حار، مستوٍ ومزدحم: لماذا يحتاج العالم إلى ثورة خضراء وكيف تستطيع تغير وجه أمريكا؟
18 يونيو 2008بقلم مرام عبدالرحمن مكاوي*
من الأشياء التي طالما أغرمتني بمدينة لندن وجعلتني أرغب في السكنى فيها لولا غلاء الأسعار الطارد، هو أنه في كل يوم هناك شيء جديد حين يتعلق الأمر بالثقافة والمعرفة والفنون والمعارض. وتصادف أن أنهيت دورة في لندن، فعلمت عن محاضرة للصحفي الأمريكي الشهير توماس فريدمان في المتحف البريطاني، بمناسبة كتابه الجديد: (حار، مستوٍ ومزدحم: لماذا يحتاج العالم إلى ثورة خضراء وكيف تستطيع تغير وجه أمريكا؟)
(Hot, Flat, and Crowded: Why We Need a Green Revolution–and How It Can Renew America)، والذي سيصدر في سبتمبر القادم. ولما كنت لا أحب فريدمان ومقالاته التي أقرؤها مترجمة عادة، فقد كان لدي حافز قوي لأذهب وأستمع للرجل مباشرة.
وصلتُ قبل نصف ساعة من بدء المحاضرة، وكانت كل التذاكر قد نفدت! ثم وجدت إحداهن تعرض عليّ شراء تذكرة صديقتها التي اعتذرت. كنت معجبة بالتنظيم، وأدركت وقتها فداحة وضع الكتاب في العالم العربي، ففي حين أن الكتاب هنا منتج صناعة، يتشارك في إخراجه للنور الكاتب والمصحح والمحقق والناشر وشركة التوزيع وموظفو العلاقات العامة، فإن الكاتب العربي يناضل وحيداً لترى حروفه النور ثم يتحسر لأن أحداً لن يقرأها!
قام مارتن ولف (رئيس تحرير صحيفة الفاينانشال تايمز) بتقديم توماس فريدمان لنا، والذي بدأ حديثه الذي سيركز فيه على تشتت القيادة السياسية في أمريكا بعد أحداث سبتمبر، وعن الكارثة البيئية المرتقبة، ودور أمريكا باعتبارها المخلص المنتظر! والحقيقة أن صفات هذه الأمريكا “الحلم” بدت لي أقرب إلى صفات الأبطال الخرافيين الذين أهدتهم أمريكا للعالم ليحلوا مشكلاتهم مثل سوبرمان وباتمان وسبايدرمان!
قام فريدمان بتوضيح مبسط لعنوان الكتاب: حار ترمز لظاهرة الاحتباس الحراري، ومستوٍ تشير إلى ظاهرة تصاعد الطبقة الوسطى في المجتمعات الفقيرة سابقاً مثل الهند والصين، والذين يريدون أن يحيوا حياة المواطن الأمريكي المتوسط وبالتالي يضغطوا على موار البشرية، ومزدحم أو مكتظ لتشير إلى ارتفاع متوسط حياة البشر، وتحسن الخدمات الصحية في الدول النامية أيضاً. ويقسم كتابه إلى عدة أجزاء يتحدث فيها عن: التغييرات المناخية، أثر ارتفاع أسعار النفط، وعن فقدان بعض الكائنات في سلم الطبيعة كانعكاس للمشكلات البيئة، وعن فقر الطاقة، ليربط ذلك كله بكون العصر الجديد قد ابتدأ مع الألفية وهو عصر الطاقة وعصر مشكلاتها أيضاً. فمن جعل الكوكب حاراً؟ وماذا يمكن أن نعمل لنحل المشكلة الكبرى؟
يتحدث الصحفي النيويوركي الشهير عن أحاديثه ولقاءاته مع الزعامات السياسية ومع أقطاب الصناعة والتجارة وغيرهم، ليؤكد بثقة أن القطاع العالمي الأكثر ربحية وتأثيراً سيكون قطاع الطاقة الخضراء. أي الطاقة التي ستستبدل الطاقة القذرة (النفط ومشتقاته) بالبدائل النظيفة. ثم يتساءل فريدمان عما إذا كانت هذه الثورة بدأت بالفعل مع كل هذا الوعي البيئي المتصاعد، والاهتمام الكبير الذي توليه الشركات- وعلى رأسها شركات النفط والغاز- لتبرز نفسها كمهتم بالبيئة وشريكة في تطوير البدائل النظيفة؟ ويسخر من كل هذه الجهود والمنشورات والمحاضرات، ليقول إن هذه حفلة، وليست ثورة! ففي الثورة لا بد من رابحين وخاسرين، وحين يكون الكل سعيداً ومتحمساً وموافقاً فهذا يعني أننا مازلنا نلهو. فما الذي سيجعلها ثورة؟
للإجابة على هذا السؤال يستعير توماس فريدمان مقولة للشيخ أحمد زكي يماني، وزير النفط السعودي الأسبق، وهو يحاول أن يقنع من حوله بضرورة التفكير بجدية في خيارات دول الأوبك للمستقبل إذ قال: “لم ينته العصر الحجري لأننا لم نجد المزيد من الأحجار”، ويعلق على ذلك قائلاً بأنها مقولة في غاية الذكاء وبعد النظر.
والمشكلة الأساسية برأيه في قضية بدائل الطاقة هي أننا نحاول استبدال شيء موجود بالأساس، ويعمل بشكل جيد، وهو (حتى وقت قريب) رخيص وفعّال، وبالتالي فإقناع المستهلكين الكبار باستبدال ذلك، خاصة في أمريكا، أمرٌ في غاية الصعوبة. وهنا تمنى فريدمان أن تصبح أمريكا الصين ليوم واحدٍ فقط، من أجل أن تستطيع الحكومة الأمريكية أن تتخذ القرارات الصعبة دون قيود الديموقراطية.
