الطقس

“الفردية والمجتمع المدني”

30 يونيو 2008

صدر عن شركة “رياض الريس للكتب والنشر” - بيروت، بالتعاون مع مؤسسة “مصباح الحرية” التابعة لـ”معهد كيتو” في واشنطن، مجموعة كتب تحت عنوان “مفاهيم الليبرتارية وروادها”.
تتضمن المجموعة سبعة أجزاء ننشرها تباعاً، وفي ما يلي مقدمة الكتاب السابع “الفردية والمجتمع المدني”:

يبدأ التحليل الاجتماعي الليبرتاري بالفرد. ورغم أن الانسان, خلافاً لأي حيوان, لايستطيع إنجاز شيء يذكر دون التعاون مع الآخرين, فيبقى أن الأفراد هم الذين يؤلفون الشراكات. كل فرد مسؤول عن بقائه وازدهاره, ولا يمكن سوى للأفراد تحمل مسؤولية عواقب تصرفاتهم.

تراث الحضارة الغربية هو التوسع الدائم في جعل مزيد من الناس يشعرون بكرامتهم. وقد سعى المفكرون الليبرتاريون من خلال الصراع من أجل حرية النفس البشرية وإلغاء الرق وتحرير النساء والأقليات وحرية الأعمال إلى تحقيق كرامة الحرية والمسؤولية لكل فرد.

استغرق تطور فكرة قيمة الفرد وقتاً طويلاً حتى اتخذت شكلها الحديث. وقد عرض أفلاطون “كذبة نبيلة” مكونة من أنفس ذهبية وفضية وحديدية واقترح جعل الناس يعتقدون بأن الأنفس الذهبية هي التي ينبغي لها حكم الآخرين. أما أرسطو فقد وضع الكثير من أسس الفكر الحديث - وأكد على أهمية توجيه الانسان لحياته واتخاذ قراراته الخاصة بنفسه لتحقيق سعادته - لكنه أيد الفكرة القائلة بأن بعض الناس “مخلوقون لكي يحكموا”. حتى في العالم القديم كان هناك من رفضوا أفكاراً كهذه. وفي القرن الخامس قبل الميلاد قال ألسيدماس, وهو من أتباع المدرسة السفسطائية الليبرتارية نسبياً: “لقد أعطى الله كل إنسان حريته, والطبيعة لم تجعل من إنسان عبداً”.

تطور مفهوم الفردية في الغرب خلال تأكيد الكنيسة المسيحية على كرامة الفرد وعلاقته الخاصة بالله, وتعزز هذا المفهوم بالأفكار الاصلاحية الروستانتية حول قراءة الناس للكتاب المقدس وفهمه, ومع انتشار الطباعة الذي جعل قراءة الكتاب المقدس ممكنة على نطاق واسع. وفي القرن الثالث عشر حذر البابا إنوسنت الرابع الصليبيين من التعدي على أشخاص غير المؤمنين أو أملاكهم (مثل اليهود والمسلمين) الذين كانوا يتمتعون بأهلية عقلية ولهم حقوق. وفي القرن السادس عشر برز المفكر فرانسيسكو دي فيتوريا بين المفكرين الأكاديميين الاسبان, الذين كانوا ينتمون إلى ما كان يعرف بالمدرسة السالامنكية, وقد أسست أبحاثه في الدين والقانون الطبيعي والاقتصاد للكثير من المواضيع التي نجدها في أعمال آدم سميث والمدرسة النمساوية. ومن موقعه في جامعة سالامنكا شجب دي فيتوريا الاسترقاق الاسباني للهنود في العالم الجديد على أساس الفردية والحقوق الطبيعية:” كل هندي هو انسان وبالتالي قادر على فعل الخير او الشر. كل انسان شخص قائم بذاته وهو سيد جسده وممتلكاته. وطالما أن الهندي إنسان فإن له إرادة حرة, وهو بالتالي سيد تصرفاته… لكل إنسان الحق في حياته الخاصة وسلامته البدنية والعقلية”.

