الطقس

“الاسواق الحرة”

16 يونيو 2008

صدر عن شركة “رياض الريس للكتب والنشر” - بيروت، بالتعاون مع مؤسسة “مصباح الحرية” التابعة لـ”معهد كيتو”" بواشنطن، مجموعة كتب تحت عنوان “مفاهيم الليبرتارية وروادها”.
تتضمن المجموعة سبعة أجزاء ننشرها تباعاً، وفي ما يلي مقدمة الكتاب الثاني من السلسلة وهو بعنوان “الاسواق الحرة”:

“غالباً ما يصار إلى الربط بشكل وثيق بين الليبرتارية والدفاع عن الأسواق الحرة. هذا التصور صحيح تماماً ولكن ربما كانت هناك مبالغة في التركيز عليه. غاية الليبرتارية ليست هي الدفاع عن علاقات الأسواق بحد ذاتها - وليست بالتأكيد أشكالاً رأسمالية من النظام - بقدر ما هي الدفاع عن الحرية الفردية، والمجتمع المدني، والنظام التلقائي. السوق الحرة هي النظام الاقتصادي الذي ينشأ عندما يتاح للأفراد اكتساب الملكية وتبادلها دون الخضوع سوى لاشتراط عدم انتهاك حقوق الآخرين. الأسواق أيضاً هي الشكل الضروري للنظام إذا كان لبني البشر أن يكونوا قادرين على التعاون لتحقيق أهدافهم المتشابكة.

الناس عادة يصنفون المنظمات الأميركية في ثلاثة قطاعات: عام، وخاص، وغير ربحي (أو “مستقبل”). هناك تصنيف آخر قد يكون جوهرياً أكثر وهو: إكراهي أم حر. هناك بصورة أساسية نوعان فقط من المنظمات، تلك التي تتضمن إكراهاً وتلك الحرة كلياً. القطاع الحر يشمل المؤسسات الربحية، والنوادي، والكنائس والكُنُس، والمنظمات الخيرية. كل تلك المؤسسات تختلف عن الحكومة بطريقة أساسية واحدة: ليس بوسعها امتلاك موارد أو تنفيذ خططٍ عن طريق الإكراه.

من هنا فإن تحليل الأسواق هو فقط دراسة أحد أشكال النظام الحر، ذلك الجزء الذي يسعى فيه الناس لتحقيق أهدافهم عن طريق التعاون والتبادل مع الآخرين. الاقتصاديون أدّوا دوراً هاماً في تطوير الفكر الليبرتاري لأنهم درسوا النظام التلقائي للأسواق على أساس التعاون الحر بصورة أكثر عناية مما فعله علماء الاجتماع الآخرون.

المشكلة الجوهرية التي يسعى الاقتصاديون لحلها هي التنسيق. وهم يسألون على أبسط المستويات: كيف يمكن توفير الغذاء لمدينة؟ إذا كان سكان فيلادلفيا لا ينتجون طعاماً ولا شراب بيرة ولا أجهزة تلفزيون، فكيف تتوفر لهم كل هذه الأشياء بسهولة؟ العملية تتم بسهولة بالغة بحيث إننا نفترض أن هناك شخصاً لديه كمبيوتر فائق القوة تم استخدامه للتخطيط لذلك. الواقع، بالطبع، هو أنه لا أحد خطط ذلك، وأنه عندما يحاول أحد التخطيط لتنسيق اقتصادي فالنتيجة هي انعدامُ التنسيق وكارثة.

كل فرد يخطط لنفسه بالطبع، ومن المؤكد أن مؤسسات الأعمال تخطط عملياتها الإنتاجية. لم، إذن، تساءلت افتتاحيةٌ لـ “النيويورك تايمز” عام 1975: “هل التخطيط شيئ حسن بالنسبة للأفراد والأعمال لكنه شيء سيئ للاقتصاد القومي؟” الجواب يكمن في التمييز بين نوعين من المنظمات حددهما هايك وبولاني. الشركات والمؤسسات الاستثمارية تخطط لأنها منظمة لتحقيق هذا الهدف. المجتمع ليس له هدف واحد، فهو يتكون من آلاف أو ملايين الأفراد كل منهم له هدفه أو هدفها الخاص. محاولة إيجاد خطة واحدة ستعني بالضرورة تفضيل أهداف البعض على البعض الآخر. كما أنها تعني أيضاً مستوىً إنتاجياً أكثر انخفاضاً، لأن السوق التنافسي يستفيد أفضل فائدة من المعلومات الجزئية الصغيرة التي تتوفر للأفراد في المجتمع - حول خططهم الخاصة وقيمهم وظروفهم المحلية.

