الطقس

“النظام التلقائي”

13 يونيو 2008

صدر عن شركة “رياض الريس للكتب والنشر” - بيروت، بالتعاون مع مؤسسة “مصباح الحرية” التابعة لـ”معهد كيتو” بواشنطن، مجموعة كتب تحت عنوان “مفاهيم الليبرتارية وروادها”.
تتضمن المجموعة سبعة أجزاء ننشرها تباعاً، وفي ما يلي مقدمة الكتاب الاول بعنوان “النظام التلقائي”:

“تكمن الرؤية المتعمقة للتحليل الاجتماعي الليبرتاري في مفهوم النظام التلقائي، ويرى المؤرخ رالف رايكو أن الليبرتارية الحقيقية تتحدد بالاعتقاد بأن “المجتمع المدني - أي مجمل النظام الاجتماعي القائم على الملكية الخاصة - يدير بشكل عام نفسه بنفسه”.

أعتقادٌ كهذا يخالف إلى حد ما البدهية الغريزية. فنحن، كما يقول فريديريك هايك ومايكل بولاني في بحثيهما في مجموعة المقالات التالية، عندما نرى عمليةً منظمة نفترضُ بطبيعة الحال أن أحداً قد صممها أو خططها. ويقول هايك بأننا نفشل في التمييز بين نوعين من النظام: النظام “المصنوع” أو المخطط مثل الشركات التجارية أو المنظمات المحدودة الأخرى، والنظام “المُنمّى” أو التلقائي مثل مجمل النظام الاجتماعي أو عمليات السوق. من المهم جداً تبيّن هذا التمايز لأن هذين النوعين من النظام مختلفان للغاية. ويلفت الانتباه أن النظام المصنوع مصممٌ لغرض معين، فيما النظام المُنمى يعكس الأغراض المختلفة، والمتنافسة غالباً، لأفراد ومنظمات عديدة.

كثير من الفلاسفة العظام فشلوا في إدراك وجود النظام التلقائي. فإمانويل كانت، على سبيل المثال، ورغم دفاعه عن الحقوق الفردية، كان يعتقد بأنه لا يمكن للسلام والنظام أن يتواجدا دون إكراه. وكارل ماركس لم يكن للسلام والنظام أن يتواجدا دون إكراه. وكارل ماركس لم يكن يستطيع أن يرى سوى “فوضى الأنتاج الرأسمالي” وليس الرخاء الهائل الناتج من النظام غير المخطَّط الذي كان آدم سميث قد سماه قبل خمسة وسبعين عاماً “النظام البسيط للحرية الطبيعية”. أما لودفيغ فون ميزس فقد قال بعد قرن من ذلك الوقت في ردٍّ وتنفيذٍ لآراء ماركس بأن “الإنتاج فوضوي”… وأن تلك العملية التنافسية وغير المخططة هي بالذات التي تنتج النمو الاقتصادي. النظامُ الطبيعي ليس هو فقط السوق، فالمفكرون الليبرتاريون يشيرون إلى القانون، واللغة، والعادات، والنقود باعتبارها مؤسسات تطورت دون توجيه مركزي - وكما يقول آدم فيرغسون، المفكر الاسكتلندي المعاصر لآدم سميث، فقد كانت “نتيجةً لعمل بشري لكنها لم تكن نتيجة لأي تخطيط بشري”، وقد طرح كارل مينغر أحد أهم الأسئلة في علم الاجتماع: “كيف يمكن أن تظهر إلى حيز الوجود مؤسسات في غاية الأهمية لخدمة وتطوير الصالح العام دون إرادة مشتركة مكرسة لإيجاد مؤسسات كهذه؟”. هذا السؤال أثار اهتمام آدم سميث، وتوماس باين، وهربرت سبنسر، وفريديريك هايك.

الفيزيوقراطيون الفرنسيون عبروا في القرن الثامن عشر عن مفهوم النظام التلقائي من خلال شعارهم الشهير “دعونا نعمل، دعونا وحدنا، العالم يدير نفسه بنفسه”. وأكد آدم سميث أنه:

“ليس هناك الكثير مما يلزم للوصول بدولة ما من أدنى مستويات البربرية إلى درجة عالية من الثراء، أكثر من السلام والضرائب اليسيرة وإدارة متسامحةٍ للعدالة؛ وكل ما عدا ذلك سينشأ في السياق الطبيعي لتطور الأشياء. وكل الحكومات التي تقاوم هذا المجرى الطبيعي أو تفرض توجيه الأشياء في مجرى آخر، أو تحاول وقف تقدم المجتمع عند نقطة معينة، إنما هي حكومات غير طبيعية، ويتعين عليها للإبقاء على وجودها أن تصبح قمعية ومستبدة”.