خلال الثورة الانكليزية في القرن السابع عشر, برزت الفردية دفاعاً عن حقوق الرجال الانكليز. وقد أعلن أحد قادة الدعوة إلى المساواة الكولونيل توماس رينبورو في تصريحه الشهير في (مناقشات بوتني) أن: “للفقير في إنكلترا حياة يحق له أن يعشها مثله مثل الغني”. وفيما بعد أكد آدم سميث في “ثروة الأمم” أن الثروة الحقيقية لأمة ما ليست هي الذهب والفضة في خزائن الدولة بل السلع الاستهلاكية المتوفرة لأي فرد على الاطلاق, وأن الثروة ستزيد عند اعطاء حرية التصرف للأفراد في العمل من أجل مصالحهم, لا يقيدهم في ذلك شيء سوى القانون الذي يطبق بالتسلوي على الجميع. ثم تطور المفهوم الحالي للفردية من خلال لوك, وباين, وكانت, وجيفرسون, وفون هومبولدت وميل.

كان أول انتصار واضح لليبرالية هو التحقيق التدريجي للتسامح الديني, والذي تبعته المطالبة الأكثر رادكالية بالفصل التام ين الكنيسة والدولة. وتعد مقالة جون لوك (رسالة حول التسامح)

التي اخترناها في هذا الجزء مناقشة بارعة لوضع ضمير الفرد خارج نطاق سلطة الدولة. وفي بحثه حول كيفية مشاركة الأفراد في مجتمع مدني, يفحص آدم سميث العلاقة بين العدل والإحسان, إذ قال إن الأخير يجعل الحياة أكثر مدعاة للسرور وهو ضروري لمجتمع جيد. لكن يمكن للمجتمع أن يستمر دون أن يعتمد بالضرورة على الإحسان, غير أنه لا يستطيع ذلك دون عدل, وهو يعني بذلك أمن حياة كل إنسان وحريته وأملاكه ضد اعتداء الآخرين عليها. ما دامت حياتنا وأملاكنا آمنة, فإنه بوسعنا التعاون مع الآخرين لتحقيق أهدافنا, وإذا لم يكن الأمر كذلك, فسنجد أنفسنا حقاً في حرب الجميع ضد الجميع.

في القرن الثامن عشر الذي اتسم بالثورات, عندما كان الرجال في إنكلترا وأميركا وفرنسا يطالبون بحقوقهم, أخذ البعض يصر على ضم النساء إلى مجتمع حقوق الأفراد ومسؤولياتهم. كان من بين أولى النساء الكاتبات ماري ولستونكرافت التي سألت زملاءها الليبراليين: “عندما يكافح الرجال من أجل حريتهم… أليس من الغرابة والظلم قمع حرية النساء؟”. توحدت الحركة النسائية وحركة تحرير العبيد في إنكلترا وأميركا ضمن مفهوم عام لليبرالية والحقوق الفردية. وبدأت الشقيقتان ساره وأنجلينا غرامكيه بالتفكير في حقوقهما الخاصة كنساء أثناء الكفاح في سبيل حقوق الأميركيين من أصل أفريقي. وقد أسستا مرافعتهما بوضوح على فكرة أن كل فرد هو كائن مدرك يجب عليه تحمل مسؤولية تصرفاته.

قادة المطالبة بإلغاء العبودية كانوا أيضاً ليبرتاريين ملتزمين: كانوا يتشاركون الالتزام بالحقوق الفردية, وبالملكية الخاصة, وبالأسواق الحرة, وبالحكومة المحدودة. الأفكار المتعلقة الحقوق الطبيعية وحقوق الملكية تدخل في نسيج كل هذه المختارات في هذا الجزء لكتاب مثل وليام لويد غاريسون وفريدريك دوغلاس وويليام إيلليري تشاننغ. أول ما يمتلكه الانسان بالطبع هو ملكيته لنفسه, وهذا هو ما جعل غاريسون في مرافعته نيابة عن المؤتمر الأميركي لمناهضة العبودية يشير إلى مالك العبيد باعتباره “سارق بشر”.

