الطقس

توقيت السياسات يبقى في غاية الأهمية

توقيت السياسات يبقى في غاية الأهمية

16 مايو/أيار 2008

بقلم د. لويس حبيقة*
نوعية السياسات الاقتصادية، وغيرها من السياسات، مهمة جدا. لكن تأثيرها يبقى محدودا، وربما معاكسا، اذا لم يكن التوقيت مناسبا. هنالك سياسات صحيحة تصبح مضرة اذا نفذت في الوقت غير المناسب أو الخاطئ. الحاكم الواعي أو المسؤول الكفؤ هو الذي يحسن تصميم السياسات المفيدة والصائبة، وينتظر الوقت المناسب للتنفيذ. أخذت الحكومة اللبنانية مؤخرا قرارات سياسية وأمنية وادارية مهمة، انقسم حولها اللبنانيون بين مؤيد ومعارض. من ناحية أخرى، الكل يجمع على أن التوقيت كان خاطئا، وهذا مدهش، اذ أن أصحاب هذه القرارات مشهود لهم سابقا بدقة الحسابات وطول البال وحسن التقييم. من الأفضل أن تتجنب الحكومة الحالية اتخاذ قرارات سياسية يختلف حولها اللبنانيون، بل عليها ترك هذه المواضيع للعهد الجديد وحكومته الأولى، حيث تتجدد معهما ثقة اللبنانيين بالدولة ومؤسساتها. في كل حال، دخلت البلاد في دورة عنف وانحدار وحصار كنا جميعا في غنى عنها. مجددا التوقيت مهم لاتخاذ وتنفيذ أي سياسات عامة وحتى خاصة.

لم تكن الأوضاع الاقتصادية في لبنان مقبولة حتى قبل الأحداث الأخيرة، الا أن الجميع كان ينتظر فصل الصيف وما يحمله من حيوية سياحية وانفاق على كافة السلع المنتجة محليا والمستوردة كما على الخدمات. فالحصار الاقتصادي الداخلي، عبر اقفال المطار والمرفأ وطريق المصنع والعديد من الطرقات الداخلية، مضر جدا ليس فقط بحاضر الاقتصاد وانما خاصة بمستقبله. يعاني لبنان اليوم من تضخم مرتفع وبطالة متزايدة وهجرة قوية، في وقت تتردى خلاله المؤشرات الأساسية، وفي طليعتها الحريات والتنمية الانسانية والاجتماعية. نسبة التضخم أو الداء العائد والمرتكز على أسعار نفط ومواد غذائية ومعدنية تعتبر مرتفعة جدا. تبلغ معدلات التضخم العالمية حوالي 6 في المئة، بينما تتعداها في لبنان لتقارب هذه السنة الـ10 في المئة. تعتمد مكافحة التضخم على تحرير الاقتصاد اللبناني من كل العوائق والحواجز خاصة أمام الواردات التي تبقى مرتبطة بقوانين حصريات قديمة تأكل حقوق المستهلك.

يخرج لبنان أكثر فأكثر من خريطة الاستثمارات والاستهلاك الدولية ليعيش منعزلا في الاقتصاد ووحيداً. الخاسر الأكبر من الأوضاع السيئة يبقى الفقير، وتتبعه الطبقات الوسطى التي تذوب بسبب التضخم والاحتكارات والاهمال وسوء الرقابة العامة. هل يهدف الحصار والعصيان الى معاقبة الفقير والعامل والمواطن الذي يتعب كل يوم لتأمين الموارد لعائلته؟ لا نعتقد ذلك. وبالتالي ان استمرار العصيان والحصار الداخليين يعاقبان من لا يجب معاقبته، وهذا في غاية الأهمية. الضغط السياسي على السياسة والسياسيين مشروع، لكن من الخطورة بمكان استعمال معيشة المواطن والفقير في مستنقع الضغوط السياسية. لا شك أن ما يحصل اليوم سيرتد سلبا على جانبي الخريطة السياسية اللبنانية ويعقد الأمور أكثر.

هم المواطن اللبناني حاليا هو أن تمر هذه الأيام الرمادية حتى لا نقول السوداء بسرعة ليهتم بشؤونه الاقتصادية والعائلية والمعيشية، وبالتالي يتماثل بالمواطن السوري والمصري والأردني وحتما الغربي. لا شك أن التوقعات الاقتصادية أصبحت أكثر سلبية، ليس فقط بسبب السياسات الأخيرة المقررة وسوء توقيتها، وانما بسبب غياب الحلول المقبولة التي يتفق عليها أكثرية اللبنانيين، وتحدث بالتالي سلما داخليا طويل الأمد. ينظر المستثمر الى المدى الطويل عندما يقرر استثماراته، وهذا غير مشجع بالنسبة للبنان في الوقت الحاضر. جذور المشكلة الاقتصادية في لبنان سياسية ومؤسساتية وقانونية، وبالتالي ستأتي الحلول من السياسة نفسها. لا يمكن توقع عودة الاستثمارات المباشرة الداخلية والخارجية قبل انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة جديدة وتنشيط عمل المجلس النيابي والمؤسسات العامة. طالما لم تتحقق هذه الشروط الثلاثة، سيصيب المثل العربي المعروف بـ”فالج لا تعالج”.

