الطقس

“الحقوق الفردية”

30 يونيو 2008

صدر عن شركة “رياض الريس للكتب والنشر” - بيروت، بالتعاون مع مؤسسة “مصباح الحرية” التابعة لـ”معهد كيتو” في واشنطن، مجموعة كتب تحت عنوان “مفاهيم الليبرتارية وروادها”.
تتضمن المجموعة سبعة أجزاء ننشرها تباعاً، وفي ما يلي مقدمة الكتاب السادس من السلسلة بعنوان “الحقوق الفردية”:

سرت فكرة الحقوق الفردية طيلة تاريخ الفكر الليبرالي والليبرتاري. بعض الفلاسفة فكروا بأن تلك الحقوق جاءت من الله؛ ولذلك فإن إعلان الاستقلال (الأميركي) ينص على أن البشر “موهوبون من الخالق” بنعمة حقوق ثابتة. هناك آخرون وجدوا مصدر الحقوق في طبيعة الإنسان نفسه - ومن هنا جاءت عبارة حقوق “طبيعية” - أو في الحاجة للتعاون الاجتماعي. لكنهم جميعاً يتفقون على أن هذه الحقوق أساسية، أي أنها ليست ممنوحة من الحكومة.

جزء كبير من الفكر الليبرتاري، خصوصاً دراسة النظام التلقائي وعمليات السوق، هو تحليل إيجابي لعواقب الأفعال. نظرية الحقوق الفردية توفر مكوناً معيارياً لليبرتارية، نظرية عدالة: من غير العدل أن تحرم الناس من حياتهم أو حريتهم أو ملكيتهم. إحدى الخصائص المميزة لليبرتارية في إطار التقليد الليبرالي الأوسع، هي تأكيدها على الملكية الذاتية أو الملكية الخاصة بصفتها أصلاً للحقوق، وهو موضوع يشكل أساساً للمختارات في هذه السلسلة، من أوفرتون إلى دعاة إلغاء العبودية، وسبنسر، وسبونر، وراند، وروثبارد.

تأثر مفهوم الحقوق الأساسية بالمفاهيم اليونانية والعبرية لقانون أسمى يمكن بواسطته الحكم على كل الناس، حتى الملوك، كما تأثر بالتأكيد المسيحي على كرامة روح الفرد.

الفلاسفة السكولاستيون الإسبان الذين كان لأعمالهم تأثير على الليبراليين في شمال أوروبا من خلال المفكر الهولندي هوغو غروتيوس والألماني صموئيل بوفيندورف، أكدوا على الحقوق الطبيعية لكل إنسان في نقدهم لاستبعاد الهنود الحمر في العالم الجديد. وخلال اضطرابات الحرب الأهلية الإنكليزية، بدأ المساواتيون بإعلان برنامج ليبرالي واضح للتسامح الديني، والضرائب المنخفضة، وإلغاء الاحتكارات، والسلام، وحرية الصحافة، وكل ذلك على أساس الحقوق الفردية.

جون لوك قدم الدفاع الحديث الكبير عن الحقوق الفردية، وقال بأنه قد كان للناس حقوق قبل وجود الحكومات - ولهذا نسميها حقوقاً طبيعية، لأنها موجودة في الطبيعة. الناس يؤلفون الحكومة لتحمي حقوقهم، وبوسعهم العيش دون الحكومة، لكن حكومة جيدة التنظيم هي نظام كفؤ لحماية الحقوق. وإذا تجاوزت الحكومة ذلك الدور، فإن للناس الحق في الثورة. الحكومة التمثيلية هي أفضل طريقة لضمان أن تلتزم الحكومة بهدفها الصحيح. وكتَب، في ترديد لصدى تقليدٍ فلسفي قديم “ليست الحكومة حرة في أن تفعل ما تشاء … قانون الطبيعة يقف قاعدةً أبدية لكل البشر، سواء كانوا مشرعين أو غير ذلك”. ورغم أن أفكار لوك خضعت لكثير من النقاش من جانب ليبراليين وآخرين، إلا أنها تشكل الأساس الذي يقوم عليه المجتمع الغربي الحديث: الفردية، حقوق الحرية والملكية، وحكومة تمثيلية لحماية هذه الحقوق.

أحياناً يبرز سؤال بين الليبرتاريين: هل تؤيد احتراماً راسخاً لحقوق الحياة والحرية والملكية إذا كانت تؤدي إلى نتائج مدمرة، أو حتى فقط مخيبة للآمال؟ كثير من الناس يعتقدون أنه يجب تبنّي اختيار كهذا. كثير من المفكرين الأميركيين في خمسينيات القرن العشرين، وما بعدها، كانوا يعتقدون بأن الاقتصاد المخطط في الاتحاد السوفياتي سرعان ما سيتجاوز الاقتصاد الأميركي غير المخطط؛ وقد تناقشوا في ما إذا كان نمو اقتصادي أسرع يستحق فقدان الحرية في التخطيط المركزي. وأشار إيرا ليفن في كتابه المضاد لليوتوبيا بعنوان (هذا اليوم الرائع) إلى أن تدمير الحكومة العالمية التوتاليارية سيؤدي إلى خفض مقلق في الإنتاج الاقتصادي وزيادة في اضطرابات مثل انقطاع التيار الكهربائي وسقوط الطائرات.

