الموازنة العامة في الاقتصاد الإسلامي
20 يونيو 2008من ضمن سلسلة دراسات البنك الاسلامي للتنمية- المعهد الاسلامي للبحوث والتدريب صدرت عام 1997 دراسة بعنوان “الموازنة العامة في الاقتصاد الإسلامي” لسعد بن حمدان اللحياني. تسلط الدراسة الضوء على الميزانية العامة ومدى استخدامها أداة مؤثرة اقتصاديا واجتماعيا، ومدى سعة الشريعة الإسلامية وقدرتها على استيعاب وتوجيه جميع التجارب البشرية لتتكيف مع غاية الشريعة وروحها ومنهاجها ، ويبرز بوضوح تميز الشريعة في الجوانب المالية بالإضافة إلى تميزها في النواحي الإنسانية والأخلاقية وما إلى ذلك من موضوعات تهم الاقتصادي المسلم.في ما يلي ابرز ما جاء في المقدمة:
“فيما يتعلق بالمال العام جاءت الشريعة الإسلامية مبينة أحكامه مؤكدة على حرمته، ضابطة لجبايته وإتفاقه، فمنذ أن قامت دولة الإسلام في المدينة وجدت الأموال العامة، فكان للدولة الإسلامية إيراداتها ونفقاتها التي تمكنها من أداء واجباتها، والقيام بمهماتها، وكانت هذه الأموال واضحة المعالم، بينة الأحكام. وقد شدد الإسلام على حرمة المال العام، فالرسول يقول: ” من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوفه كان غلولاً يأتي به يوم القيامة “. كذلك فإن عمر بن الخطاب كان يتشدد في محاسبة عماله على الأموال العامة.
ونظراً لأهمية موضوع المال العام فقد أفرد له علماء المسلمين المؤلفات، وصنفوا في أحكامه المصنفات، فهذا القاضي أبو يوسف رحمه الله يكتب كتاب “الخراج” بناء على طلب الخليفة هارون الرشيد، يبين فيه إيرادات الدولة، ووجوه مصارفها، وأحكام جبايتها وإنفاقها. كذلك فإن أبا عبيد رحمه الله صنف كتابا في “الأموال” جمع فيه الأحاديث والآثار والفتاوى المتعلقة بأموال الدولة الإسلامية من فيء وصدقة وغنيمة، وقد تبعه في ذلك تلميذه ابن زنجويه الذي وضع كتابا في الأموال يشبه إلى حد بعيد كتاب أبو عبيد. ويضاف إلى ما سبق أن بعض العلماء تعرضوا لهذا الموضوع في كتب الأحكام السلطانية، والسياسة الشرعية، ومن هؤلاء: الماوردي، وأبو يعلى، وابن تيمية، رحمهم الله.
ولما كانت الأموال العامة في الإسلام بتلك الأهمية، وكانت الموازنة أحد الأساليب التي تنظم بواسطتها الأموال العامة للدولة، حيث تخطط الدولة عن طريقها الإيرادات والنفقات العامة، على نحوٍ تحقق من خلاله أهدافا معينة، لذلك فإن موضوع الموازنة العامة في الاقتصاد الإسلامي يصبح جديرا بالبحث والدراسة ليتبين كيفية الاستفادة من الموازنة في الاقتصاد الإسلامي، وتتضح أهدافها وقواعدها وضوابتها في إطار الأحكام الشرعية، ذلك أن الاقتصاد الإسلامي باعتباره علما من العلوم الإسلامية فيه متسع لكل الأساليب التي لا تتعارض مع القواعد والأحكام الشرعية، كما أنه يضبط تلك الأساليب ويخضعها لتلك القواعد والأحكام.