بعض الحكومات وضعت وثائق مهيبة تحمل عناوين مثل “خطط الإنتاج القومي”، فيما هي في الواقع مجرد ملخصات لجميع الخطط التي وضعها مجتمع الأعمال. بولاني يقارن “خططاً” كهذه بخطة مدير فريق شطرنج يقول: “خطة فريقي هي تحريك 45 بيدقاً خطوة واحدة و20 فيلاً بمعدل 3 حركات، و15 قلعة بمعدل 4 حركات… إلخ”. قد يكون من الممكن إطلاق اسم خطة على ذلك، لكنها في واقع الأمر “تلخيصٌ أحمق لجملة من الخطط”.

ورغم أن السكولاستيين الإسبان والفيزيوقراطيين الفرنسيين وآخرين كانوا قد حققوا في مرحلة مبكرة إنجازات هامة في النظرية الاقتصادية، إلا أن آدم سميث يُعدّ عادة مؤسس علم الاقتصاد الحديث إذ وضع عام 1776 كتابه (ثروة الأمم). بدأ سميث بشرح أهمية تقسيم العمل - ليس فقط من حيث إن ذلك يؤدي إلى إنتاج أكبر، بل لحقيقة ضرورته للتجارة الخارجية الحرة، وهو تحليل حاول أصحاب نظرية الحمائية، دون جدوى، دحضه لأكثر من قرنين من الزمان. أطلق سميث على نظام السوق “النظام البسيط للحرية الطبيعية”، وعلى نحو مماثل قال الليبرتاريون المعصرون بأن “الرأسمالية هي ما يحدث عندما تدع الناس وحدهم”.

كان فريديريك باستيا داعيةً كبيراً لأفكار سميث والاقتصاديين الفرنسيين. وقد أكدت إحدى مقالاته الهامة على قضية أساسية في التحليل الاقتصادي: الفرق بين “ما يُرى وما لا يُرى”. وقال بأن ما يُرى هو التأثير الفوري لأي إنفاق، خصوصاً الإنفاق الحكومي؛ أما ما لا يُرى غالباً، فهو تكلفة الفرصة - المال الذي لا يستطيع دافع الضرائب إنفاقه لأغراضه الخاصة مثلاً، لأنه كان قد اقتُطِعَ على شكل ضريبة من أجل أغراضٍ أخرى.

في عام 1922 نشر لودفيع فون ميزس نقداً لكون الاشتراكية غير عملية في التطبيق - عدم قدرتها على حل مشاكل “الحسابات الاقتصادية” في غياب الأسعر وحقوق الملكية. ولو أن كتابنا هذا كان قد صدر قبل سقوط الشيوعية السوفياتية لكان قد تضمن مقتطفات من كتاب (الاشتراكية). لكننا اليوم، في الوقت الذي أصبحت فيه الاشتراكية المكتملة مسألةً تاريخية بحتة، فإن نقد ميزس للتدخل في الاقتصاد قد أصبح أكثر صلة بالواقع. لقد فحص ميزس في العديد من كتاباته كيف أن تدخلاً واحداً في العملية السلسة للسوق يخلق مشاكل يبدو أنها تتطلب مزيداً من التدخل مما يولِّد مزيداً ومزيداً من الهيمنة الحكومية على الاقتصاد.

فريديريك هايك شارك بإسهامات هامة في النظرية الاقتصادية في كتب مثل (النظرية المجردة لرأس المال) و(الأسعار والإنتاج) لكنه في معظم أعماله درس السوق باعتباره أحد أنواع النظام التلقائي. وفي المقتطفات التي اخترناها في هذه السلسلة من كتابه (القانون، والتشريع، والحرية) يؤكد هايك أن كلمة “اقتصاد” قد تشوش فهمنا لعملية السوق: فهي مشتقة من كلمة يونانية تعني “الإدارة المنزلية” وقد تُستخدم لتعني إدارة اقتصادية لمنزل واحد أو شركة، غير أنها أصبحت تعني أيضاً الاقتصاد الوطني. لكن، وحيث إنه، لأغراض الدقة، ليس هناك اقتصادٌ وطني بل فقط شبكة من الاستثمارات، فهو يقترح أن نطلق على نظام السوق مصطلح (كاتالاكسي) وهو مشتق من فعل يوناني يعني ليس فقط “التبادل” بل أيضاً “الترحيب ضمن الجماعة” و”التحول من عدو إلى صديق”.

