسير العقود أم لا. فقضاة الأساس لهم الحقّ في التحقّق من العناصر الموضوعيّة للنّزاع ولاستكشاف إرادة الفرقاء في العقد يجب البحث في مستندات وهذه الأمور تختلف بين قضيّة وأخرى خصوصًا أنّ العقد هو بطبيعته وسيلة تنوّع قانوني فيما أنّ القانون يتّصف بالشموليّة فيستحيل توحيد معنى العقود من خلال تفسيرها كما هو الحال في القانون. والذي أثار الجدال بين التفريق بين تفسير القانون وتفسير العقود هو أنّ العقود هي شرعة المتعاقدين فتنصّ المّادة 221 م ع على ما يلي: ” إنّ العقود المنشأة على الوجه القانوني تلزم المتعاقدين. ويجب أن تفهم وتُفسّر وتنفّذ وفاقًا لحسن النيّة والانصاف والعرف”.

وتنصّ المادّة 1134 من القانون المدني الفرنسي على ما يلي:

“Les conventions légalement formées tiennent lieu de loi à ceux qui les ont faites”.

وكما أنّه يعود لمحكمة التّمييز حقّ تقدير ما إذا كانت قرارات المحاكم المطعون بها لديها خالفت النّصوص القانونيّة، فقد تساءل بعضهم لماذا لا يجوز لمحكمة التّمييز أيضًا أن تقول ما إذا كانت المحاكم ذاتها فسّرت تفسيرًا خطءا بنود العقود الجارية بين المتعاقدين، والتي تعتبر بفعل إرادتهم قواعد قانونيّة ضمن دائرة الحقل التّعاقدي. وهذه العقود تشبه، حسب هؤلاء، القواعد القانونيّة الصّادرة عن السّلطة التشريعيّة، وتفرّق عنها فقط في أنّ الأولى هي ملزمة للمتعاقدين بينما الثّانية تشمل جميع النّاس.

Même si le contrat est la loi des parties, il s’adresse à des particuliers et n’a aucune vocation générale.

وعلى أثر وضع القانون المدني الفرنسي موضع التنفيذ كرّست محكمة التّمييز الفرنسيّة مبدأ اعتبار العقد قانونًا. فكانت تعتبر أنّه إذا فسّر قاضي الأساس بنود العقد تفسيرًا خاطئًا فيعود لها أن تصحّح الخطأ الذي وقع فيه ذلك القاضي بأ تعطي العقد تفسيره الحقيقي. ولكنّها نبذت هذا الاجتهاد بمقتضى قرارين صادرين عنها في 2 شباط 1808 و 3 آب 1809 قالت فيهما أنّ العقد هو عمل قانوني خصوصي وهو ليس قانونًا وإن كانت المادّة 1134 قد شبّهته بالقانون فيما يتعلّق بتنظيم العلاقات بين المتعاقدين. وبما أنّ صلاحيّة محكمة التّمييز تنحصر في النّظر بأمر مطابقة الأحكام للقوانين الصّادرة عن السّلطة التّشريعيّة، فلا يمكنها أن تنظر في مسائل تفسير العقود ومطابقة هذا التّفسير لنيّة المتعاقدين. وبالنّتيجة اعتبرت محكمة التّمييز نهائيًّا أنّ مسألة تفسير العقود هي مسألة واقعيّة لا تعلّق لمحكمة التّمييز بها. فكان الفقيه مرلين قد علّق على القرار الشّهير والمبدئي الصّادر في 2 شباط 1808 قائلاّ:

Bien que cet arrêt soit un arrêt de rejet et que l’expression ” appréciation souveraine” n’y figure pas, il décide que les juges ont un pouvoir souverain pour interpréter, quand bien même il serait prouvé qu’ils ont mal interprété la volonté des parties, leur solution ne saurait être cassée.

وهذا الرّأي الاجتهادي في فرنسا ما زال سائدًا حتّى اليوم في لبنان وفرتسا.

