الطقس

ندرةٌ هم المزارعون الذين يزرعون القمح

ندرةٌ هم المزارعون الذين يزرعون القمح

6 مايو/أيار 2008

بقلم آن ـ سيسيل روبير *
تبتهل ربة منزل سنغالية قائلة: “نحن متعبون. نحن جائعون. بات كل شيءٍ باهظ الثمن. أطلب من كل النساء قلب طناجرهن وإقامة كل ليلة حفلة طناجر موسيقية” [1]. وهاهي تشارك، في الـ31 من آذار/مارس 2008 هذا، بمسيرةٍ ضد غلاء أسعار المواد الغذائية الاساسية. ومن ناحيته يتعجّب السيد مومار نادو، رئيس جمعية المستهلكين السنغاليين التي دعت إلى التحرك: “البارحة، ارتفع سعر كيس الأرز (50 كلغ) من 14000 إلى 17000 فرنك CFA (من 21،3 إلى 26 يورو). وهذا يبيّن بأن السلطات لا تريد القيام بشيء”.
منع محافظ داكار المسيرة، فقمعتها الشرطة بقسوة، في حين لزمها عدّة ساعات لتفريق المتظاهرين. وكان إرتفاع سعر الخبز في عام 2007 قد أدّى إلى اضطرابات إجتماعية. وفي الخريف، أعلن إتحاد الأفران الإضراب مما أدى إلى نقصٍ في الخبز. وطالب السلطات بدعم أسعار الطحين لمواجهة إرتفاع سعر القمح بنسبة 49 في المئة.
هكذا تكرّرت “انتفاضات الجوع” في إفريقيا، وأصبحت هي الخبر الأول في العديد من البلدان: السنغال، مالي، الكاميرون، بوركينا فاسو، نيجيريا، ساحل العاج… ويضاف إلى ارتفاع أسعار القمح أيضاً ارتفاع أسعار الشحن المرتبطة بغلاء النفط. كذلك أدّى الجفاف ومن ثم فيضانات عام 2007 إلى إنخفاض الإنتاج المحلي وإضعاف الريف. فارتفع ثمن طن الطحين من 120 إلى 130 يورو في بداية 2008.
وفي مواجهة الغضب الشعبي، حاولت الحكومات كبح جماح الأسعار. ففي الأول من نيسان، أعلنت سلطات ساحل العاج تعليق الرسوم الجمركية لمدة ثلاثة أشهر على استيراد الأرز، وزيت الطعام، والحليب، والطحين، والقمح، أو حتّى السكر. وقرّر الرئيس لوران غباغبو تخفيض ضريبة القيمة المضافة على هذه المواد من 18 إلى 9 %. ولكن هذه الإجراءات قد شكّلت عبئاً على ميزانية الدولة المحدودة أصلاُ. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2007، تجرّأت الحكومة السنغالية على تثبيت سعر الخبز بوهلة قصيؤة. لكن قراراً كهذا يناقض قدسيّة قوانين العرض والطلب.
خلال زيارته غرب إفريقيا في شباط 2008، حذّر مدير صندوق النقد الدولي السيد دومينيك شتروس- كان قائلاً: “لا يعمل تثبيت الأسعار قط بشكلٍ جيد، ولا يجوز استخدامه إلاّ بشكلٍ مؤقت. إنّه يشجّع السوق السوداء ويؤدّي إلى خيارات إقتصادية “خاطئة”. وينطبق الشيء نفسه على الدعم المالي الحكومي [2]”. وقد طالب، دون أي إيضاحات إضافية، “بإصلاحات طويلة الأمد” تهدف إلى “تلبية حاجات” الشعوب.
في القاهرة حيث تطول طوابير الانتظار أمام الأفران، واستغلّت المعارضة السياسية - مع نيّات متفاوتة- هذا الوضع. هكذا، اتّهم النائب حمدي حسن، عضو الإخوان المسلمين: “أنّ أساس الأزمة هو قرار الحكومة، منذ سنتين، بالتوقف عن شراء المحاصيل من المزارعين المصريّين بحجّة أن ثمنها مستوردة أقلّ بكثير. هكذا، انخفض الانتاج المحلّي للقمح بشكلأ كبير. وبالتالي، أصبح المزارعون المنتجون للقمح ندرة. وفضّلوا زراعة الفواكه لتصديره”.
ومن أجل الإستجابة إلى المطالب الإجتماعية دون إغضاب المانحين، لجأت بعض الحكومات إلى الحيلة. هكذا، في مالي، تمّ اختبار خبز الـ “بورونافاما” - وهو طحين حنطة ممزوجة بالزروع المحليّة مثل السورغو، والذرة البيضاء والصفراء. المقصود إذاً هو تقليص الحاجة إلى القمح، وفي نفس الوقت الاستفادة من الحبوب المنتجة محلياً. ووفق رئيس ائتلاف العاملين في تصنيع الخبز، السيد مامادو لامين هيدرا، يصل سعر هذا الخبز إلى 250 فرنك CFA ( 0,3 يورو) للرغيف (مقابل 300 فرنك CFA، 0,45 يورو للرغيف العادي). لكن هل هناك جودة في هذا المنتوج؟ هنا يبدي أداما، عضو جمعية الدفاع عن المستهلك، تحفّظه: “لا يولّد هذا الخبز المخلوط رغبةً في الأكل، إذ شكله رديء، وهو صعب الهضم، وطعمه سيىء” [3[.
