الطقس

البورصات الخليجية...والتسريبات

البورصات الخليجية…والتسريبات

16 مايو/أيار 2008

بقلم د. محمد العسومي*
تأثرت البورصات الخليجية سلباً بالهزات القوية التي تعرضت لها أسواق المال العالمية منذ بداية العام الحالي، في الوقت الذي توفرت فيه فرصة كبيرة للأسواق الخليجية لأن تتحول إلى ملاذ آمن للاستثمارات الأجنبية، وذلك لأسباب عديدة، تأتي في مقدمتها النتائج الجيدة للشركات المساهمة الخليجية، على عكس مثيلاتها الأوروبية والأميركية التي مُنيت بخسائر كبيرة في الربع الأول من العام الجاري.
بالإضافة إلى ذلك ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية تجاوزت ولأول مرة 125 دولاراً للبرميل، مما أشاع المزيد من التفاؤل في إمكانية استمرار تحقيق معدلات نمو مرتفعة للاقتصاديات الخليجية في عام 2008.
غير أن أسواق المال في المنطقة غير قادرة حتى الآن على استقطاب الاستثمارات الأجنبية والتي تحتل أهمية خاصة للاقتصادات الحديثة، وذلك على رغم النتائج الجيدة لمعظم الشركات الخليجية المدرجة، وبالتالي فإن هذه الأسواق غير قادرة على استثمار التطورات الإيجابية في الاقتصادات المحلية واستغلال الفرص الاستثمارية التي تتوفر من خلال تطوير الشركات المساهمة وتفعيل دورها التنموي.
أول هذه العوامل المعيقة يكمن في التطور البطيء للبنية التشريعية والقانونية للبورصات الخليجية، والتي لا زالت تعاني من قصور كبير، فالمستثمر الأجنبي، وبالأخص المستثمر المؤسساتي لديه خبرة كبيرة في الأسواق العالمية، وهو يعتمد على دراسة الأنظمة والتشريعات التي تعمل البورصات في نطاقها، وعندما يرى قصوراً في البنية التشريعية، فإنه لا يمكن أن يجازف بدخول هذه الأسواق.
والعامل الثاني، أن هناك قيوداً كبيرة على الاستثمار الأجنبي في البورصات الخليجية، بل إن الخليجيين أنفسهم لا يستطيعون في كثير من الأحيان التداول في أسواق دول المجلس، على رغم الأخذ بالسوق الخليجية المشتركة وتطبيقها مع بداية عام 2008. وهذه القيود لا تتيح لما يقارب 20 مليون وافد مقيم في دول المجلس التداول، ما يعني أن نصف عدد سكان دول المجلس تقريباً هم خارج اهتمامات السوق المالية، حيث يساهم ذلك في زيادة التحويلات للخارج.
عامل ثالث ذو أهمية خاصة يتعلق بالشفافية في البورصات الخليجية، التي تعتبر ضعيفة ولا تتناسب وحجم الأهمية التي تحتلها هذه الأسواق، وإذا ما أخذنا نتائج الربع الأول على سبيل المثال، وهي نتائج جيدة للغاية، نرى أن التسريبات تسبق الإفصاح عن هذه النتائج، فالأسهم ترتفع بصورة ملحوظة قبل إعلان النتائج بفترة قصيرة، ثم تتراجع بمجرد الإعلان عن هذه النتائج، مما يكبد بعض المستثمرين خسائر بسبب توقعاتهم المبنية على نتائج الشركات المساهمة المعلنة حديثاً.
ومثل هذه البيئة لا يمكن أن تشكل عامل جذب للاستثمار الأجنبي، بل إن تأثيراتها على المدى المستقبلي ستكون سلبية جداً حتى على المسربين أنفسهم، فالثقة في أسواق المال ستتراجع أكثر بعد تراجعها الكبير إثر طفرة عام 2005 السعرية التي وصلت معها مؤشرات أسواق المال الخليجية إلى مستويات قياسية بلغت ضعف ما هي عليه الآن.
والحقيقة أن العوامل أو النقاط الثلاث السابقة تنطبق على الأسواق الخليجية بصورة متفاوتة، طبقاً لنضوج كل من هذه الأسواق، فالخبرات التي تراكمت خلال العقدين الماضيين تتفاوت بين بلد خليجي وآخر، إلا أنه في كل الأحوال هناك عوامل مشتركة لابد من معالجتها لتتحول أسواق المال الخليجية إلى مساهم فعال في عملية التنمية، وليس عائق أمامها. وتحقيق ذلك أمر ممكن من خلال تطوير البنية التشريعية والقانونية للبورصات الخليجية، مع الاستفادة من التشريعات المتقدمة للغاية في البورصات الأوروبية والآسيوية، فالأنظمة والتشريعات هناك تشكل ضمانة قوية للمستثمرين، كما أن إدارات البورصات تراقب بشكل دقيق تطبيق هذه التشريعات.
ومن هنا وبناء على التجربة الأوروبية لا نرى أية صعوبات تحول دون وضع حد للتسريبات التي تؤثر على أداء أسهم الشركات المدرجة، وإذا ما حدث ذلك، فإنه يمكن اكتشافه بسرعة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مما يعزز الثقة في أسواق المال الخليجية.
وختاماً فإن معدلات النمو السريعة في دول المجلس تتطلب سرعة تطور مماثلة ومتناسقة لكافة قطاعات الاقتصاد المحلي الرئيسية، بما فيها أسواق المال، وذلك لضمان المساهمة الفعالة لهذه القطاعات من خلال جذب المزيد من الاستثمارات وتأسيس المزيد من الشركات للاستفادة من طفرة النفط الحالية، لتنويع مصادر الدخل، وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي.

 

*مقالة نشرت في جريدة الاتحاد الاماراتية -15مايو/ ايار 2008