المفهوم الافلاسي للتّوقف عن الدّفع
22 ابريل 2008بقلم الزميل اتيان طربيه *
المفهوم الافلاسي للتوقف عن تسديد الديون بعيد كلّ البعد عن المفهوم التقليدي المدني أو التجاري. واجمعت مختلف التشريعات العربيّة على التفريق بين ماهيّة المفهومين على رغم صعوبة ايجاد التمايز بينهما. فالمفهوم الافلاسي ذو طابع اقتصادي ومالي يتخطّى بأهميته المفهوم العادي.
وجاءت على سبيل المثال المادة 489 من قانون التّجارة اللّبناني وكرست ذلك: ” يعتبر في حالة الافلاس كلّ تاجر ينقطع عن دفع ديونه التّجاريّة وكل تاجرلا يدعم الثقة الماليّة به الا بوسائل يظهر بجلاء أنّها غير مشروعة”.
طرحت هذه المادة من القانون التجاري اللبناني مفهوم التوّقف عن الدّفع دون الغوص في شرحه أو تعريفه.
أخذ الفقه و الاجتهاد على عاتقهما تحديد ماهية هذه الفكرة لسببين: الاول ضرورة توافر هذه الحالة لشهر الافلاس و الثاني لتعيين بدء فترة الريبة.
ظهر مفهوم التوّقف عن الدفع لأول مرّة في ايطاليا حيث كان يُسمّى التاجر المتوّقف عن الدفع ب”ديكوتور” أيّ المحترق بالنار.في فرنسا كان الامر قبل قانون 25 كانون الثاني 1985 مشابهاً للوضع في لبنان، فالاجتهاد في البلدين كان متطابقاً لدرجة كبيرة و بصراحة استفاد الاجتهاد اللبناني من كلّ تطوّرات الاجتهاد الفرنسي. بيد أنّ هذا القانون الجديد وضع حدّاً لكلّ الاجتهادات الفرنسية السابقة. فنصّت المادة السادسة من قانون عام 1985 أنّ التاجر المتوّقف عن الدفع هو الذي لا يستطيع مواجهة ديونه المستحقّة بالموجودات المتوافرة لديه.
“L’impossibilité de faire face au passif exigible avec l’actif disponible”
أمّا في القانون السّوري فالحال تشبه الى حد كبير لبنان فجاء نصّ المادة 606 من قانون التجارة السوري متطابقاّ بشكل كبير مع المادة 489 من القانون اللبناني.
علاوة على ذلك تعتبر المادة الاولى من قانون الافلاس والصلح الواقي البحريني أن كل تاجر وقف عن دفع ديونه التجارية إثر إضطراب أعماله المالية يعتبر في حالة افلاس ويلزم اشهار افلاسه بحكم يصدر بذلك.
في لبنان اذاً وفي غياب التعريف القانوني وضع الفقه والاجتهاد الشروط التي يجب أن تتوافر لاعتبار التاجر المدين متوّقفاً عن الدفع.
فالتوّقف عن الدفع بمفهومه الافلاسي بعيد كلّ البعد عن مفهوم القانون العام. في القانون العام عدم دفع دين معيّن يكفي لممارسة الدعوى الفردية لكن في الدّعوى الافلاسية يجب أن يكون التّوقّف عن الدّفع موصوفًا. فيعتبر الفقيه اميل تيان أنّه يجب أن يكون هذا التوّقف مقترناً بعوامل أخرى وأن يكون كاشفاً لوضعٍ معيّن يتخبّط به التاجر يظهر فيه هذا الاخير بحالة يعجز فيها عن دفع ديون أخرى مستقبلية وليس بوسعه متابعة أعماله التجارية كالمعتاد. يستخلص اذاً انّ لتحقّق حالة التوّقف عن الدفع يجب توافر شرطين مجتمعين لازمين.
الشّرط الاوّل هو أن يكون التاجر المدين في وضع ميؤوس، مركزه التجاري والمالي منهاراً ولا يسعه الخروج من هذا الوضع الحرج في الوقت الحاضر لأنّه فقد ائتمانه نهائياً.
Situation de ruine financière, désespérée, sans issue, irrémédiablement compromise, etc…
الشرط الثاني هو وقوع حادث أو عارض عدم دفع دين تجاري أو أكثر مهما كان قدره أو الدفع بوسائل غير مشروعة.
L’incident du non paiement d’une dette commerciale ou le paiement par des moyens manifestement illicites.
