“مستقبل الليبرتارية”
23 يونيو 2008صدر عن شركة “رياض الريس للكتب والنشر” - بيروت، بالتعاون مع مؤسسة “مصباح الحرية” التابعة لـ”معهد كيتو” بواشنطن، مجموعة كتب تحت عنوان “مفاهيم الليبرتارية وروادها”.
تتضمن المجموعة سبعة أجزاء ننشرها تباعاً، وفي ما يلي مقدمة الكتاب الرابع من السلسلة وهو بعنوان “مستقبل الليبرتارية”:
“توفر الرؤى الأساسية لليبرتارية - لامركزية السلطة، والفردية، والحقوق الأساسية، والنظام التلقائي، والتبادل الحر، والسلام - إطاراً لفهم العالم وإنشاء نظام اجتماعي يستخدم الناس فيه معرفتهم للسعي من أجل تحقيق سعادتهم. لقد انتشر في سائر أنحاء الغرب وخارج محيطه نظامٌ سياسي واجتماعي يقوم على هذه الرؤى إلى حد كبير، ويتصف بسيادة القانون، وحرية الدين والتعبير، وتأمين حقوق الملكية، والأسواق الحرة نسبياً، مما أفسح المجال للأفراد لتحسين حياتهم إلى جانب تطوير العالم خلال ذلك. كارل ماركس، الذي أساء فهم الليبرالية ورآها “قاعدة” للبرجوازية، وصف نتائج المجتمع الليبرالي قبل قرن من الزمان:
“أوجدت البرجوازية، من خلال قاعدتها التي لم يكد يمضي عليها مائة عام، قوىً إنتاجية أضخم حجماً وأوسع انتشاراً من سائر الأجيال السابقة مجتمعة. إخضاعُ قوى الطبيعة للإنسان، الآلات، التطبيقات الكيميائية على الصناعة والزراعة، الملاحة البخارية، السكك الحديدية، التلغراف البرقي، إعداد قارات بكاملها للزراعة، ضبط جريان الأنهر في قنوات، بروز شعوب بكاملها على وجه الأرض كما لو بفعل سحري - هل كان هناك في القرن السابق حتى مجرد إحساسٍ بأن قوىً إنتاجية كهذه تترعرع في حضن العمل الاجتماعي؟”.
الآن، وقد أظهرت الليبرالية للعالم أن التقدم ممكن، فإن بوسع الأجيال الحالية أن تحدس على الأقل بأنواع التغيرات التي قد يشهدها العالم في المستقبل. منذ قرن من الزمن، كان لدى المفكرين، من إدوارد بيلامي حتى إسحق عظيموف والعديد من مشاهير المستقبليين في عصرنا، فكرة غريبة مفادها أن عالماً يتزايد تعقيداً سيتطلب حكومة أكبر وأكثر شمولية. أصبح التخطيط لمواكبة التغيير هو كلمة السر. بات بوسعنا في كل يوم أن نقرأ في كبريات صحف العالم أن دراسة جديدة أو لجنة رئاسية جديدة قد وجدت سياسة جديدة للتعامل مع النقل العام، أو التعليم، أو التغيرات التكنولوجيا، أو أخلاقيات البيولوجيا، أو عدم المساوة، أو البيئة، وما إلى ذلك. ويتبين أن كل سياسة جديدة تستدعي نقل مزيد من السلطة من المجتمع المدني إلى المجتمع السياسي، من عملية المشاركة الاختيارية والتبادلية إلى نظام القيادة والسيطرة.
لكن هل يُعقل حقاً أن التخطيط الإلزامي سيقودنا إلى التقدم، إلى عالم من التكنولوجيا والازدهار المادي والأنظمة الاجتماعية التي ليس بوسعنا حتى تخليها؟ لو أننا أوكلنا مهمة التخطيط في القرن العشرين للحكومة، لكان مجتمعنا اليوم يبدو مشابهاً للاتحاد السوفياتي - باستثناء أنه لو تم وضع العالم الرأسمالي بكامله تحت سيطرة المخططين الإلزاميين، فإنه ما كان ليكون هناك اليوم بلد ينتج التقدم التكنولوجي الذي كان بوسع الاتحاد السوفياتي استعارته. إذا أردنا رؤية تقدم تكنولوجي ومستوى معيشة أعلى في المستقبل - مع الخفض التدريجي للأمراض، والفقر، والجهل - فليس لنا في الواقع من خيار سوى الحرية.
قد يبدو السلوك الليبرتاري نحو التغيير بالنسبة لبعض القراء متناقضاً. الليبرتاريون يؤمنون بآفاق التغيير الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي، لكنهم مع ذلك يصرون على الالتزام الصارم بالمبادئ القديمة والثابتة للحكومة. لا تناقض في ذلك. فكما يعترف كل كتّاب هذا الجزء صراحة أو ضمناً، فإن المبادئ الليبرتارية التي وضعها جون لوك وآدم سميث والثورة الأميركية والدستور تخلق إطاراً للتقدم. عندما نحمي حق الأفراد في التفكير، والاتصال، والإبداع، والتبادل - عندما نتمسك بشدة بقواعد الملكية الخاصة، والتبادل الحر، والقبول الحر - فإننا نوجد مجتمعاً يمكن فيه حدوث التغيير. كل انحرافٍ عن هذه القواعد - كلُّ استخدام للحكومة من أجل إخراج فكرةٍ معينة لشخص ما حول نتائج أفضل إلى حيز الوجود - يشكل عامل إعاقة للتقدم.
في هذا الجزء، يشير صمويل بريتان إلى أوجه التشابه بين الرأسمالية التنافسية وقيم “الثورة المضادة” في ستينات القرن العشرين، وهي نقطة كانت ستبدو واضحة بالنسبة لأجيال سابقة من الليبراليين، لكنها ضاعت في الفصل الغريب الذي حدث في أواخر القرن العشرين بين أنصار العمل الحر وأنصار الحرية الشخصية. ويشير كل من أنطونيو مارتينو وريتشارد كورنيي وماريو فارغاس يوسا إلى بعض التحديات السياسية والفكرية التي تواجه الليبرتاريين في مرحلة ما بعد الشيوعية. ويؤكد كل من نورمان ماكراي ومايكل بروز أن الحكومة الإكراهية هي من مخلفات العصر الصناعي وأنها ستختفي من المشهد قريباً. ويبحث كل من بيتر بيتش وجون بيري بارلو مضامين عصر المعلومات.
أما لين سكارلت فإنها تتناول موضوعاً هاماً بشكل خاص في العصر المقبل - وهو حماية البيئة - في ضوء المبادئ الليبرتارية التي يحتويها هذا الكتاب. وتصل إلى الاستنتاج بأن “وضع القواعد بطريقة مركزية ومن الأعلى للأسفل لا يناسب معالجة المشاكل البيئية في عالم معقد ودينامي حيث معظم المعلومات ذات الصلة محددة مكانياً وحيث مختلف الناس لهم أولويات مختلفة”. الليبرتارية لها رسالة مركزية مفادها بأن بوسع المرء أن يستبدل عنوان أي موضوع تقريباً بكلمات “مشاكل بيئية” في تلك المجلة، وسيبقى المعنى صحيحاً!”