ويمكن العثور على مفهوم التوافق الطبيعي في العالم في الفلسفة الشرقية أيضاً، وربما كانت أفكار لاوتسو التي نورد مقتطفات منها في هذه المختارات تحت عنوان (تاو تي تشينغ) هي من الأمثلة التقليدية على ذلك. والفكرة موجودة في كل أعمال آدم سميث، ونحن نورد هنا وصفه الشهير لما سماه “رجل النظام” الذي يعامل الأفراد باعتبارهم قطعاً على رقعة شطرنج يمكن تحريكها إرادياً، وهو جزءٌ مقتطف من كتابه “نظرية الشعور الأخلاقي” أما توماس باين، فإن أحد إسهاماته النظرية الهامة في الليبرتارية كان الدمج بين نظرية للعدالة - الحقوق الطبيعية - والنظرية الاجتماعية بشأن النظام التلقائي.

فريديريك هايك كان المُنَظِّر الكبير في القرن العشرين للنظام التلقائي، وقد استكشف تفاصيل هذا الموضوع في كتب عديدة من بينها (دستور الحرية)، (النظام الحسي)، (الثورة المضادة للعلم)، (الوهم القاتل)، (القانون والتشريع والحرية)، ومقالات في مجموعات عديدة. ونورد هنا بحثه حول الطريقة الفضلى التي يستطيع بها المجتمع أن ينسق المعرفة غير المركزية الموجودة لدى الناس لتحقيق أعلى مستوى من الإنتاج الاقتصادي. وفي مقال لاحق، يبادر هايك إلى إنقاذ مفهوم النظام من المستبدين الذين كانوا يصرون على أن النظام يقوم على “الأمر والطاعة”، ويلاحظ أننا نخطئ غالباً بمحاولتنا تطبيق القواعد الملائمة لمجموعة صغيرة، مثل عائلة أو قرية، على مجتمع كبير: “إذا طبقنا، دون تعديل أو تحديد، القواعد المعمول بها في الكيانات الصغيرة (أي المجموعات الصغيرة أو لنقل عائلاتنا) على كياناتٍ كبيرة (أو حضارات أوسع) كما تميل غرائزنا وعواطفنا غالباً لذلك، فإننا سندمر هذه الكيانات. لكننا أيضاً

إذا طبقنا دائماً قواعد النظام الموسع على تجمعاتنا الصغيرة، فإننا سنسحق هذه التجمعات”. معنى هذا أنه لا يجدر بنا، على سبيل المثال، أن نعمل ضمن محيط عائلاتنا بموجب القواعد العامة لحقوق الملكية والتبادل الحر. لكن إذا سعينا للتوسع في تطبيق قواعد العائلة - الحب المتبادل والاستحقاقات الأخلاقية - لتشمل المجتمع بكامله، فإننا سننسحق في غمار نزاعات اجتماعية دائمة وسنُدمر النظام الذي ينتج سلعاً وخدمات. ويبحث مايكل بولاني أيضاً، وهو صديق لهايك ومعاصر له، في الأنظمة التلقائية والمخطَّطة من وجهة نظر عالِم.

المقال الأخير في هذا الكتاب ينتمي إلى (علم التبيؤ: حتمية الرأسمالية) لمايكل روثتشايلد الذي يستكشف التناظر المدهش بين التطور والأنظمة البيئية والعمليات الاقتصادية، وهي ذات علاقات قديمة فيما بينها، وفي ذلك، يقول عالم الأحفوريات والمؤرخ العلمي ستيفن جاي غولد بأن: “نظرية الاختيار الطبيعي هي نقلٌ مبدع إلى علم الأحياء لنظرية آدم سميث الأساسية حول الاقتصاد المعقول: التوازن والنظام في الطبيعة لا يتأتيان من سيطرةٍ عليا خارجية (مقدسة)، أو من وجود قوانين عامة تطبق على الجميع، بل من الصراع بين الأفراد لتحقيق منافعهم الخاصة”.

الفكرة التي تسري في هذه المقالات هي ذات شقين: أن العمليات غير المخطَّطة والقائمة على التنافس يمكن أن تنتج نظاماً دون توجيه مركزي، وأن محاولة الدولة لفرض نظام أو تغيير نتائج العمليات التلقائية ستؤدي، على الأغلب، لانعدام التنسيق والفقر والنزاعات الاجتماعية.”