أمّا اذا كان المدين مصرفاً فيُطبّق عليه بالاضافة الى المادة 489 من قانون التجارة نصّ المادة الثانية من القانون رقم 2 الضادر في 16 كانون الثاني عام 1967 “قانون انترا” فيعتبر هذا القانون المصرف متوّقفاً عن الدفع اذا أعلن بنفسه ذلك، أو اذا لم يسدّد ديناً مترّتباً عليه لمصرف لبنان عند استحقاقه، أو في حال سحب شيكّاً على مصرف لبنان بدون مؤونة كافية او اذا لم يؤمّن المؤونة الكافية لتغطية رصيد مدين ناتج عن عمليات غرفة المقاصة. نلاحظ هنا أنّ هذا القانون ابتعد نوعاً ما عن المفهوم التقليدي للتوّقف عن الدفع (أيّ المفهوم المزدوج). انّ التوّقف عن الدفع هنا ذو طابع مادي دون الحاجة الى النظر الى الوضع المالي للبنك بصورة شاملة. لكنّ قانون 1967 ليس انقلابياً لهذه الدرجة فهناك بعض الاستثناءات الاجتهادية سنستفيض في تحليلها في معرض شرحنا المفصّل لمفهوم التوّقف عن الدفع لاحقاً.
على صعيدٍ آخر دعوى الافلاس تصبح بدون موضوع وحتماً دون جدوى اذا اختفت حالة التوّقف عن الدفع فمن هنا تأتي أهميّة تحديد هذا المفهوم ومن الضروري استمرار هذه الحالة حتّى نهار اشهار الافلاس.
الى ذلك، فكرة التوّقف عن الدفع مهمّة أيضاً لتحديد بدء فترة الريبة ، فالمشترع يرتاب من التّصرفات التي يبرمها التاجر بعد التوّقف عن الدفع وقبل صدور الحكم بشهر الافلاس اذ انّ ففترة الريبة لا تقتصر على تاريخ التوقف المادي عن الدفع بل الى الوقت الذي بدأ فيه المدين المفلس في التّحايل و الدفع بطرق غير عادية و اخفاء انهياره بصورة احتيالية.
التوّقف عن الدفع اذاً مفهوم مركّب ومزدوج فهو يتطلّب من القاضي البحث عن عارض عدم دفع دين تجاري معيّن وفي الوقت نفسه درس ائتمان التاجر ووضعه المالي والتجاري.
بعد سرد عناصر التوّقف عن الدفع بحسب الاجتهاد والفقه أصبح من الضروري تقسيم البحث الى محورين.
في القسم الاوّل سنتكلّم عن شرط وصول المدين الى حالة مالية وتجارية بائسة وانهيار ائتمانه وفي هذا المحور سنشير الى أنّ التوّقف عن الدفع هنا ليس توّقفاً مادياً بسيطاً عن ايفاء دين أو أكثر ومن ثمّ سنفرّق بين التوّقف عن الدفع بمعناه الافلاسي والاعسار.
في القسم الثاني سنتطرق الى عارض عدم دفع دين معيّن وتحقّق حالة التوّقف عن الدفع غير المشروع وسنحدّد شروط هذا الدين ومن ثمّ سنتحدّث عن الدفع بوسائل غير مشروعة.
القسم الأوّل: انهيار ائتمان التاجر ومركزه المالي والتجاري.
أ - التوّقف عن الدفع ليس توّقفاً مادياً بسيطاً عن ايفاء دين أو أكثر.
ب - التوّقف عن الدفع لا يختلط بالضرورة بالاعسار.
القسم الثّاني: تحقّق عارض التوّقف عن الدفع غير المشروع.
أ - صفات الدين موضوع الدعوى.
ب - الدفع بوسائل غير مشروعة.
القسم الأوّل: انهيار ائتمان التاجر ومركزه المالي والتجاري
المفهوم الافلاسي للتوّقف عن الدفع منسجم و متوافق مع الاهداف الخاصة للقانون التجاري. فلكي نحيط جيداً بمعاني هذا المفهوم، يجب بادئ ذي بدء التمييز بين نقيضين. الاول هو أنّ التوّقف عن الدفع ليس توّقفاً مادياً بسيطاً عن الدفع والثاني هو أنّ التوّقف عن الدفع ليس الاعسار أو عدم الملاءة.
أ - التوّقف عن الدفع ليس توّقفاً مادياً بسيطاً عن ايفاء دين أو أكثر
التمييز بين انهيار ائتمان التاجر والتوّقف المادي البسيط عن الدفع كان جليّاً لأوّل مرّة في قرار صادر في 13 نيسان 1969 عن محكمة التمييز: “لا يجب فقط تحقّق حالة عدم الدفع، بل يجب الاخذ في الاعتبار حالة التاجر المالية والبحث اذا كان هناك ديون أخرى تجارية مستحقة لم يدفعها وبصورة أوضح التأكّد أنّ التاجر المدين لا يستطيع دفع ديونه المستقبلية وحالته باتت ميؤوسة”.
