“تعريف السلام والتوافق الدولي”
21 يونيو 2008صدر عن شركة “رياض الريس للكتب والنشر” - بيروت، بالتعاون مع مؤسسة “مصباح الحرية” التابعة لـ”معهد كيتو” بواشنطن، مجموعة كتب تحت عنوان “مفاهيم الليبرتارية وروادها”.
تتضمن المجموعة سبعة أجزاء ننشرها تباعاً، وفي ما يلي مقدمة الكتاب الثالث من السلسلة وهو بعنوان “تعريف السلام والتوافق الدولي”.
“رأى الليبراليون الكلاسيكيون أن الحرب هي البلاء الأكبر الذي يمكن لسلطة الدولة أن تجعله يحيق بالمجتمع. الأنسانيون، شأنُهم شأن المسيحيين، وآخرون كثيرون أبدوا اشمئزازهم من المذابح الجماعية التي تتصف بها الحروب. لكن الليبراليين أضافوا شيئاً آخر إلى الحجج التي ساقوها ضد الحرب كما يتبين من مقال لودفيغ فون ميزس في هذا الجزء من السلسلة. الليبراليون أدركوا أن الحرب تمزق الأشكال السليمة من التعاون: العائلات، علاقات الأعمال، والمجتمع المدني. وأنها كذلك تلحق دماراً بمجمل عملية التعاون الاجتماعي والتخطيط بعيد المدى. تبعاً لذلك، فقد كان أحد الأهداف الرئيسية لليبرالية هو منع الملوك من تعريض رعاياهم للأخطار في حروب لا ضرورة لها. وقد أكد آدم سميث أنه ليس هناك الكثير مما يلزم لإيجاد مجتمع ينعم بالسعادة والرخاء أكثر من “سلام وضرائب سهلة وإدارةٍ مقبولة للعدالة”.
كذلك أدرك الليبراليون أيضاً أن الحرب توجد حكومات كبيرة، فقد وفرت الحرب عبر التاريخ مبررات للحكومات للاستحواذ على المال والسلطة ووضع المجتمع تحت تنظيم صارم. وقد كتب توماس باين قائلاً بأن بوسع مراقب للحكومة البريطانية أن يتوصل إلى الاستنتاج بأن “الضرائب لم تكن تجبى من أجل الحرب بل كانت الحروب تشن لجباية الضرائب”. أي أنه يبدو أن الحكومة الإنكليزية والحكومات الأوروبية الأخرى كانوا يشتبكون في معارك من أجل “سلب مواطني بلادهم عن طريق الضرائب”. وكتب راندولف بورن وهو ليبراليٌّ عاش في أوائل القرن العشرين، كتب ببساطة “أن الحرب هي صحة الدولة”؛ إنها الوسيلة الوحيدة لتكوين غريزة القطيع في مجتمع حر والطريقة الأفضل لتوسيع سلطات الحكومة. الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأميركية، الذين أسعدهم تحررهم من حروب أوروبية لا نهاية لها، وضعوا لحكومتهم الجديدة مبادئ أساسية للسلم والحيادية. الأميركيون رأوا في المحيط الأطلسي الشاسع حماية كبرى لهم من المكائد الأوروبية. وقرر الكونغرس القاري في بيان له عام 1783 أن “المصالح الحقيقية للولايات تقتضي بأنه ينبغي ألا تكون لهم سوى أقل صلة ممكنة مع سياسات الشعوب الأوروبية ونزاعتها”. وكتب جورج واشنطن إلى صديق فرنسي له عام 1788 “إننا ونحن مفصولون بهذا العالم الواسع من المياه عن الشعوب الأخرى، فلا بد لنا إذا توخينا الحكمة من تجنب الانزلاق إلى متاهات سياسات تلك الشعوب والانخراط في حروبهم المدمرة”. وفي خطابه الوداعي، أبلغ واشنطن الأمة أن “قاعدة السلوك الكبرى بالنسبة لنا، في ما يتعلق بالشعوب الأخرى، هي أ، تكون علاقتنا التجارية معهم ذات أقلّ صلة سياسية ممكنة”.
ووصف توماس جيفرسون السياسة الأميركية الخارجية في خطاب تنصيبه الرئاسي بأنها “السلامُ والتجارة والصداقة المخلصة مع جميع الشعوب - دون الدخول في تحالفات مع أحد”.