ويدرس ميلتون فريدمان منفعة غير اقتصادية لعملية السوق: حماية الحرية الفردية والحرية المدنية عن طريق تقييد دور الدولة وتوفير مصادر بديلة للثروة والنفوذ في المجتمع. ورغم أننا نرى أحياناً بلداناً رأسمالية بصورة أساسية ليس فيها الكثير من الحرية السياسية، فإننا لا نرى أبداً بلداً اشتراكياً يتمتع بحرية سياسية. في ظل الاشتراكية يحتاج كل تصرف لموافقة حكومية: ما الذي سيخصصه مُخَطِّطٌ مركزي من مساحةٍ في الصحف أو وقت في التلفزيون لنقاد الحكومة؟ المجتمع التعددي الذي يوفر حماية تامة للملكية يعني أن تكون لدى كثير من الناس القدرة على تطوير الأفكار.

سقوط الشيوعية أطفأ بريق فكرة التخطيط الاقتصادي. ورغم أن المهندسين الاجتماعيين ما زالوا يخرجون علينا ببرامج تخطيطية، فإنهم لم يعودوا يطلقون عليها تخطيطاً بل يستخدمون مصطلحات مثل سياسة صناعية، أو ديموقراطية اقتصادية، أو سياسة تنافسية. الجدلية الأكثر أهمية هذه الأيام لصالح التدخل في نظام السوق الحر هي إعادة توزيع الدخل من خلال دولة الرعاية الاجتماعية. ويعرض برتراند دي جوفينيل وجهة نظره حول مشاكل دولة الرعاية الاجتماعية، ويحذر من أن إعادة التوزيع تتضمن عادة “إعادة توزيع للسلطة من الفرد إلى الدولة”.

النمو الاقتصادي المثير للإعجاب الذي تحقق في اقتصاديات السوق منذ الثورة الصناعية شجع على انتشار الأسواق حول العالم. واليوم يبدو أن العالم بكامله قد دخل أخيراً في سوق عالمي واحد. لكن بعض حكام البلدان - وبعض المفكرين - لا زالوا يقاومون متطلبات النمو الاقتصادي، ويسعون لتحقيق النمو دون تعددية ومنافسة وحرية استثمار.

وقد كتب ديفيد رامزي ستيل مؤلف كتاب (من ماركس إلى ميزس)، عام 1979 عن أولى بوادر التململ الرأسمالي في الصين، مستشهداً بكاتب في المجلة الرسمية “بكين ريفيو” كان قد أكد أن الصين ليست بحاجة لتبني مؤسسات السوق الحر للوصول إلى اقتصاد حديث. وقال ذلك المحلل الصيني: “ينبغي لنا تحقيق نجاحٍ أكبر من اليابان، فهؤلاء لم يتعلموا من الولايات المتحدة فقط علوم الكمبيوتر بل ورقص التعري أيضاً. المسألة بالنسبة لنا هي اكتساب أفضل ما لدى البلدان الرأسمالية المتقدمة مع رفض فلسفتهم”. وقد رد ستيل على ذلك بقوله:

الزوارُ من الدول الأقل تطوراً يحملون عادة قائمة تسوق ذهنية للمؤسسات الإجتماعية… بيد أن المؤسسات الاجتماعية ليست بالونات ألعاب. لا يمكن أن تكون هناك صناعةٌ متقدمة دون سوقٍ لعوامل الإنتاج… لا يمكن للابتكارات العلمية والتكنولوجية أن تزدهر دون أن تفيض أساليب التفكير النقدي الساخر والموضوعي على كل مجالات الحياة… عملية المبادلات التجارية غير المخططة المعروفة بالسوق لا تتسق مع التنظيم السياسي الصارم للمجتمع ضمن أسلوب معيشة واحد أو أسلوب تفكير واحد… أنت تمارس لعبة السوق أو لا تمارسها… إذا كنت لا تريد ممارستها فستبقى تعيساً. لكن إذا كنت تريد ممارستها، فعليك أن تمارسها فعلاً. تريد علوم كمبيوتر؟ عليك إذن أن تقبل برقص التعري.

الأسواق الحرة هي النظام الاقتصادي للشعوب الحرة. قد يشكل ذلك مخاوف كابوسية للنخب الحاكمة، لكنه ينبغي أن يشكل رؤية ملهمة لأولئك الذين لا مصلحة مكتسبة لديهم في الوضع الراهن. “