وجاء قرار آخر في 30 نيسان من العام نفسه ( دعوى سيمونيان\ سيمونيان، حاتم ج91، ص21): “يجب أن يكون التاجرقد أصبح بحالة من العجز والانهيار المالي تجعله لا يملك الوسائل التي تمكّنه من مواجهة ديونه المستحقّة”.
Situation de ruine financière, désespérée, sans issue, irrémédiablement compromise, etc…
فالتوّقف المادي عن الدفع بحسب الاجتهاد لا يكفي لاعتبار التاجر متوّقفاً عن الدفع بل العبرة اذاً بالتوقّف الحقيقي الذي يُنبئ عن سوء حالة المدين المالية وزعزعة ائتمانه وعجزه عجزاً مستمرًّا عن متابعة تجارته والنهوض على قدميه في الميدان التجاري.
كما أنّ التوّقف عن الدفع لا يفترض عدداّ أو نسبة معيّنة من الديون، فليس من الضروري أن يمتنع المدين عن ايفاء كل ديونه أو القسم الاكبر منها بل انّ التوّقف عن تسديد دين واحد يصحّ اعتباره توقفاً عن الدفع غير مشروع اذا كان يدلّ دلالة كافية بالنسبة الى أوضاع المدين الخاصة عن اضطراب أحواله.
وعلى عكس ذلك، فانّ التوّقف عن ايفاء عدد كبير من الديون يمكن ألاّ يُعتبر توقّفاً عن الدفع بالمعنى الافلاسي اذا ثبُت للمحكمة أنّ هذا التوّقف ليس الاّ وليد ضائقة اقتصادية عابرة سيتغلّب عليها حتمًا التاجرفي وقتٍ قصير. هناك بعض الامثلة على هذه الحالة في الاجتهاد: اذا تعرّض المتجر للسطو أو للسرقة، اندلاع حريق داخل المؤسّسة، أحوال مناخية رديئة من شأنها وقف الاعمال لتعذّر وصول العمّال، تعرّض التاجر لمرض أو لوعكة صحيّة، أوضاع أمنية ضاغطة وغير مستقرّة، اضطرار التاجر للسفرلأسباب خاصة ومشروعة، الخ… فهذا الامتناع عن الدفع راجعٌ الى عُسرٍ عارض وصعوبة وقتية و أزمة طارئة لا تلبث أن تزول و يُمكن للتاجر أن يتغلّب عليها. فتعاطي التجارة صعبٌ ومحفوفٌ بالمخاطر وليس كلّ من تعرّض لأزمةٍ طارئة يُعتبر متوّقفًا عن الدفع بالمعنى الافلاسي. لكن في بعض القرارات المتفرقة هناك شهر للافلاس بغضّ النظر عن سبب التوّقف عن الدفع حتّى اذا كان التاجر ضحيّة قوّة قاهرة. غير أنّ سبب التوّقف عن الدفع وبحسب المرجع نفسه، اذا لم يؤخذ به لتحقّق حالة التوّقف عن الدفع المادي، من الضروري الاستناد اليه لتقدير ما اذا كان ائتمان التاجرمنهاراً فعلياً أم لا.
في غضون ذلك، ترك القضاء للتاجر فرصةً تخوّله القيام ببعض الاعمال ليُظهر للغير بأنّه يتمتّع بالائتمان والثقة المالية. فجاء في قرار لمحكمة التمييز( 6 شباط 1969، العدل 1969) ما يلي: ” لا يمكن اعلان افلاس التاجرما لم يكن بحالة عجز بلغت درجة تدعو الى اليأس فعندما يتقّدم المطلوب افلاسه بكفالة مصرفية تضمن للمدعّي دينه ثمّ يتبعها بايداع قيمة هذا الدين صندوق قصر العدل فلا يكون بحالة عجز عن دفع ديونه”. أمّا اذا دفع التاجر لأحد مدينيه لا يستطيع التهرّب من الافلاس اذا استمرّت حالته الميؤوسة و عدم الدفع ما يزال قائماً تجاه الدائنين الآخرين (اجتهاد فرنسي 1957، المجلّة الفصلية للقانون التجاري، 58، 161).
