“اقتصاديات المسؤولية التقصيرية للمنتج: بحث من وجهة نظر إسلامية “
21 مايو/أيار 2008من ضمن سلسلة دراسات البنك الاسلامي للتنمية- المعهد الاسلامي للبحوث والتدريب صدرت عام 1995 دراسة “اقتصاديات المسؤولية التقصيرية للمنتج: بحث من وجهة نظر إسلامية” للدكتور منذر قحف. ونورد في ما يلي مقدمة هذا البحث الذي خلص إلى نتائج مهمة تنشأ من نظرة الإسلام إلى نظام المسؤولية التقصيرية وما ينشأ عنها من تأثير على المنتج والمستهلك وتحديد أنواع الضرر والتعويض ومقداره وتكييفه…
“توجد المخاطر في جميع المجتمعات. فالحياة نفسها سواء في غابة بدائية أو مدينة صناعية حديثة تتضمن مخاطر جمة. والحياة المعاصرة بشكل خاص تزداد فيها المخاطر بشكل كبير. ذلك أن الإنسان صار يتعامل مع مواد كثيرة جدا تعرضه لمخاطر كثيرة. فالآلات الثابتة والمتحركة والأدوات وسائر المنتجات الصناعية التي نتعامل معها تعرضنا للخطر، إما بسبب فشلها في تأدية ما صنعت له من أعمال، أو بسبب ما تتضمنه من تأثيرات جانبية على حياة الإنسان أو صحته أو أمواله أو بسبب فشل صانعها في تفصيل وبيان طريقة استعمالها؛ مما قد يؤدي إلى عدم استعمالها بالشكل الصحيح من قبل المتعاملين معها.
وكذلك فقد أوجد التقدم العلمي والتقني أساليب جديدة في العلاجات الطبية والعمليات الجراحية. يتعرض من خلالها الإنسان لمخاطر كثيرة نتيجة لخطأ الإجراء الطبي نفسه أو لخطأ الطبيب في تطبيقه أو لعدم استكمال جميع الشروط اللازمة في الوسط الذي نفذ فيه الإجراء الطبي (المستشفى مثلا). وتحيط مخاطر مشابهة بممارسة عدد من المهن الأخرى كالهندسة ومراجعة الحسابات.
كما كان من نتيجة التقدم العلمي والتقني أن يجتمع عدد كبير من العمال في مكان واحد للعمل يتداولون أنواعا من الآلات والأدوات والمواد التي قد تعرضهم لكثير من المخاطر الناتجة إما عن المواد نفسها، كالمخاطر الكيمياوية والإشعاعية لبعض المواد، أو عن نقص في اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة أو أخطأ العمال أنفسهم.
كل هذه المخاطر أصبحت اليوم جزءا من الحياة المعاصرة. وكثيرا ما يحدث أن يسأل شخص عن تلف تعرض له آخر في جسمه أو ماله أو عاطفته وشعوره أو عرضه.
فالمسؤولية التقصيرية تترتب عليها آثارها الشرعية والقانونية عندما يتقرر أن شخصا ما مسؤول عن التلف والضرر الذي أصاب شخصاً آخر.
ولكل أمة من الأمم نظمها القانونية التي تتعالم بها وتحدد خلالها مقدار وكيفية تحديد المسؤولية التقصيرية. وهذا النظم القانونية تهدف أساسا إلى تحقيق هدفين هامين هما:
ردع متسببي الأضرار أو الإتلافات عن الإضرار بالغير بإلزامهم باتخاذ الأعمال والإجراءات التي تؤدي إلى عدم إحداث هذه الأضرار والإتلافات، وتعويض المتضررين عما حصل لهم من تلف أو ضرر. ولا شك أن النظام القانوني للتعامل مع المسؤولية التقصيرية يتضمن تطبيقه بعض النفقات والتكاليف التي يتحملها ذوو العلاقة (المتضرر ومحدث الضرر) من تكاليف محامين ومقاضاة وشهود وخبراء في معرض إثبات أو نفي المسؤولية التقصيرية وتحديد الضرر أو التلف الحاصل، وتعيين مقدار التعويض، إضافة إلى النفقات التي يدفعها المجتمع من خلال تكاليف الجهازين القضائي والتنفيذي.