أما جون كوينسي آدامز، الذي كان ابناً لأحد المؤسسين البارزين، والذي أصبح هو نفسه في المستقبل أحد رؤساء الولايات المتحدة، فقد عبر عن وجهة النظر الأميركية في السياسة الخارجية في خطاب له أثناء الاحتفال بذكرى الرابع من تموز (يوليو) عام 1821 عندما كان يشغل منصب وزير خارجية الرئيس جيمس مونرو:
“حيثما يكونُ مستوى الحرية والاستقلال أو سيكون، سيكونُ هناك قلب أميركا وبركتها وصلواتها. لكنها لن تذهب للخارج بحثاً عن وحوش لقتلها. إنها الداعيةُ بالخير لحرية واستقلالها جميع الشعوب، والبطلةُ والمدافعةُ عن حريتها واستقلالها هي نفسها… إنها تعلم جيداً أنها ما إن تنضوي تحت راياتٍ أخرى غير رايتها، حتى لو كانت رايات استقلالٍ خارجي، فإنها ستورط نفسها في ما هو أبعد من قوة التحرير، لتدخل في حروب المصالح، والمكائد، والأطماع الفردية، والحسد، والطموحات التي تتلون بالحرية وتغتصب معايير الحرية. وستتحول شعاراتها الأساسية لسياساتها من الحرية إلى القوة… قد تصبح المهيمنة على شؤون العالم، لكنها لن تكون بعد ذلك المالكة لروحها!”.
الليبراليون الأوروبيون حسدوا الجمهورية الأميركية المسالمة وجعلوا السلام والتجارة الحرة مبادئ رئيسية لهم. وأشار الليبراليون الإنكليز والفرنسيون في القرن التاسع عشر استناداً إلى تحليلات ديفيد هيوم وآدم سميث إلى أن البلدان تستفيد من ازدهار جيرانها الذين لديهم ما هو أفضل في مجال التجارة. وأكدوا أنه “إذا لم تعبر السلع الحدود، فإن الجيوش ستعبر”. وقد عمل كل من ريتشارد كوبدين وجون برايت وعددٌ آخر من التجار الإنكليز الأحرار - الذين كانوا يُعرفون غالباً بأحرار مدرسة مانشستر - عملوا أولاً على إبطال قوانين الذُّرة التي جعلت أسعار الخبز مرتفعة في بريطانيا ثم على إبقاء إنكلترا بعيداً عن الدخول في حروب لا ضرورة لها. وقام نظراؤهم في القارة بجهود مماثلة.”
قبل الثورات الليبرالية في أوروبا، لم يكن الملوك والأمراء يرون حاجة لتبرير حروبهم. كان من المسلّم به أن الملوك يقودون رعاياهم في حروب من أجل أمجادهم الشخصية أو الفخر الوطني. وبعد الانتصارات السريعة لليبرالية لم تتوقف الحروب، غير أنه أصبح يتعين على الحكام أن يقدموا على الأقل تبريراً للذهاب إلى الحرب. وبعد أن انتهت الحروب النابوليونية عام 1815، استمتع الليبراليون الأوروبيون بقرن لم تقع فيه حربٌ قاريةٌ عامة، مع أن السلم كان يُخرق في حروبٍ مثل تلك كانت تنشب من أجل وحدة وطنية ومثل حرب كريميا في أوكرانيا.
إلا أن الليبرالية أخذت بالانحسار في نهاية القرن التاسع عشر في وجه الحركات الوطنية والاشتراكية. وقد تفجع ليبراليون مثل إي.إل. غودكن المحرر المؤسس لصحيفة (ذي نيشن) بالقول بأنه سيكون هناك “نزاعاتٌ وطنية على نطاق هائل” قبل أن تعود الليبرالية للصعود مرة أخرى. وقد كانت نبوءته المرعبة صادقة بأكثر مما كان يمكنه أن يتصور.
لم تؤد حروب القرن العشرين فقط إلى الموت والدمار على نطاق غير مسبوق، بل إلى زيادة هائلة في أنواع مختلفة من تركيز السلطة في يد الدول. وساعد تدمير المجتمع المدني في روسيا وأوروبا الوسطى والصين في فتح الطريق لانتصارات شيوعية؛ وخلّفت الشروط القاسية التي تم فرضها على ألمانيا المهزومة عام 1918 مقرونة بأعباء دولة الرعاية الاجتماعية، ظروفاً لنشوء الاشتراكية الوطنية بزعامة أدولف هتلر. حتى في الدول الديموقراطية، فإن الحرب قد أحدثت تغيراً في العلاقة بين الفرد والدولة. خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، تولت حكومة الولايات المتحدة (مثل الحكومات الأوروبية) سلطات لم يكن في إمكانها الحصول عليها في أوقات السلم، سلطات مثل ضبط الأجور والأسعار، وتقنين المؤن، والقيود على الصحافة، والسيطرة المباشرة على العمالة والإنتاج، ومعدلات ضرائب فلكية، وتمت بسرعة إزالة القيود عن السلطة الفيدرالية.
الدرس الذي استخلصهه الليبرتاريون من التجربة هو أن الحرب، في أحسن أحوالها، كانت الثمن الفظيع الذي ينبغي دفعه من أجل الحرية، وأنه ينبغي تجنبها كلما كان ذلك ممكناً.
وكما تشير المقالات الأخيرة في هذا الجزء، فمن المهم بشكل خاص تجنب الحروب في العصر النووي. الليبرتاريون الأميركيون يحاججون بأن سياسة “للاستقلال الاستراتيجي من شأنها الحفاظ على سلامة المواطنين الأميركيين من التهديدات الخارجية وتجنب توريط الولايات المتحدة في مهمة العمل شرطياً للعالم التي لا جدوى منها”.”