في مصر، تدعم الحكومة الخبز وتكلّف الجيش توزيعه. لكن الكميات المتوفرة غير كافية أحياناً، فيجد المواطنون أنفسهم فارغي الأيدي أمام الدكاكين المغلقة، بالرغم من بطاقات التموين[4].
في المقابل، يمكن أن يكون للأزمة التي ضربت إفريقيا “إيجابيّات جانبية”: إعادة الزراعة المحليّة والأمن الغذائي إلى قلب السياسات الإقتصادية. فمنذ 25 سنة، استخُدم التبادل الحر كسياسة تنمية من قبل سلطاتٍ عامة مجرّدة من كلّ سلاح. وهذا ما لخّصه عالم الاجتماع العاجي تيوفيل كوامو بالقول: “أوّل ما يجب فعله هو تزويد دولنا بحكومات!” [5[
ليست القارة السوداء هي الوحيدة المعنيّة بالارتفاع العالمي لأسعار الحبوب. ففي هاييتي، ومنذ أول نيسان، هدّدت المظاهرات وشغب “الهيجان الشعبي” - خمسة قتلى ومئتي جريح- الاستقرار الهشّ للبلاد، وأدّت إلى عزل رئيس مجلس الوزراء جاك-إدوار أليكسي. لقد ارتفع سعر كيس الخمسين كلغ من الأرز، وهو أساس غذاء الفقراء، من 35 إلى 70 دولاراً في غضون اسبوع. وترافقت أعمال العنف مع صرخة “نو غرانغو!” (أي بلغة الكريول، “نحن جائعون”).
كذلك تخشى البلدان الآسيوية، خاصةً إندونيسيا والفيليبين، من اندلاع الإضطرابات الإجتماعية بسبب إرتفاع أسعار الصويا، واللحوم، وهنا أيضاً، أسعار الأرز بشكل خاص. فقد سارت مظاهرات ضمّت أكثر من عشرة آلاف شخص في جاكارتا بداية عام 2008 بسبب ارتفاع اسعارالتوفو.
ولكن الأرز يبقى هو جوهر المشكلة: فقد تجاوز سعر صنف “التاي”، المتّخذ كمرجعية، الـ 500 دولاراً (320 يورو) للطن الواحد، وذلك للمرّة الأولى منذ سنة 1999 بحسب منظمة الأمم المتحدة للزراعة والتغذية [6]. هكذا فإن العرض الاجمالي للأرز (420 مليون طن) هو أقلّ من الطلب (430 على الأقل)؛ وبعض البلدان مثل الفيليبين، أوّل مستوردٍ عالمي، تعاني من أوضاع صعبة جداً. أمّا المخزون العالمي فهو في أدنى مستوياته منذ 25 عاماً (70 مليون طن، نصف كميّة مخزون سنة 2000). وقد قامت البلدان المنتجة، مثل فيتنام والهند ومصر، بتخفيض صادراتها كي تؤمّن تموين أسواقها المحلية وضبط الأسعار…
يعترف السيد روبرت زوليك، رئيس مجموعة البنك الدولي، الذي يتوقّع ارتفاع القروض السنوية للإنتاج الزراعي في إفريقيا (من 228 مليون إلى 512 مليون يورو)أنّ: “33 بلداً سيقعون ضحيّة الاضطرابات الاجتماعية بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والنفط”. مع ذلك فإن “العقد الجديد من أجل سياسةٍ عالميّة غذائية” الذي يقترحه يتلخّص في إبرام معاهدة تجارية جديدة في إطار منظمة التجارة العالمية. هكذا دواليك، هي الحلقة الشيطانية نفسها (باللاتينيّة Perseverare diabolicum…)

 

 

 

[1] Wal Fadjri, Dakar, 1/4/2008. http://www.walf.sn/actualities/inde…

 

 

 

[2] Jeune Afrique, باريس، 16 آذار/مارس 2008.

 

 

 

[3] http://fr.allafrica.com/stories/200…

 

 

 

[4] إقرأ هبى نصر الدين، غلان مجدي، سلمى حسين، “معركة الرغيف”، 25 آذار/مارس 2008، http://alternatives-international/a…

 

 

 

[5] http: //kouamouo.ivoire-blog.com

 

 

 

[6] إقرأ جافير بلاس ودانيال تان كايت، « jump in rice price fuels fears of unrest »، Financial Times، لندن، 27 آذار/مارس 2008.

 

 

 

*صحافية في لوموند ديبلوماتيك واستاذة جامعية

 

(لوموند ديبلوماتيك- مايو/ايار2008)