إن دراسة موضوع الموازنة العامة تستند في أهميتها إلى أهمية الموازنة العامة باعتبارها برنامج عمل للدولة لفترة قادمة، فالموازنة تمثل من خلال بنود إنفاقها البرامج التي تخطط الدولة لتنفيذها في فترة الموازنة. ومن المعلوم أنه من الممكن معرفة أهداف الدولة، وسياساتها، من خلال تحليل أرقام الإيرادات والنفقات في الموازنة العامة، ومن ثم فإن أهمية الموازنة العامة لا تتعلق بالقطاع الحكومي فقط، بل تتعلق بكافة قطاعات الاقتصاد، فالقطاع الحكومي يولي الموازنة اهتمامه باعتبارها تمثل خطة عمل، وبرنامج تمويل. أما أهمية الموازنة لقطاع الأعمال فتتمثل في أن الموازنة تتضمن في الغالب مشاريع تعتبر مجالات استثمار هامة لهذا القطاع، كما أن الموازنة قد تتضمن ضرائب إضافية، أو مدفوعات تحويلية، يكون لها أثر على النشاط الاقتصادي. أما بالنسبة للقطاع العائلي فإن أهمية الموازنة العامة تبرز أيضا فيما قد تتضمنه الموازنة من ضرائب إضافية أو مدفوعات تحويلية، أو خدمات مجانية، وكذلك فيما قد توفره من فرص عمل أو تتسبب في توفيره، أما أهمية الموازنة للقطاع الخارجي فتتمثل في أن مشاريع الموازنة قد تحتاج إلى رؤوس أموال أو عمالة أجنبية فهي بذلك تمثل مجال استثمار للقطاع الخارجي، كذلك فإن أثر الموازنة على العلاقات الاقتصادية الدولية وتحركات رؤوس الأموال يجعل لها أهمية كبيرة عند القطاع الخارجي.
ونظرا لكون الموازنة العامة تباشر تأثيرا اقتصاديا واجتماعيا كبيرا في الدولة، لذلك فإنها لم تعد مجرد جدول يبين الإيرادات والنفقات العامة للدولة، وإنما أصبحت أداة تتخذها الدولة لتباشر من خلالها أهدافا معينة.
ومن ناحية أخرى فهناك الدور الذي يمكن أن تمارسه الموازنة العامة في عملية ترشيد المال العام، جباية وإنفاقا، سواء من خلال دورها في الرقابة على كل من الجباية والإنفاق، أو من خلال مراقبة العوائد المتحققة من الإنفاق العام وربطها بذلك الإنفاق، أو من خلال تنظيم الموازنة وتقسيمها بطريقة تحقق الصحيح للأموال العامة.
فرضية البحث:
ينطلق هذا البحث من فرضية مضمونها أنه لما كان وجود الإيرادات والنفقات العامة في النظام المالي الإسلامي أمراً مسلماً به، وذلك من واقع الأدلة النظرية والوقائع التاريخية، لذا فإنه يمكن تصور وجود موازنة عامة في الاقتصاد الإسلامي، ويأتي هذا البحث لدراسة هذه الفرضية وبحثها، ومعرفة جوانب الموازنة العامة في الاقتصاد الإسلامي ومدى إقرارها أو رفضها لجوانب الموازنة العامة في الاقتصاد الوضعي.
إن للموازنة العامة جانبين رئيسين، الأول منهما جانب إجرائي نظامي يتمثل في القواعد والمبادئ التي تحكم إعداد الموازنة واعتمادها، وكيفية تنفيذها ومراقبة ذلك التنفيذ. أما الجانب الثاني فهو جانب اقتصادي يتمثل في سياسات الموازنة العامة، وما يمكن أن تباشره من تأثير على المتغيرات الاقتصادية، وكيفية اتخاذها أداة لتحقيق الأهداف المطلوبة.
وفي هذا البحث سوف تجرى دراسة لكل من الجانبين، وإن كانت الدراسة في الجانب الاقتصادي للموازنة لن تتعرض لبحث أثر الموازنة على ميزان المدفوعات وسعر الصرف وتأثرها بهما؛ إذ إن بحث هذا الموضوع يتطلب توسعاً يضيق عنه جهد الباحث.”
يأتي هذا البحث في فصل تمهيدي وأربعة فصول رئيسة يسبق ذلك مقدمة، ويتلوه خاتمة تتضمن أهم نتائج البحث، وذلك على النحو التالي:
- مقدمة
- فصل تمهيدي
- الفصل الأول: قواعد الموازنة العامة
- الفصل الثاني: عمليات الموازنة العامة
- الفصل الثالث: سياسات الموازنة العامة
- الفصل الرابع: تصور لموازنة عامة في اقتصاد إسلامي
- خاتمة