لكن السؤال خطأ أصلاً: ليس علينا أن نختار بين احترام الحقوق وتحقيق تقدم اقتصادي. ليس من محض المصادفة أن المجتمع الذي يقوم على حقوق الحياة والحرية والملكية ينتج أيضاً سلاماً اجتماعياً وراخاء مادياً. وكما أظهر لوك وهيوم ومنظّرون آخرون في الحقوق، فإننا بحاجة إلى نظام من الحريات لكي نحقق تعاوناً اجتماعياً لا يستطيع الناس بدونه تحقيق شيئ يذكر. في غياب حقوق ملكية محددة بوضوح، فإننا سنواجه نزاعات دائمة حول من الذي يحق له استخدام مُلكية معينة. اتفاقُنا على حقوق الملكية هو الذي يسمح لنا بالقيام بالأعمال الاجتماعية المعقدة في التعاون والتنسيق التي نحقق عن طريقها أغراضنا.

سيكون شيئاً جميلاً حقاً لو أن الحب أو عمل الخير يمكنهما تحقيق تلك الواجبات دون تأكيد كثير على المصلحة الذاتية والحقوق الفردية، وكثير من خصوم الليبرالية قدموا رؤية جميلة للمجتمع تقوم على شمولية عمل الخير. لكن، كما اشار آدم سميث، “ففي المجتمع المتحضر يحتاج الإنسان دائماً لتعاون ومساعدة كثيرين”، غير أنه لا يستطيع طيلة حياته أن يصادق دائماً عدداً قليلاً من الناس الذين يحتاج لمساعدتهم. إذا اعتمدنا كلياً على عمل الخير لإيجاد تعاون، فلن يكون بوسعنا ببساطة أن نقوم بأعمالٍ معقدة. الاعتمادُ على المصلحة الذاتية للآخرين، ضمن نظام محدد بوضوح لحقوق الملكية والتبادل الحر، هو الطريقة الوحيدة لتنظيم مجتمع أكثر تعقيداً من قرية صغيرة.

ونظراً لأننا أفراد متميزون يتحملون مسؤولية عواقب أفعالهم، فإن لنا حقاً أخلاقياً في الحرية واكتساب الملكية التي نحتاج إليها للقيام بمشاريعنا. ونظراً لأننا نحتاج لتعاون آخرين كثيرين لكي نحقق أهدافنا، فإننا بحاجة إلى نظام للحقوق. لا تعارض بين التحليلات الأخلاقية والعملية للحقوق، مع أن الفروق البالغة الدقة توفر فرصة للكثير من النقاش في أوساط المفكرين الليبرتاريين. لم يضع أحدٌ بتاتاً تلخيصاً باهراً ومحكماً لنظرية الحقوق عند لوك أكثر من ذلك الذي صاغه توماس جيفرسون في إعلان الاستقلال الذي ما زال يلهم المقاتلين من أجل الحرية حول العالم.

منذ بدأ لوك وهيوم تحليلهما العلمي لأصل الحقوق وهدفها، لحق بركبهما منظّرون عديدون آخرون. فقد وضع إمانويل كانت نظرية الحقوق غير القابلة للتصرف مؤكداً أن لكل إنسان الحق في الحرية التامة الممكنة بالاتساق مع حرية مساوية للآخرين. لكنه لم يطبق هذه القاعدة على الملك، فقد رأى أنه فوق قانون الحريات المتساوية. هذه المقاربة، المستمدة من هوبز، وضعت كانت خارج التيار الرئيسي لنظرية الحرية. وقد تبنى هربت سبنسر قانون الحريات المتساوية، لكنه أكد بوضوح على جعل الحاكم خاضعاً للقانون. أما ليساندر سبونر، وهو أميركي من دعاة إلغاء العبودية ومحامٍ دستوري، فقد أكد على نظرية الحقوق الفردية والقبول بفحواها النهائية وهي أنه: ليس هناك أحد ملزم بأي تعهد لم يوافق عليه شخصياً. وقال بأن الناس، تبعاً لذلك، ملتزمون بالعقود التي وقّعوا عليها وبالقانون الطبيعي للعدالة، لكن ليس بدستور الولايات المتحدة أو أي قانون إيجابي آخر.