وفي لبنان الاجتهادات كثيرة وكلّها تؤكّد أنّ تفسير العقود يعود حصريًا لقضاة الأساس شرط ألا يُفسدوا معناها فلمحكمة التمييز السلطان المطلق في تفسير العقود والمستندات عندما لا تكون واضحة وصريحة.

وبحسب الفقيه فرنسوا تيري يمكننا تبرير هذا المبدأ بالاستناد الى أنّ الغاية من وجود محكمة التمييز هي توحيد الاجتهاد وتوحيد القانون.

Maintenir l’unité de la loi par l’uniformité de la jurisprudence.

وبالاستناد الى أنّ لتفسير العقود يجب على القاضي أن يقوم باستقصاءات وتعود صلاحية القيام بتحرّيات واستقصاءات حصريًا الى محكمة الأساس.

كما أنّ المادة 411-2 من قانون التنظيم القضائي في فرنسا تنصّ على:

“La cour de cassation ne connait pas du fond des affaires, sauf disposition législative contraire”.

و يُضيف الفقيه جاك غستان:

La cour de cassation régulatrice est incompétente pour ordonner des mesures d’instruction et apprécier la pertinence des preuves alléguées par les plaideurs.

فالآن يمكننا أن نطرح السؤال التالي: هل إنّ القضاء المستعجل له صلاحية في تفسير العقود؟ ردّت محكمة التمييز بالنفي مؤّكدةً أنّ تفسير العقود يخرج عن إختصاص القضاء المستعجل.

وفي النهاية يجب أن نرى ما هو دور محكمة الأساس في تكييف العقد. فليس العبرة في الوصف الذي يخلعه الطرفان على عقدهما وإنّما في الوصف الذي ينطبق عليه حقيقةً. فإن وجد القاضي أنّ العقد هو من العقود المسمّاة أطلق عليه التسمية التي تتوافق معه، فيعتبره مثلاً عقد بيع أو إعارة أو هبة أو قرض. فإنّ وصف الطرفين العقد بأنّه عقد إستثمار فتبيّن للقاضي من تفسير بنوده تناسقًا بينها أنّه في واقعه عقد إيجار عادي كيّفه بأنّه عقد إيجار ورتّب النتائج التي تلازم قانونًا هذا التكييف. وإذا سمّى الطرفان عقدهما بأنّه عقد بيع فتبيّن بعد التحليل والتفسير أنّه في حقيقته هبة أو وصيّة أثبت في حكمه ما تبيّن له. والقاضي يتوّلى تكييف العقد موضوع النزاع أو المعروض عليه في الدعوى من تلقائه، وإن لم يثر أحد الفريقين مسألة الوصف، لأنّه لا يمكنه ان يُحدّد حقيقة الالتزامات والآثار الناشئة عن العقد إن لم يُكيّفه، لو إقتضى التكييف. وتكييف العقد مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة التمييز.

ثانيًا: الحدود على سلطة قضاة الموضوع في التفسير

السلطة السياديّة لا تعني المزاجيّة أو الاعتباطيّة فمحكمة التمييز تلجأ لوسائل معيّنة لمراقبة أحكام قضاة الأساس ويتمّ ذلك من خلال أكثر من وسيلة فهناك ما يُسمّى بفقدان الأساس القانوني عندما لا تكون الوقائع كافية أو واضحة لإسناد الحلّ. الرقابة تتمّ أيضًا عند تشويه المستندات المعبّرة عن الارادة. الرقابة تتمّ أيضًا عند التكييف الخاطئ للوقائع وهناك ميل لدى المحكمة العليا لمراقبة العقود الأنموذجية.