على صعيدٍ آخر و في حال توقّف المصارف عن الدّفع نطبّق القانون رقم 2 الصادر في 16 كانون الثاني عام 1967 الذي يُذعن المصارف المتوّقفة عن الدفع لأحكامٍ خاصة. بيد أنّ هذا القانون لم ينصّ على شرط انهيار ائتمان التاجر لخصوصية القطاع المصرفي بالنسبة للاقتصاد اللبناني. فبمجرّد عارض التوّقف المادي عن دفع احد الديون له مدلولات خاصة بالنسبة للمصرف. هذا الاخير ليس تاجراً صغيرًا بل تكتّل اقتصادي هائل وتوّقفه عن الدفع غير المشروع عاملٌ خطيرٌ للدائنين وحتّى للقطاع المصرفي برمتّه وللاقتصاد الوطني الذي يحرص كلّ الحرص على متانة هذا القطاق الذي صمد على رغم كلّ الصعوبات. فلم يأتِ حكم صادر عن (محكمة الدرجة الاولى في بيروت: تاريخ 28\8\1980 بنك صادرات ايران\ بنك أوف أمريكا) متناقضاً مع المفهوم الكلاسيكي المزدوج للتوّقف عن الدفع فبعد مراجعة الرأي الخطّي الصادر عن حاكم مصرف لبنان، وصل القاضي الى قناعة بأنّ المصرف يدفع للزبائن كالمعتاد لكن في الحالة هنا البنك يمتنع عن ايفاء هذا الدين لدوافع جدّية خاصة به بيد أنّه يدفع بقيّة ديونه بصورة اعتيادية فلا يجوز اعتباره مفلسًا. فعلّق الفقيه جيلبير غرانشيه على هذا القرار وقال:
“Il serait inique de déclarer en état de cessation des paiements le commerçant qui refuse de payer une dette pour des motifs sérieux alors qu’il acquitte régulièrement les autres. En décider autrement serait interdire aux commerçants toute contestation dans les affaires sous peine de se voir appliquer le régime de la faillite”.
من جهة ثانية، يجب البحث أيضًا عن ماهيّة مفهوم التوّقف عن الدفع لا سيّما في القانون الفرنسي فمثلما أشرنا في المقدّمة القانون الصادر عام 1985، حدّد معنى هذا المفهوم فالتاجر المتوّقف عن الدفع هو الذي لا يستطيع مواجهة ديونه المستحقّة بالموجودات والأصول المتوافرة لديه.
“L’impossibilité de faire face au passif exigible avec l’actif disponible”
بمجرّد صدور هذا القانون في فرنسا، أصبح المفهوم صلبًا وغير مرن وتخلّى المشترع بصراحة عن شرط انهيار الائتمان.
رحّب الفقيهان روبلو وريبيربهذا التحوّل واعتبروه جيدًا فانتظار انهيار الائتمان بشكلٍ كامل، يجعل حالة المدين ميؤوسة بشكلٍ فاضح ويكون تدخّل القضاء متأخّرًا وبدون جدوى. هذا الرأي يبدو منطقيًا لكن يجب الاشارة الى أنّ دعوى الافلاس لها خصوصيتها ولها تبعات كبيرة على التاجر المدين. فعلى القضاء تطبيق نظام الافلاس في حالاتٍ معيّنة يبدو فيها التاجرأنّه يتخبّط في صعوبات كبيرة وليس على كلّ مدين يتوّقف عن دفع أحد ديونه، فيكفينا اكتظاظ المحاكم بدعاوى الافلاس ممّا يؤدّي الى تأخير كبير في صدور القرارات.
ب - التوّقف عن الدفع لا يختلط بالضرورة بالاعسار
الفقه والاجتهاد فرّقا صراحةً بين التوّقف عن الدفع و الاعسار أو عدم الملاءة. فالقانون المدني لا سيّما قانون الموجبات والعقود لحظ الاعسار بالاضافة الى التنفيذ الجبري. فالمشترع لسوء الحظ خلط كثيرًا بين التوّقف عن الدفع والاعسار عند صياغته للنّصوص القانونيّة. فجاءت مثلاّ المادة 59 من قانون الموجبات والعقود ونصّت على ما يلي:” اذا توفّي الفريق الذي له حقّ الاختيار قبل أن يختار فانّ حقّه ينتقل الى ورثته، واذا أُعلن عجزه يصبح حقّ الاختيار لجماعة الدائنين”. فلم يستخدم المشترع في قانون الموجبات والعقود اصطلاحًا واحدًا للاعسار، نحو: المادة 113 و المادة 1105 تكلّمتا عن عدم الملاءة، المادة 1104 تحدّثت عن الاعسار المشهور وأخيرًا المادة 41 تحدّثت عن عدم الاقتدار على الدفع.
فيتحقّق الاعسار بمعناه المدني عندما تُجرد موجودات التاجر أو أصوله مع ديونه أو خصومه و يتبيّن أنّ مجموع الديون يفوق الموجودات و أموال المدين ليست كافية لموازنة ديونه المستحقّة بالاموال المتوافرة لديه. فبحسب الفقيهين بلانيول و ريبير:
“L’insolvabilité c’est quand le passif est supérieur à l’actif et en cas de réalisation immédiate, tous les créanciers ne pourraient recevoir leur paiement intégral.”و
يضيف الفقيه هوان:
“L’insolvabilité c’est l’impossibilité de régler le passif exigible au moyen de l’actif mobilisable”.