في القرن العشرين طرحت الكاتبة والفيلسوفة آين راند نظرية متشددة بشأن الحقوق الفردية مستمدة من الفلسفة الأخلاقية لأرسطو، وأكويناس، ولوك، وسبنسر، ورغم أن كثيراً من الفلاسفة المتعاطفين معها وجدوا تظريتها غير مكتملة، فإن كتابتها المتوهجة وبصيرتها الأخلاقية الصافية اجتذبتا عدداً كبيراً من الشباب نحو العقيدة الأميركية القديمة حول الحرية الفردية. وفي عام 1974، ساعد البروفيسور في جامعة هارفارد روبرت نوزيك على إحياء نظرية الحرية في العالم الأكاديمي عندما أصدر كتابه (الفوضى والدولة واليوتوبيا). وقد تركز جزءٌ أساسي من بحثه على التمييز بين “المبادئ التاريخية” للعدالة ومبادئ “النتيجة النهائية”. ودافع عن فكرة العدالة باعتبارها إجراءات عادلة ضد الفكرة القائلة بأن العدالة تعني نمطاً معيناً من توزيع السلع الاقتصادية. وأوضح بأن أي محاولة لإيجاد نمط معين للتوزيع ستتطلب منع أعمال رأسمالية بين بالِغَيْنِ باتفاهما المتبادل.

وفي المقال الأخير من هذا الجزء من مختاراتنا، يبحث روجر بيلون من معهد كيتو في موضوع أوحى غالباً بمعارضةٍ لنظام من الحقوق الفردية: وهو الحق في ارتكاب الخطأ. نحن لنا حقوقٌ لأننا كياناتٌ مدركة، ولأننا نحتاجُ إلى الحقوق لإيجاد تعاونٍ اجتماعي. لكن هل لنا الحق في أن نفعل أشياء تعتبر خطأ وفقاً لنظرية أخلاقية لشخص ما؟

ديفيد هيوم أقرّ بأن العدالة تقتضي منا غالباً اتخاذ قرارات تبدو غير مناسبة في سياق معين: “مهما كانت الإجراءات الفردية للعدل مناقضةً إما للمصلحة العامة أو الخاصة، فمن المؤكد أن مجمل الخطة أو البرنامج تفضي بدرجة كبيرة إلى، أو هي في الواقع شرطٌ أساسي، لدعم المجتمع ومصلحة الفرد على حد سواء”.

ويقول إنه تبعاً لذلك، فقد يتعين علينا أحياناً “إعادة ثروةٍ كبيرة لشخص بخيل أو متطرف متشدد”، لكن “كلَّ فردٍ يجب أن يشعر بأنه رابح” من السلام والنظام والرخاء الذي يرسخه نظامٌ لحقوق الملكية في المجتمع. ويدرس بيلون نوعين من الأعمال التي يراها معظم الأميركيين غير أخلاقية: حرق العلم الأميركي، والتمييز العنصري ضد الناس على أساس العرق. ويؤكد بيلون أننا “إذا كنا قد ولدنا أحراراً ومتساوين ولنا حقوق متساوية في أن نخطط ونعيش حياتنا” فإن تلك الحرية يجب أن تشمل أيضاً الحق في ممارسة قيمنا الخاصة “حتى عندما يكون ذلك مؤذياً للآخرين”. الذين تؤذيهم التصرفات السلمية، في مجتمع حر، عليهم اللجوء إلى “الإقناع الأخلاقي والتشهير العلني”، لا إلى القوة القانونية، لفرض آرائهم على الآخرين.

الخبرة الطويلة لليبرتاريين مع التجاوزات الحكومية أقنعتهم بأن هناك ضرورة لوضع حدودٍ صارمة للحكومة لحماية الحريات الفردية. بعض الليبرتاريين يعتقدون بأن للأفراد حقوقاً طبيعية تعدّ حمايتها أفضل اختبار للسلطة. وهناك آخرون يعتقدون أنه رغم أن الحقوق هي في النهاية بناء اجتماعي، وليست حقيقة طبيعية، فإن الدستور في مجتمع حر ينبغي أن يضع حدوداً للحكومة بطريقة تتسق مع الحقوق الفردية. وهناك آخرون يسلكون مقاربة أكثر تاريخية حيث يؤكدون أن حقوقنا الدستورية تعكس عملية طويلة يتبارى فيها الأفراد والمجموعات مع الحكومات لتحقيق حريات معينة تنتج في النهاية مجتمعاً حراً، يُترك فيه المجتمع المدني حراً إلى حد كبير من التدخل الإكراهي من جانب الدولة. والجميع يوافقون على أنه ينبغي للأفراد أن يكونوا أحراراً في ممارسة حياتهم كما يشاؤون، طالما حافظوا على احترام حقوق الآخرين بصورة مماثلة.