الطقس

“التشكيك في السلطة”

26 يونيو 2008

صدر عن شركة “رياض الريس للكتب والنشر” - بيروت، بالتعاون مع مؤسسة “مصباح الحرية” التابعة لـ”معهد كيتو” في واشنطن، مجموعة كتب تحت عنوان “مفاهيم الليبرتارية وروادها”.
تتضمن المجموعة سبعة أجزاء ننشرها تباعاً، وفي ما يلي مقدمة الكتاب الخامس من السلسلة وهو بعنوان “التشكيك في السلطة”:

المبدأ الأول للمحلل الاجتماعي الليبرتاري هو القلق بشأن تركيز السلطة. ولعل أحد المأثورات في الفكر الليبرتاري هو قول اللورد آكتون “السلطة تنحو إلى الإفساد, والسلطة المطلقة تفسد بصورة مطلقة”. ذلك القلق, كما يتبين من أولى هذه المختارات, له تاريخ طويل. تحذير الله لشعب إسرائيل من “السبل التي يستخدمها الملك الذي سيحكمكم” ذكر اليهود المسيحيين لعدة قرون أن الدولة كانت في أحسن الأحوال شراً لا بد منه.

يتسم تاريخ الغرب بمراكز متنافسة للسلطة. قد نرى ذلك مفروغاً منه, لكنه لم يكن صحيحاً في كل مكان. في معظم أنحاء العالم كانت الكنيسة متحدة مع الدولة دون إبقاء مجال يذكر لتطوير مراكز سلطة مستقلة. ويمكن تقصي بدايات تقسيم في الغرب إلى رد المسيح عليه السلام على الفريسين: “أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله”. وقد أوضح بذلك أن شؤون الحياة جميعاً ليست تحت سيطرة الدولة. هذه الفكرة الراديكالية ترسخت في المسيحية الغربية.

ويقول المؤرخ رالف رايكو بأن “جوهر التجربة الأوروبية الفريدة هو أن حضارة قد تطورت شعرت بذاتها أنها تامة - المسيحية - ومع ذلك فقد تم تفكيك مركزيتها بطريقة راديكالية. بسقوط روما, تحولت القارة إلى خريطة فسيفسائية من المقاطعات والكيانات السياسية المنفصلة والمتنافسة التي استبعدت الانقسامات الداخلية فيها هي نفسها قيام سلطات مركزية”. الكنيسة المستقلة كبحت سلطة الدول, تماماً كما منع الملوك تركز السلطة في يد الكنيسة. وفي المدن الحرة الدستورية في القرون الوسطى طور الناس مؤسسات للحكم الذاتي ووفرت المدن مجالاً لازدهار التجارة.

حتى القانون, الذي ينظر إليه اليوم باعتباره منتجاً موحداً للحكومة, له تاريخ تعددي. فكما كتب هارولد بيرمان في (القانون والثورة): “ربما كان أهم الملامح المميزة للتقاليد القانونية الغربية هو التعايش والتنافس ضمن المنطقة المجتمعية في سلطات قضائية متعددة وأنظمة قانونية متعددة, التعددية القانونية الناشئة عن التفريق بين السياسة العلمانية. القانون العلماني نفسه كان منقسماً إلى أنواع متنافسة عديدة,

بما في ذلك القانون الملكي, والقانون الاقطاعي, والقانون الريفي, والقانون الحضري, والقانون التجاري. قد يخضع الشخص ذاته لمحكمة كنيسة في نوع معين من القضايا, ولمحكمة الملك في نوع آخر, ولمحكمة الاقطاعي في نوع ثالث, وللمحكمة الريفية في نوع رابع, ومحكمة مدنية في نوع خامس, ومحكمة تجارية في نوع سادس”. الأهم من ذلك أنه كان لدى الأفراد على الأقل درجة من حرية الاختيار بين المحاكم مما شجع جميع الأنظمة القانونية على تطبيق قوانين جيدة.

طور الغرب من خلال كل هذه الطرق شكوكاً عميقة في تركيز السلطة, وعندما بدأ الملوك, خصوصاً لويس الرابع عشر في فرنسا وملوك آل ستيوارت في بريطانيا, بالمطالبة بمزيد من السلطة أكثر مما كان لديهم تقليدياً قاوم الاوروبيون ذلك. وأثبتت مؤسسات المجتمع المدني والحكومات الذاتية في إنكلترا أنها أقوى من مثيلاتها في القارة الأوروبية, وآلت محاولة الستيوارتيين لفرض ملكية مطلقة إلى نتائج مخزية وقطع رأس تشارلز الأول عام 1649.

برزت الأفكار الليبرالية الحديثة رداً على الحكم المطلق في محاولة لحماية الحرية من دولة متغطرسة. وفي إنكلترا خاصة طور المساواتيون, وجون لوك وكتاب المعارضة في القرن الثامن عشر, دفاعاً عن التسامح الديني والملكية الخاصة وحرية الصحافة والأسواق الحرة في العمالة والتجارة.