الاعسار ليس شرطًا لاعلان الافلاس بل يُستفاد منه في تقدير ما اذا كان وصل ائتمان التاجر الى مرحلة ميؤوسة و منهارة. وجاء في قرار لمحكمة التمييز(14 أيّار 1969، حاتم ج 91، ص 20): ” الملاءة أو عدمها تبقى بعيدة عن نطاق رقابة محكمة التمييز باعتبارها لا تشكّل هذا العنصر القانوني، وان كان يمكن التحقّق منها في معرض البحث عن وضع التاجر المالي العام “.
الاعسار يتطلّب اذا جردة الموجودات وذلك بحاجة لوقتٍ طويل ومرهق وهذا لا يتناسب كثيرًا مع أهداف الافلاس بالاضافة الى أنّ اثبات الاعسار يستلزم اجراءات صعبة ومعقّدة.
فالاعسار اذًا ليس ضروريًا وليس كافيًا لاعلان الافلاس بيد أنّ الغالب يكون توّقف التاجر عن الدفع ناشئًا عن اعساره لأنّ المليء لا يعدم وسيلة في الحصول على النقود والسيولة باللجوء مثلاً الى بيع قسم من موجوداته.
الاعسار ليس ضروريًا لأنّ التاجر يمكن أن يكون ميسورًا ومليئًا ( أيّ أصوله تفوق خصومه) لكنّه لا يستطيع التصرّف والاستفادة من موجوداته كالعقارات لسببٍ أو لآخر لدفع ديونه المستحقّة.
الاعسار ليس كافيًا لأنّ التاجر الذي وقع في حالة اعسار باستطاعته في بعض الاحيان دفع ديونه بوسائل مشروعة كالاستحصال على قرض مصرفي أو رهن أو على سيولة من أقاربه و أصدقائه وهذه الطرق لا تتنافى مع الامانة و الاصول التجارية القويمة.
الفارق اذًا بين التوّقف عن الدفع والاعسار ليس فارقًا في الجوهر، وانّما هو فارقٌ في الأحوال بين التاجر وغير التاجر، اذ انّ فكرة التوّقف عن الدفع تتميّز عن فكرة الاعسار بأنّها أكثر مراعاة لأوضاع التاجر لسببٍ مهمّ وهو خطر التوّقف المادي عن التسديد بصفة خاصة بين التجّار اذ يعتمد هؤلاء على استيفاء ديونهم ليقوموا بدورهم بتسديد ديونهم في مواعيدها، بحيث يؤدّي وقوف أحد المدينين عن الدفع الى اضطراب قد يشمل علاقات متعدّدة بين تجّار متعدّدين.
فجاء في قرار لمحكمة التمييز(10 تشرين الاوّل 1950، النّشرة القضائية اللبنانية، ج51 ص114) ما يلي: “وبما أنّه بحسب المفهوم القضائي الحديث للانقطاع عن الوفاء، فانّ مجرّد توّقف المدين عن الدفع لدينٍ تجاري لا يكفي بحدّ ذاته لتبرير اعلان الافلاس بل أنّه يجب الاخذ بعين الاعتبار وضعية المدين التجارية وموجوداته، وبذلك فانّ التوّقف عن الوفاء يقترب من العجز”
أمّا في فرنسا أيضًا لم يمزج الاجتهاد والفقه بين المفهومين وجاءت القوانين المتلاحقة لتثبّت استقلالية المفهومين ويجب الاشارة الى أنّ ميدان تطبيق الاعسار الى انحسار فعام 1967 أُذعن كلّ الاشخاص المعنويّين حتّى غير التجاّر للافلاس، عام 1985 أُذعن أصحاب المهن الحرفية، عام 1988 اذعن المزارعون، وبعد صدور قانون 26 تموّز 2005 اذعن أصحاب المهن الحرّة للافلاس.
في النهاية و على رغم التشابه والتقارب بين المفهومين، علينا دائمًا التفريق بينهما للاسباب التي ذكرناها أعلاه.
القسم الثّاني: تحقّق عارض التوّقف عن الدفع غير المشروع
لتحقّق عارض التوّقف عن الدفع الافلاسي غير المشروع، يجب أن تتوافر في الدين شروط عدّة. على هذا الاخير أن يكون تجاريًا، أكيدًا، معيّن المقدار ومستحقّ الاداء. فاذا امتنع التاجر عن دفع دين غير تجاري أو غير متنازع فيه نزاعًا جدّيًا أو غير معيّن المقدار أو غير مستحق الاداء، فلا يعود متوّقفًا عن الدفع. ويتحقّق التوّقف عن الدفع أيضًا في حالةٍ ثانية وهي الدفع بوسائل غير مشروعة.