ان تراجع الحكومة اللبنانية عن أي قرارات اتخذتها تحت الضغط السياسي والأمني والاقتصادي لا يريحنا، ليس دفاعا عن الحكومة الحالية حتما، وانما تجنبا لاسقاط هيبة الدولة والمؤسسات العامة أكثر. ما يحدث في أي دولة وخاصة في لبنان يدخل في الأعراف والسوابق والاجتهادات ويصبح كسر أي قرارات حكومية مستقبلية أسهل بكثير. يجب أن نكون متنبهين الى أن كل ما يحدث اليوم سيسجله التاريخ ويدخل في الحسابات السياسية المستقبلية. ما يجري اليوم في الدولة وفي ما تبقى من مؤسساتها لا يساهم في الانقاذ، وانما في تعميق الجرح وزيادة الخسائر النفسية والمعنوية قبل المادية. في كل حال، كلما طالت الأزمات المنوعة وتتابعت، كلما تعثرت الحلول وارتفعت الخسائر. بقيت نمور شرق آسيا مثلا عشر سنوات قبل أن تستعيد بعض حيويتها الاقتصادية التاريخية المعروفة. لم تكن جذور المشكلة الآسيوية سياسية، بل كانت اجتماعية ومالية ونقدية، وبالتالي كانت العقد والحلول أسهل. لا يمكن للبنان أن يتعافى اذا لم تعد الاستثمارات اليه، وبالتالي النمو الذي يرفع من فرص العمل ويخفف من الهجرة.

اذا قارنا مثلا نسبة الزيادة السنوية للاستثمارات في دول شرق أسيا بين فترتي 1990 - 1996 و2002 - 2006 نرى أنها تبقى دون المعدلات المطلوبة سكانيا واجتماعيا، مما يؤكد على أنها لم تتعاف بعد كليا من أزمة التسعينات القاسية. بينما كانت الاستثمارات ترتفع سنويا في كوريا الجنوبية في فترة 1990 - 1996 بنسبة 12 في المئة، أصبحت تزداد 2 في المئة فقط في الفترة اللاحقة، أي في 2002 - 2006 بينما كان النمو الاقتصادي السنوي يعادل 9.5 في المئة في ماليزيا في الفترة الأولى، أصبح 5.6 في المئة في الفترة الثانية. اذا كان الدخول في الأزمات سهلا، فالخروج منها صعب ويتطلب المناخ السياسي والمؤسساتي والقانوني المناسب. ضمن مستنقع الأزمة اللبنانية الحالية، يجب أن نعي أن الحلول ليست سهلة وتطبيقها أصعب، ويتطلب الكثير من الجهد والوقت والتضحيات، وخاصة النيات الشفافة والحسنة.

تساهم هذه الفترات الاقتصادية المتعثرة في توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. ان تضييق الفارق بين الطبقات الاجتماعية يعتمد على زيادة فرص العمل أمام الطبقات الوسطى وما دون، وهذا غائب تماما في لبنان. من الذي يهتم اليوم بمعيشة المواطن اللبناني ونوعية حياته؟ المواطن مهمل ولا يرفع الصوت، وهذا مدهش الى أقصى الحدود. أما الذي يخفف آلامنا فهو تمكن اللبنانيين من العمل في الخليج المزدهر بفضل النفط وصحة القرارات المتخذة وحسن توقيتها. ان استمرار التحويلات النقدية الى لبنان يمنع الفجوة من الاتساع أكثر، ويخفف بالتالي من حدوث أزمات اجتماعية وأمنية كبيرة.

أخيرا، مر العالم في فترات تكنولوجية خمس كبرى متتالية ساهمت جميعها في زيادة الانتاجية في كل القطاعات. عرفت أولها بالثورة الصناعية، وثم ثورة المحرك البخاري وسكك الحديد. أما الثورة الثالثة فكانت ثورة الفولاذ والكهرباء والصناعات الثقيلة. ارتكزت الثورة الرابعة على النفط والسيارة والانتاج الجملي أو الذي يتحقق على نطاق واسع. أما الثورة الخامسة فهي ثورة الاتصالات والتكنولوجيا التي امتد تأثيرها من الاقتصاد الى الحياة الاجتماعية والثقافية والتعليم والتدريب، فقربت الدول والقارات والمسافات وسهلت التواصل بين المواطنين. ليس من الضروري على كل دولة أو اقتصاد أن يمرا بالفترات الخمس المذكورة، وانما يمكن القفز تماما كما فعل لبنان الذي يستفيد خاصة من الثورة الخامسة، بعد ان كان تأثير الفترات الأربع الأولى محدودا. تكمن أهمية الثورة الخامسة في تأثيرها الكبير والمباشر على انتاجية الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني. لا بد وأن نعود في لبنان الى التفكير في انتاجية قطاعاتنا ومؤسساتنا وشركاتنا بعد أن نخرج من أزمتنا الحالية.

* خبير اقتصادي واستاذ جامعي