في المختارات التالية التي يحويها هذا الكتاب يتخذ توماس باين خطوة أخرى في هذه الأفكار المعارضة: الحكومة نفسها في أحسن الأحوال “شر لابد منه”. الملك الأول كان دون شك مجرد “زعيم عصابة مهتاجة”, والملكية الانكليزية نفسها “بدأت بابن زانية فرنسي جاء على رأس عصابات مسلحة”. لم تكن هناك قدسية للسلطة الحاكمة, وبالتالي كان للناس الحق في التمرد على حكومة تجاوزت سلطاتها المشروعة.

وما إن نجحت الثورة الأميريكية, حتى شرع جيمس ماديسون وأميركيون آخرون في القيام بواجب آخر: إقامة حكومة استناداً إلى مبادىء ليبرالية, حكومة تحفظ مصالح المجتمع المدني ولاتتعدى حدودها خارج تلك المهمة الحيوية والبسيطة في نفس الوقت. الحل الذي اقترحه ماديسون هو دستور الولايات المتحدة الذي دافع عنه هو وألكساندر هاميلتون وجون غاي في سلسلة من المقالات في الصحف التي أصبح يطلق عليها (الأوراق الفيدرالية), وهي أهم إسهام أميركي في الفلسفة السياسية. وقد أوضح في (أوراق فيدرالية, العدد 10) كيف يمكن لحكومة محدودة على منطقة جغرافية كبيرة أن تتجنب الوقوع فريسة لتأثيرات الأحزاب وتجاوزات الأغلبيات. إذا كان بالامكان اعتبار ماديسون ورفاقه ليبرتاريين, فإن كثيراً من المعارضين للفيدرالية كانوا ليبرتاريين أكثر تطرفاً إذ كانوا يخشون من أن الدستور لن يحدد بصورة كافية سلطات الحكومة الفيدرالية, وقد أدت جهودهم إلى إضافة وثيقة الحقوق.

بعد أربعين عاماً من المصادقة على الدستور وصل إلى أميركا شا فرنسي يدعى أليكسس دو توكوفيل ليرى على الطبيعة أول بلد ليبرالي في العالم. وأصبحت ملاحظاته التي جمعها تحت عنوان (الديقراطية في أميركا) أحد أهم الأعمال في شرح النظرية السياسية الليبرالية. وقد حذر من أن بلداً يقوم على المساواة السياسية قد يتحول إلى نوع جديد من الاستبدادية, إلى بلد “يغطي سطح المجتمع بشبكة من القوانين الصغيرة المعقدة, والدقيقة والمتسقة” مثثل أم ترعى أطفالها. سيتعين على الأميركيين أن يبقوا يقظين إلى الأبد لحماية حريتهم التي حققوها بشق الأنفس.

وقد شرح جون ستيوارت ميل في أحد أكثر الأعمال أهمية بعنوان (حول الحرية) مبدأه الذي ينص على أن “الغرض الوحيد الذي يمكن فيه ممارسة سلطة حقة على أي فرد في مجتمع متحضر هو حماية الآخرين من الأذى”. (هناك مفكرون ليبرتاريون آخرون يؤكدون أن كلمة أذى مقياس غامض جداً وأن الصيغة الأفضل قد تكون “حماية الحقوق المحددة بوضوح في الحياة والحرية والملكية”). كذلك أكد ميل أن واجب الحكومة ينبغي أن يكون محدوداًَ - حتى لو كانت تؤدي بعض الواجبات بصورة أفضل من المجتمع المدني - وذلك لتجنب “الشرور الكبيرة الناجمة عن زيادة سلطتها”.

في القرن العشرين واصل الليبرتاريون فحص طبيعة السلطة والبحث عن طرق لتحديدها. وقد شجب إتش. إل. مينكين الحكومة بشدة باعتبارها “سلطة معادية” لكن لم يكن لديه أمل كبير في تغيير ذلك. أما إيزابيل باترسون فقد خشيت من أن تؤدي الدوافع الانسانية التي تمارس من خلال وسائل غير صحيحة حتى بعض الناس الطيبين إلى ممارسة السلطة بطرق خطيرة. ومن بين المفكرين الليبرتاريين كان لمواري روثبارد رأي متطرف: وهو أن كل حكومة تمارس الاكراه هي انتهاك غير مشروع للحرية الطبيعية وأن بالامكان توفير كل السلع والخدمات من خلال عمليات اختيارية حرة بصورة أفضل مما يمكن للحكومة أن تفعله. أما ريتشارد أيبستين, فقد تناول قضية السلطة بصورة مختلفة: في ضوء حاجتنا لحكومة تمارس شيئاً من الاكراه لحمايتنا بعضنا من بعض وإتاحة المجال للمجتمع المدني لكي يزدهر, كيف نستطيع تحديد سلطة الحكومة؟ وهو يعرض في المقال المختار له إجابة ذات ثلاث شعب: الفيدرالية, فصل السلطات, وضمانات صارمة لحقوق الفرد.

إن كبح جماح السلطة هو التحدي الكبير لأي نظام سياسي. وقد وضع الليبرتاريون دائماً ذلك التحدي في صميم تحليلاتهم السياسية والاجتماعية.”