أ - صفات الدين موضوع الدعوى
لتقدير حالة انهيار ائتمان التاجر، نأخذ بعين الاعتبار كلّ ديون التاجر التجارية والمدنية، لكن لتحقّق عارض التوّقف عن الدفع غير المشروع، تشترط المادتان 489 و 461 من القانون التجاري أن يكون الدين الذي عجز التاجر عن دفعه تجاريًا، سواء أكان تجاريًا بطبيعته أم بالتبعية. يجب الاشارة هنا أنّ جميع ديون التاجر تُعتبر تجارية وفقًا للقرينة المنصوص عليها في المادة 8 من قانون التجارة، الاّ اذا أثبت هو العكس.
يستتبع هذا المبدأ الايضاحات التالية، فاقتراض المال مثلاً ليس بحدّ ذاته عملاً تجاريًا الاّ أنّ اقتراض المال من قبل التاجر لتوسيع تجارته يصبح عملاً تجاريًا بالتبعية وينشأ عنه دين تجاري.
لا عبرة بمصدر هذا الدين، فقد يكون ناشئًا عن عقد أو عن فعل ضار أو عن فعل نافع. ولا فرق بين أن يكون الدين التجاري عاديّا او مضمونًا بامتياز او تأمينًا أو رهنًا.
واذا كانت العملية التي نتج عنها الدين غير المسدّد مختلطة، أيّ مدنية بالنسبة الى أحد الفريقين وتجارية بالنسبة الى الآخر، فانّ تطبيق الافلاس يُقدّر حسب طبيعة العمل بالنسبة للمدين وحده. واذا تبدّلت طبيعة الدين في أثناء وجوده بنتيجة تجديد، فانّه يجب أن يُقدّر تطبيق الافلاس بالنظر الى صفة الدين يوم عدم الدفع. وبحسب الفقيه اميل تيّان لا يمكن التفريق بين صفة المدين اذا كان تاجرًا أم لا وبين صفة الدين. لذلك الدين التجاري غير المدفوع من قبل غير تاجر، لا يشكّل دينًا منشئًا لحالة التوّقف عن الدفع الافلاسية. أمّا على العكس اذا كان الدين تجاريًا وغير مدفوع من تاجر، هو منشىء لحالة التوّقف عن الدفع الافلاسية حتّى ولو فقد التاجر بعدئذٍ صفته التجارية.
على صعيدٍ آخر اعتبر الفقه والقضاء أنّ حصر تحقّق عارض التوّقف عن الدفع غير المشروع بالديون التجارية فقط أصبح غير جائز وغير منطقي. فحصل تطوّر واضح، فاذا توّقف التاجر عن دفع ديون مدنيّة وتراكمت تلك الديون وتطبيقًا لمبدأ وحدة الذمّة المالية يمكن الاخذ بعين الاعتبار بهذه الديون المدنية لتحقّق حالة التوّقف عن الدفع اذا كان المدين أيضًا متوّقفًا عن دفع ديونه التجارية. فتوّقف التاجر عن تسديد ديونه المدنيّة هنا قد يشكّل دليلاً اضافيًا على تدهور أحواله. ويضيف اميل تيّان:
“Une dette civile peut être reçue si la preuve est faite de l’existence d’une dette commerciale échue et non payée, il y a dans ce cas un passif commercial en souffrance”.
وفي السياق نفسه يضيف الفقيهان فابيا وصفا:
“Le commerçant n’encourt pas la faillite à raison du non paiement de dettes civiles, telles que fourniture de ménage, loyer d’appartement, emprunt pour l’achat d’un bien de plaisance, etc…, s’il n’est pas aussi en état de cessation des paiements de ses dettes commerciales”.
بالاضافة الى ذلك واذا أُشهر افلاس التاجر لتوّقفه عن دفع ديونه التجارية، فانّ الديون المدنية تدخل في الاعتبار عند تحديد تاريخ التوّقف عن الدفع. كما أنّ للدائنين جميعّا سواء أكانت ديونهم تجارية أم مدنية، حقّ التقدّم في التفليسة والاشتراك في قسمة الغرماء. أمّا عن الديون المترتّبة عن اشتراكات الضمان الاجتماعي فنتساءل هنا هل هي مدنية ام تجارية. فحصل التباس لدى القضاء فجاءت خمسة قرارات عن محكمة التمييز في فرنسا في 27 أيّار 1957 لتُشير الى أنّ الديون المترّتبة عن عدم دفع تلك الاشتراكات هي تجارية بغضّ النظر عن اذا كانت اشتراكات صاحب العمل أو العمّال. فاستند القضاء الى ذريعة أنّ تلك الديون مترتّبة بمعرض العمل فباستطاعة صاحب العمل السيّئ النيّة تاخير دفع الاشتراكات كي يتهرّب من الافلاس وبذلك تنهار المساواة بين التجّار. لا توجد اجتهادات في لبنان لسوء الحظّ حتّى الآن عن صفة تلك الديون.