وينصب اهتمام رجال القانون عند بحثهم في المسؤولية التقصيرية على تحقيق ثلاثة أهداف هي: ” تعويض الضحية، وردع المضر، وتوزيع المخاطر”
أما الاقتصاديون فإن اهتمامهم يتركز على دراسة كفاءة نظام قانوني ما في تحقيق هذه الأهداف، وإيجاد دوافع ذاتية لذلك عند المتعاملين من خلال السعر ونظام السوق، ويربطون بين الكفاءة والتكاليف المادية التي يتطلبها تحقيق أهداف القانون بالنسبة للأفراد والمجتمع معا.
وتقاس كفاءة النظام القانوني للمسؤولية في مدى نجاحه في تحقيق هذين الهدفين: ردع المتسببين المحتلين للأضرار، وتعويض المتضررين مقاسا على التكاليف التي يتضمنها تحقيق ذلك.
ومن جهة أخرى فإن للنظام القانوني للمسؤولية التقصيرية تأثيرا مباشرا على سوق التأمين؛ إذ إن صناعة التأمين تشمل المسؤولية التقصيرية، وبالتالي فإن النظام القانوني للمسؤولية التقصيرية يؤثر على أسعار التأمين يضاف إلى ذلك أن النظام القانوني للمسؤولية التقصيرية يؤثر أيضا على توفر السلع والخدمات في السوق بحيث لو زادت تكلفة المسؤولية التقصيرية لبعض السلع عن الحدود المتحملة من قبل المنتجين لما استطاع منتوجها أو بائعوها الاستمرار بعرضها في الأسواق في ظل الظروف السوقية القائمة أو أن سلعا أخرى لا يتم إنتاجها أصلا خوفا من التكاليف الباهظة للمسؤولية التقصيرية.
وتدرس اقتصاديات المسؤولية التقصيرية هذه الظواهر أي كفاءة النظام القانوني للمسؤولية التقصيرية في تحقيق أهدافه في ردع محدثي الأضرار والإتلافات والتعويض على المتضررين والتكلفة التي يتضمنها تحقيق هذين الهدفين، كما تدرس تأثير النظام القانوني للمسؤولية التقصيرية على سوق التأمين وأسواق السلع والخدمات.
وهذه الدراسة تهدف إلى مقارنة اقتصاديات المسؤولية التقصيرية بين النظامين الإسلامي والغربي، وبشكل خاص الأمريكي الذي تتوفر حوله مراجع لدى الباحث.
وفيما يتعلق بالنظام الإسلامي فقد اعتمد الباحث على دراسات الفقهاء المتوفرة في أمهات الكتب الفقهية، وفي بعض الدراسات الفقهية المعاصرة حول المسؤولية التقصيرية. واستفاد بشكل خاص من نصوص المواد 264- 290 من مشروع قانون المعاملات المالية العربي الموحد. وهو مشروع قانون مدني عربي موحد مستمد أساسا من الفقه الإسلامي، ويعتبر كتاب الشيخ الزرقا، الفعل الضار (1988) بمثابة المذكرة التفسيرية لهذا القانون.”
تتألف الدراسة من أربعة أقسام.
القسم الأول تعريف المسؤولية التقصيرية، وصلتها بنظرية الضمان في الشريعة الإسلامية وأنواعها.
القسم الثاني لاقتصاديات المسؤولية التقصيرية في النظام الغربي للمسؤولية، ويدرس الآثار الاقتصادية المترتبة عليه.
القسم الرابع يلخص النتائج التي توصل إليها البحث، ويذكر ما يقترح من جوانب تحتاج إلى توسيع في الدراسات المستقبلية حول هذا الموضوع.