وقد وصف الكاتب الليبرالي الفرنسي بينجامين كونستانت في كلمة هامة له عام 1833 طبيعة الحرية الفردية في العالم الحديث, فقال إننا كثيراً ما نخلط بين معنيين للحرية: حرية المشاركة في الشؤون العامة والحرية الفردية مثل حق العبادة والتجارة والكلام “وأن نأتي وذهب كما يحلو لنا”.

وأوضح كونستانت أن تعريف النوع الأول يعود إلى العالم القديم لكنه لا يناسب العالم التجاري الحديث ذا المجتمع الأوسع حيث الناس مشغولون بملاحقة أعمالهم ومشاريعهم ولا وقت لديهم يقضونه في ساحة المدينة للتحدث في الأمور السياسية.

أما أليكس دو توكوفيل فقد فكر كثيراً بالعلاقة ين الفردية و المجتمع المدني. وأكد أن التشارك بين الناس وسيلة هامة لتحقيق الأهداف الفردية, وقال إنه في المشاركات المدنية “لا تضحية بالارادة أو المنطق, بل إن الارادة والمنطق يستخدمان لتحقيق النجاح للمشروع المشترك”. النقطة المهمة بالنسبة للمنظرين الحديثين للمجتمع المدني هي أن الفردية والمجتمع متسقان لامتعارضان. وأكد جون ستيوارت ميل على أهمية الفروق الفردية وتطوير الفرد لشخصيته باعتبارهما السبب الذي يجعل الناس بحاجة للحرية. حتى من يكتفي منا بتحقيق منفعة من مجتمع اختار فيه الآخرون طرقاً جديدة للعيش, فإن بعض هذه العرض قد يستحق المحاكاة والتقليد.

بل إن الليبرتاريين في القرن العشرين واصلوا الدفاع بقوة عن الفرد ضد السلطة المتزايدة للدولة وضد الفكر الاجتماعي. وتذكر وجهة نظر آين راند القائلة بأن الأفراد “هم المبدعون الحقيقيون لأي أيام قادمة منحت للبشرية” بمقولة جون ستيوارت ميل بأن الأفراد الذين يكتشفون أفكاراً جديدة تستحق المحاكاة أو المنافسة “هم ملح الأرض, وبدونهم تتحول حياة البشر إلى بركة آسنة”. وقد شجبت راند الجماعة باعتبارها “إخضاع الفرد لمجموعة… أو لجنس أو طبقة أو دولة”. كذلك واصل الليبرتاريون التأكيد أيضاً على أن الفردية والحقوق المتساوية في عالم تعددي ليست فقط هي المعيار الأخلاقي للسياسة العامة بل هي أفضل سياسة للتقليل من النزاعات. وشجبت راند العنصرية باعتبارها “أحط شكل من أشكال الجماعية وأكثرها فجاجة وبدائية. إنها تقوم على فكرة إعطاء أهمية سياسية أو اجتماعية أو أخلاقية للسلالة الجينية لشخص ما . . . و هو ما لا يعني عملياً الحكم على الناس فقط من خلال تصرفاتهم أو شخصياتهم, بل من خلال تصرفات وشخصيات مجموعة من الأسلاف”. وشجب موراي روثبارد الفصل الالزامي الذي تجري ممارسته في الجنوب الأميركي, بل إنه غامر بالاستفسار عن السبب في أنه, في الوقت الذي يؤكد فيه الجميع على أهمية عدم العنف في حركة الحقوق المدنية, يكون من المقبول “أن يكون الطغاة من البيض, سواء كانواعلى شكل عصابات كوكلوكس كلان أو الشرطة المسلحة, مسلحين وعنيفين”. وفي الوقت الذي اتخذ فيه اعتداء الحكومة على كرامة الأفراد وحقوقهم أشكالاً جديدة, كتب كلينت بوليك يقول “إذا كان التاريخ الاميركي قد علمنا شيئاً على الاطلاق فقد علمنا أن السلطة المخيفة للدولة في التمييز على أساس خصائص ثابتة مثل العرق أو النوع هي سلطة تقسيمية ومثيرة للفتن . . .