وفي النهاية يجب الاشارة الى أنّه يمكن أن يُقرّر الافلاس بالنسبة لشركات التوصية بالاسهم ذات الموضوع المدني حتّى في حالة توّقفها عن دفع ديونها المدنية، وذلك نظرًا لضخامة الخطر الذي يُحدق بحقوق الدائنين في مثل هذا النوع من الشركات.
أمّا في فرنسا وحسب المادة الرابعة من قانون 1985 كلّ الديون التجارية وغير التجارية يمكن أن تكون سببًا للتوّقف عن الدفع بالمعنى الافلاسي.
لا يكفي فقط لاعتبار التاجر متوّقفًا عن الدفع أن يكون الدين تجاريًا، بل يجب توافر شرط ثاني وهو أن يكون الدين اكيدًا. فالدين المحتمل كالدين المعلّق على أمل أو شرط لا يُؤخذ بعين الاعتبار. فبحسب قرار عن محكمة التمييز اللبنانية في 27 نيسان 1995 يجب أن يكون الدين أكيدًا بالنسبة الى صحتّه، مقداره، استحقاقه، توّجهه وطريقة ايفائه.
ويجب أن يكون الدين غير منازع فيه فلا يُعتدّ بالدين المنازع في وجوده أو في مقداره أو في شروط ايفائه الاّ اذا كانت المنازعة تبدو لأوّل وهلة جديّة و لا يُقصد منها المماطلة (تمييز لبناني 26 كانون الثاني 1968، مجموعة باز، ج15، ص85). فاذا وجد القاضي أنّ هناك نزاع جدّي على الدين ليس له صفة للبتّ بالنزاع المتعلّق بهذا الدين فيجب أن يفصل النزاع قاضي آخر صاحب اختصاص. أمّا الدين المنازع بجزءٍ منه يمكن الاخذ به لشهر الافلاس.
ويجب أن يكون الدين معيّن المقدار أيّ مبلغًا من المال فعدم القيام بالتزام ما كتسليم بضاعة أو تنفيذ عمل معيّن لا يُعتدّ به الاّ اذا كان محدّداً بتعويض مالي. فهذا الشرط ضروري على رغم بعض الآراء الفقهية القديمة المعاكسة مثل رأي دو لامار في فرنسا. فبحسب الاجتهاد (محكمة استئناف بيروت، 15 تموز 1956، النشرة القضائية 1955، ص664) لا يمكن شهر افلاس شركة تأمين لعدم دفعها تعويضًا لأنّ مقدار هذا التعويض ليس محدّدًا بعد.
وأخيرًا يجب أن يكون الدين مستحقّ الاداء فبحسب المادة 2 من قانون الموجبات والعقود الموجب المدني هو الذي يستطيع الدائن أن يوجب تنفيذه على المدين. فلا يُؤخذ بعين الاعتبار الدين الناشئ عن التزام طبيعي وكذلك الدين المعلّق على أجل لم يُحلّ بعد، والدين المعلّق على شرط لم يتحقّق.
فالدين المستحق الاداء اذًا هو الدين القابل للتنفيذ لكن يمكن شهر الافلاس حتّى ولو لم يكن الدين ملحوظًا في سند تنفيذي. هذا الحلّ منطقي في لبنان لأنّ الدائن يمكنه التنفيذ بالاستناد الى سند ذي توقيع خاص. أمّا عن الدين الناشئ عن قرار تحكيمي وغير متمتّع بالصيغة التنفيذية في لبنان يُعتبر مستحقًا (محكمة الاستئناف المختلطة في بيروت، 19 تشرين الاول 1934). ويُضيف اميل تيّان :
“La faillite peut quand même être declarée dans le cas ou en dehors de la dette non exigible objet de l’action en faillite, il existe des dettes exigibles en souffrance”.
وفي النهاية لا يجوز للشريك حال قيام الشركة أن يطلب شهر افلاس شريكه، لأنّ الارباح والخسائر لا تتحدّد بصفة نهائية ولا يصبح ما في ذمّة الشريك دينًا مستحقّ الاداء يجوز شهر الافلاس بمقتضاه الاّ بعد انتهاء الشركة بينهما وتصفيتها.