يحاول فريدمان جاهداً أن يجعلنا نؤمن بأن “قلبه” على البيئة، والتي هي الدافع الرئيس لدعوته من أجل طاقة نظيفة، فالطرق القديمة لم تعد مجدية، والثورة الخضراء هي الطريق الوحيد لتعيد أمريكا اكتشاف ذاتها وقيادة العالم. والأمريكا الجديدة التي ينام ويصحو وهو يحلم برؤيتها تتمتع بالصفات التالية: آمنة، وغنية، ومبدعة، ومحترمة (!)، لتغدو النموذج الذي سيقلده العالم الذي هو بالأصل مفتون بأمريكا وطريقة حياتها. فالمعاهدات مثل (كيوتو) وغيرها لتقليل انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، لن تجدي نفعاً لأن أحداً لن يلتزم بها (طبعاً لن يقول لنا السيد فريدمان لماذا هذا صحيح؟ وهو لأن بلاده الموقرة رفضت التوقيع عليها لوقت طويل)، وبالتالي الأجدى الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والطاقة. ويركز هنا على أن أمريكا يجب أن تظل دوماً متقدمة خطوة واحدة على الأقل على الصين في مجال الطاقة البديلة، لتستطيع أن تحتفظ بمكانتها العالمية.
وحتى نصل إلى هذه الطاقة البديلة يطرح فريدمان أفكاراً مثل الإلكترون النظيف، وخلق سوق لهذا النوع من الطاقة، وطبعاً يوصي فريدمان بحماس شديد بفرض مزيد من الضرائب على النفط ومشتقاته، بحيث تنفر في النهاية المستهلك منه وتدفعه لاستخدام البدائل.
ويختم الرجل محاضرته الشيقة بقوله إن هناك طريقين للتغلب على غلاء أسعار النفط: الطريقة الأولى والتي يزعم أن بلاده اتبعتها منذ أزمة الطاقة في السبعينات وهي سفر الرؤساء الأمريكيين للسعودية ليطلبوا بذل ورجاء زيادة إنتاج النفط، وهو أمر يرفضه فريدمان خاصة أن السعوديين قد طعنوا أمريكا في الظهر برأيه! (وكأن الحكومة السعودية والشعب السعودي مسؤولون عن أحداث سبتمبر التي يعلم الله وحده حقائقها حتى الآن). والطريقة الثانية: هي أن تدخل البيئة إلى غرف صنع القرار وتفرض أجندتها، فتظهر البدائل التي ستغني أمريكا عن النفط الذي يصدره السعوديون والإيرانيون والعراقيون.. وبقية “الأشرار” على ما يبدو! وهذا هو البديل الذي يجدر بدولة عظيمة كأمريكا أن تتبعه، وأموال الأمريكي يجب أن تصرف في أمريكا لخير المواطن الأمريكي وبناء الإمبراطورية بدلاً من أن تصب في خزينة السعودية!
وطبعاً صفق الحضور طويلاً له، ولكن هذا لم يمنع المضيف من أن يسأله عن هذه المركزية في حديثه، وكأن أمريكا هي العالم، فأجاب الصحفي اليهودي بابتسامة عريضة بأنها كذلك بالنسبة إليه، كما أنها الدولة الوحيدة المؤهلة للقيام بكل هذا والآخرون يمكن أن يتعلموا منها. حين جاءه سؤال من الجمهور عن كيفية إقناع ” غير الأمريكيين” بفوائد الطاقة البديلة وضرورة التحول إليها، خاصة الدول المنتجة للنفط، رد بصلف وكره واضحين “ومن قال إنني مهتم بإقناع السعودية أو روسيا؟ هذا غير مهم!”.
حين غادرت القاعة كنت أفكر في هذه المحاضرة الرائعة، نعم كانت سيئة مضموناً بالنسبة لي كسعودية، ولكنها كانت رائعة إلقاء وتنظيماً، وحتى معرفياً، فقد علمتني أن القوم لا يلعبون، وأن معركة بدائل الطاقة حقيقية وليست وهمية، ففريدمان هو صحفي يقدم الاستشارات للبيت الأبيض، ويقابل زعماء العالم، وله تأثير على الرأي العام في أمريكا. أزعجني صلفه، وأحسست كأنما هناك كوكبان: الأرض وأمريكا، وفي الوقت نفسه احترمت وطنيته وغيرته على ثروة بلاده، ورؤيته لمستقبلها على المدى البعيد، وهو إعجاب دفعني لأن أقطع إجازتي الطوعية لأكتب مقالاً آمل أن ينشر قبل اجتماع جدة الذي سيبحث ارتفاع أسعار النفط.
حين خرجت من المحطة شاهدت مجموعة من الأطفال، جذبتني ملامحهم: العيون اللوزية الواسعة.. البشرة القمحية.. الأنف الصغير المرفوع.. الابتسامة المدهشة.. والثياب النظيفة الغالية، نظر إليّ أحدهم بفضول فتساءلت ترى هل هو سعودي؟ كويتي؟ أو لعله عراقي، غير مهم.. وغشيتني سحابة من الكآبة.. حدقت في عينيه وقلت له في سري.. ترى هل ستسامحنا يا صغيري؟ وتمنيت وقتها لو أن توماس فريدمان كان سعودياً!
* كاتبة سعودية، وطالبة دراسات عليا في المملكة المتحدة.
(مقالة نشرت في صحيفة الوطن السعودية- في 18 يونيو/ حزيران 2008)