لا ينبغي للحكومة في مجتمع حر أن تكون لها سلطة التمييز بين مواطنيها ولا سلطة حرمناهم من حرياتهم الأساسية”. وذكر دوغ باندوا الليبرتاريين بأن أولئك الذين يرفضون دوراً للحكومة في فرضا القواعد الاخلاقية يتحملون مسؤولية خاصة بوصفهم أعضاء في المجتمع المدني للدفاع بجرأة عن العدالة والفردية. واستكشف تشارلز موراي كيف أن المركزية تدمر المجتمع المدني وتنتج أفراداً محطمين.

الفردية ليست مجرد التزام فلسفي ومطلب سياسي. بالنسبة للمفكرين الليبرتاريين هي أيضاً طريقة لفهم العالم. وقد أشار الاقتصادي المتخصص كارل مينغر إلى مينغر إلى أنه بسبب كوننا أفراداً فإننا نستطيع فهم شيء عن الأفراد والكيفية التي يتصرفون بها, ولذلك فإن المنهج الصحيح للتحليل الاجتماعي هو البحث عن أصل الظواهر المعقدة في خطط الأفراد ونواياهم. ويقول باركارتي. موون, وهو أستاذ في العلاقات الدولية, في كتابه الصادر عام 1926 بعنوان (الامبريالية والسياسة العالمية):

اللغة غالباً ما تخفي الحقيقة. نحن لا ندرك عادة كم هي أعيننا عمياء عن حقائق العلاقات الدولية بسبب خدع كلامية. فعندما يستخدم المرء كلمة “فرنسا” فهو يظن أن فرنسا وحدة أو كيان. وعندما نود تجنب تكرار مربك فإننا نستخدم ضميراً شخصياً للإشارة إلى بلد ما - فعندما نقول, على سبيل المثال, إن “فرنسا أرسلت قواتها لغزو تونس”- فإننا لا ننسب لذلك البلد الوحدة فقط بل الشخصية أيضاً. الكلمات نفسها تخفي الحقائق وتجعل العلاقات الدولة دراما فاتنة تقوم بها بلدان بضيغة أشخاص بتمثيل الأدوار, وننسى بسهولة كبيرة الرجال والنساء الحقيقيين الذين يقومون فعلاً بهذه الأدوار. كم كان سيكون الأمر مختلفاً لو لم تكن لدينا كلمة مثل “فرنسا” وكان علينا القول بدلاً من ذلك - ثمانية وثلاثون مليون رجل وامرأة وطفل ذوي معتقدات ومصالح متنوعة جداً يعيشون في000 218 ميل مربع من الأرض! عند ذلك يصبح من الأدق لنا أن نصف الحملة على تونس بأسلوب مثل:”قام عدد قليل من هؤلاء الثمانية والثلاثين مليون شخص بإرسال ثلاثين ألف جندي آخرين لغزو تونس”. هذه الطريقة في التعبير المباشر عن الواقعة توحي بسؤال, أو بالأحرى سلسة من الأسئلة, من هم “العدد القليل”؟ ولماذا أرسلوا الثلاثين ألفاً إلى تونس؟ ولماذا أطاع هؤلاء؟

بناء الإمبراطوريات لا تقوم به “الشعوب” بل الرجال. والمشكلة التي نواجهها هي اكتشاف الرجال, النشطين, والأقليات الذين لهم مصلحة في كل شعب, والمعنيين مباشرة بالإمبريالية, ثم تحليل الأسباب التي جعلت الأغلبية تدفع التكاليف وتخوض المعارك التي اقتضاها التوسع الامبريالي.

أحد تأثيرات الفردية المنهجية هو توجيه الاسئلة التي قد يفضل البعض إخفاءها, سواء كان الموضوع هو الإمبريالية أو “التخطيط الاقتصادي الوطني” أو “تعزيز القيم العائلية”. الليبرتارية منهجياً وفلسفياً تضع الفرد في وسط المسرح.