ب - الدفع بوسائل غير مشروعة
ورد في ذيل المادة 489 من القانون التجاري أنّ التاجر الذي لا يدعم الثقة المالية به الاّ بوسائل يظهر بجلاء أنّها غير مشروعة يتعرّض للافلاس و يُعتبر متوّقفًا عن الدفع. فالتاجر هنا يستمرّ في تسديد ديونه في استحقاقاتها فهو لا يتوّقف ظاهريًا عن الدفع ولكنّه يدفع بوسائل غير مشروعة ومرهقة. فاعتبار أنّ الايفاء بطرق غير مشروعة هو عدم دفع فعلي يُفسّر بالاستناد الى المبدأ أنّ الغشّ يُفسد كلّ شيء.
La fraude corrompt tout, fraus omnia corrumpit
تلك الوسائل بحسب القانون منطوية على الغشّ والتدليس بقصد اخفاء مركز التاجر المالي الحقيقي واطالة حياته التجارية المضطربة. فيقول الفقيه ليسكو أنّ الدفع بأساليب غير شرعية لا يُعتبر ايفاءًا.
Payer grâce à des moyens frauduleux, ce n’est pas payer.
الى ذلك، ورد في قرار(محكمة بداية بيروت، 3 آذار 1998) بعض الامثلة على تلك الوسائل المشبوهة البعيدة كلّ البعد عن الاصول التجارية القويمة كأن يلجأ التاجر الى استعمال سندات الاعارة أو المجاملة، أو أن يستحصل على النقود اللازمة لقاء فوائد فاحشة تزيد في تدهور أحواله، أو أن يتدّبر بعض المال بفضل منافع خاصة يرتضيها لبعض دائنيه على حساب سواهم، أو أن يبيع البضائع بأقلّ من سعر الشراء. فالمادة 633 من قانون التجارة تعتبر التاجر مفلسًا مقصّرًا اذا اشترى البضائع لبيعها بأقلّ من الثمن العادي. وفي مطلق الاحوال فانّ للمحكمة حقّ تقدير تلك الوقائع التي يمكن اعتبارها توّقفًا عن الدفع. هذا التقدير خاضع لرقابة محكمة التمييز لكونه وصفًا قانونيًا للوقائع (محكمة التمييز، 13 نيسان 1969، باز ج 17، ص106).
يضيف فابيا وصفا أنّ الافلاس لا يُشهر الاّ بالتوّقف الفعلي عن الدفع، لكن بانتظار حصول هذا التوّقف المادي يكون التاجر قد استعان بوسائل مرهقة لتأجيل هذا التوّقف فلتحديد تاريخ التوّقف عن الدفع الافلاسي يُستعان بتاريخ نهار أوّل دفع بطريقة غير شرعية.
وفي سياقٍ آخر شدّد المشترع على ضرورة أن تظهر الوسائل غير المشروعة بجلاء. فنتساءل هنا عن معنى اصطلاح “بجلاء”. هل تعني أن ّ الوسائل المرهقة يجب أن تكون مشهورة ومعلنة أيّ أنّ الوسائل غير الشرعية التي بقيت مستترة لا تؤخذ بعين الاعتبار؟ بحسب اميل تيّان هذا غير جائز ففرّق تيّان بين عبارتين في الفرنسية:
Moyens manifestement illicites et moyens illicites manifestes.
و برأيه أنّ ما قصده المشترع هو أن تكون عدم الشرعية أكيدة ومثّبتة ببراهين.
مضمون المادة 489 تجاري يُظهر فارقًا مع القانون الفرنسي فيتردّد الاجتهاد في فرنسا في اعتبار الدفع بوسائل غير مشروعة بمثابة عدم الدفع المادي.
وعلى صعيدٍ آخر قد يُثبّت التوّقف عن الدفع من وقائع مادية تُثبّت بالمعاينة أو البيّنة كاغلاق التاجر لمحلّه هربًا من المطالبة بالديون. هنا التاجر المدين لا يدفع بوسائل مرهقة بل أفعاله تدلّ على أنّه يتهرّب من الدفع ويُخفي انهياره. فقد سمّى اميل تيّان تلك الحالة بعدم الدفع المفترض.
Cas de défaut de paiement présumé.
و أخيرًا أثارت المادة 492 من القانون التجاري هذه المسألة وأشارت أنّ هناك حالات طارئة يمكن للدائن طلب شهر افلاس المدين كاغلاق هذا الاخير لمتجره وهربه وتواريه عن الانظار أو اخفائه لقسمٍ من موجوداته.
* محرر اول في قسم “انظمة وقوانين” بموقع nufooz