فالقانون يلزم المحكمة بأن تراعي، في حكمها المتعلّق بعقد ما، نيّة المتعاقدين فإذا فرض أنّ بنود العقد كانت صريحة جدًّا لا تحتاج الى تفسير، وإنّه، على رغم هذه الصّراحة، وجدت محكمة الأساس سبيلاً للحكم بما لا يتوافق مع صراحة بنود العقد، فإنّ محكمة التمييز تعتبر أنّ محكمة الأساس تكون خالفت في هذه الحالة القانون بتشويهها نيّة المتعاقدين، وبالتالي تكون قد رفضت القضاء بما أراده المتعاقدان عند إنشاء العقد. وهذه مخالفة لأحكام القانون التي تحتّم عليها أن تحترم إرادة المتعاقدين. وفي لبنان جعل قانون أصول المحاكمات المدنيّة الجديد من التشويه سببًا من أسباب النقض في الفقرة 7 من المادة 708. ومن جهة أخرى إنّ محكمة التمييز تخوّل نفسها حقّ مراقبة قرار محكمة الأساس إن هي، بعدما فسّرت العقد الحاصل بين الفريقين المتخاصمين، اعطت للعقد وصفًا قانونيًا مغلوطًا، او عندما هي، بعد إعلانها أنّ نيّة المتعاقدين تنحصر في أمور عيّنتها، جاءت في الفقرة الحكمية تقضي بما يُخالف ما صرّحت به لجهة نيّة المتعاقدين في حيثيات الحكم. كذلك فقد أجازت محكمة التمييز لنفسها مراقبة قرار محكمة الأساس عندما، تحت ستار تفسير العقود، تخالف هذه الأخيرة قواعد الإثبات، كأن تعتمد على كتاب خطّي غير صادر عن أحد المتعاقدين أو عنهما، أو على أدّلة وقرائن غير مستمدّة من المستند الخطّي ذاته الذي يُثبت العقد، لتُفسّر نيّة المتعاقدين بحيث أنّها، في الحقيقة، لا تفسّر تلك النيّة بل هي تقبل، تحت ستار التفسير، إثبات ما يُخالف منطق العقد بوسائل الإثبات التي يُحظّرها القانون.

ويقول الفقيه جاك غستان:

Les juges du fond ne peuvent exercer un quelconque pouvoir d’interprétation lorsque l’instrumentum est clair et précis, sous peine d’encourir la censure pour dénaturation.

وجاء في قرار لمحكمة التمييز عام 1968 ما يلي:” إنّ تفسير عقد الإيجار واستخلاص نيّة الفريقين منه يدخل في نطاق تقدير محكمة التمييز”.

وعلى رغم إستقلالية قضاة الأساس، ممنوع عليهم تشويه العقد. هذا المنع صدر في فرنسا بقرار لمحكمة التمييز عام 1872 الذي جاء فيه:

“Il n’est pas permis aux juges, lorsque les termes d’une convention sont clairs et précis, de dénaturer les obligations qui en résultent et de modifier les stipulations qu’elle renferme”.

فجاء في قرار لمحكمة التمييز عام 1968 ما يلي:” إن كان من حقّ قاضي الأساس أن يفسّر العقود فذلك مشروط أن لا يشوّه مضمونها”.

وجاء في قرارٍ آخر عام 1970 ما يلي:” إذا كان يعود لمحكمة الأساس أن تفسّر العقود والمستندات بسلطتها المطلقة إلاّ أنّ لمحكمة التمييز أن تحتفظ بحقّ الرقابة على كلّ حكم تحرّف فيه المحكمة الوقائع الواردة في تلك العقود أو المستندات أو تثخطئ في غعطاء الوصف القانوني لتلك الوقائع”.

وصدر أيضًا عن محكمة التمييز عام 1972 ما يلي:” غذا كان العقد واضحًا وصريحًا فإنّ تفسير محكمة الاستئناف له إذا جاء مشوّهًا مُفسدًا لمعناه فإنّه يقع تحت رقابة محكمة التمييز”.

لم يتفّق الفقه على تحديد معنى واحد للتشويه فيقول الفقيه بوري والاجتهاد:

La dénaturation peut se définir comme la méconnaissance par le juge du fond du sens clair et précis d’un écrit.

فعندما يكون البند واضحًا وصريحًا لا محلّ لتفسيره فأحيانًا يلجأ القاضي تحت ستار التفسير الى تعديل العقد فهنا يكون قد شوّه العقد وذلك يتحقّق أيضًا عند ذكر القاضي لوقائع خلافًا للمستندات التي بحوذته. فيكون القاضي هنا قد خالف المبدأ القانوني المتعلّق بالأثر الإلزامي للعقد (221 م ع).

ويُضيف الاجتهاد أنّ العقود الشفهيّة هي غامضة بطبيعتها.

ورقابة محكمة التمييز على عدم التشويه لا تحصل إلاّ في حالة تفسير عمل قانوني و لا تحصل عند تشويه قاضي الأساس للوقائع.

أمّا في ما يختصّ بتفسير العقود الأنموذجية، هذه المسألة غير مستقرّة في الاجتهاد فهناك ميل لتوحيد تطبيق مثل هذه العقود ذات الطابع الشمولي العام. يسعى الفقه الى إذعانها لرقابة محكمة التمييز فيقول بول إسمان:

Un contrôle de la cour de cassation sur l’interprétation donnée par les juges du fond est particulièrement nécessaire pour les contrats, dits d’adhésion, qui sont passés, en des termes identiques avec une série de personnes. Il serait choquant que les tribunaux puissent en donner une interprétation différente suivant les personnes en jeu.

أمّا عن مسألة رقابة محكمة التمييز على حسن التكييف، قرّر الاجتهاد أنّ الوقائع هي ميدان قاضي الموضوع، لكنّ الواقع مختلف عندما يصف القاضي هذه الوقائع. وصفها القانوني مسألة قانونية تذعن لرقابة محكمة التمييز. فالتفسير هو تحديد مدى ومعنى الموجبات العقدية، أمّا التكييف هو تحديد الطبيعة القانونية للعقد. ربط العقد بفئة معيّنة لإذعانه لنظام قانوني خاص لهذه الفئة. ومن الناحية الزمنية التفسير يمهّد للتكييف. ففي البداية، يجب إزالة غموض العقد نحو عقد تنازل عن معادن يتمّ إستخراجها من منجم، هل هو إيجار للمنجم أو بيع منقولات؟ عقد يتناول محلاً، هل هو إيجار هذا المحلّ أو إيجار مؤسّسة تجارية؟

فباختصار التكييف مناطٌ بمحكمة التمييز يذعن لرقابتها لأنّ الخطأ بالتكييف يؤدّي الى تطبيق قواعد لا تنطبق مع النزاع.

الخاتمة:

في نهاية البحث، يجدر الاشارة بأنّ القواعد التي وضعها المشترع اللبناني في المادة 366 الى 371 من قانون الموجبات والعقود هي موضوعة للإسترشاد بها، لأنّ الأصل تفسير العقد يحصل بالرجوع الى النيّة المشتركة لطرفيه، وقد قدّر المشترع أنّ النيّة تتجّه عادةً الى هذه القواعد. فلا تكون هذه القواعد ذات قوّة إلزامية وإنّما تكون وسيلة للاستعانة بها تفسيرًا لنصّ في العقد أو سدًّا لفراغٍ فيه. بيد أنّ مخالفة القواعد ذاتها هو ما يُحاسب عنه لدى محكمة التمييز.

وإذا لم تكن مبادئ العدالة من القواعد التي نصّت عليها المواد 366 الى 371، فإنّه يمكن للقاضي أن يُدخلها في حسابه عند تفسير العقد أو تحديد نطاقه، إذا لم يوّفر له النصّ في العقد ولا الأحكام بالقانون الوضعي ولا القواعد العامة أو الأعراف ما يُتيح له أن يفسّر العقد أو يحدّد نطاقه على الذي يرتاح اليه قانونًا وضميرًا. فمبادئ العدالة هي التي يجب أن تسود علاقة الطرفين، ومن المفترض أن يكونا قد أدخلاها في حسابهما أو استلهماها عند التفاوض والتعاقد.

* محرر اول في قسم “انظمة وقوانين” بموقع nufooz