النفط . . واقع يسقط الذرائع
4 سبتمبر 2008بقلم غسان قلعاوي*
قيل إن أسعار النفط كانت على جدول أعمال قمة الثماني الكبار الأخيرة التي عقدت في اليابان أخيراً، لكن عمليا يبدو أن هذه المشكلة أو هذه المأساة الانسانية لم تشغل من وقت القمة أكثر مما تتطلبه صياغة العبارة التي تدعو المنتجين إلى زيادة الانتاج وإلى ضرورة سعيهم لزيادة طاقات التكرير . . وذلك في إصرار على ذريعة ازدياد الطلب على النفط ونقص المعروض أو المستخرج منه وهو اصرار أضحى ممجوجا لعظم نصيبه من الضحالة .
لا يعني هذا أننا في حاجة إلى تحليل متعمق لفهم السبب الذي يكمن وراء ارتفاع أسعار النفط بل نعتقد أن هذه المأساة النفطية التي لم تقف حتى تقارير الهيئات الدولية على كنهها تهربا، فيما يبدو، من حقيقتها، لا تحتاج إلى تحليل عميق لإدراك أهدافها وأسبابها إذا نظرنا إلى منحى ارتفاع أسعار النفط قبل وبعد احتلال العراق ففي العام 1973 ارتفع سعر البرميل من 2،59 دولار إلى نحو 5،04 دولار، ثم ارتفع بعد عامين في نهاية عام 1975 إلى 11،5 دولار، ثم تذبذب، فيما يبدو أنه نتيجة للمضاربة والأحداث السياسية ومصلحة الخاصة من الشركات ليصل إلى حدود 30 دولاراً في فترات محدودة (خلال 1979و1980 و1981)، ثم تدنى السعر، بعد ذلك، إلى أقل من سبعة دولارات للبرميل في العام 1986 (تاركا اقتصاد الدول المنتجة التي تعودت على الدخول النفطية المرتفعة في مأزق حقيقي دعاها إلى الاقتراض وترشيد الإنفاق ووقف الكثير من مشاريع التنمية كما يذكر الجميع)، ثم تأرجح بعدها السعر بين 15 و20 دولاراً للبرميل وقفز بعدها خلال السنوات الخمس منذ احتلال العراق من نحو 25 دولاراً إلى أكثر من 140 دولاراً للبرميل ومع ذلك يحاول العالم أن يلوك هذه الزيادة محاولا ابتلاعها بصرف النظر عن عدم قابليتها للهضم مستعينا بذرائع إعلامية يقترب بعضها من حدود القحة عندما تشير إلى نقص في العرض وضعف في الانتاج عن ملاقاة الطلب الذي ازداد بزيادة الوجبات التي يتناولها الانسان الهندي الذي كان يتناول وجبة وحيدة في يومه، وبتحول بعض سكان الكهوف في الصين إلى أكواخ تقربهم من صفتهم البشرية، ثم تختلط تلك الذرائع ببعضها عندما تدخل مسألة طاقات التكرير التي لا تلبي الحاجات في تناقض واضح لتبرير ارتفاع أسعار النفط الخام، أي قبل التكرير .
المنتجون أكدوا أن الأمر لا يتعلق بالعرض والطلب وأحالوا الأمر إلى المضاربات وانخفاض قيمة الدولار في تبرير يحمل الكثير من الأدب والدبلوماسية دفعا للحرج في كشف ما هو أكبر من لعبة المضاربات أو تخفيض قيمة الدولار .
والهيئات الدولية التي يفترض أن تتصدى لهذه المأساة العالمية لم تفعل القليل ناهيك عن الكثير حتى ولو على صعيد تأييد تلك الذرائع بالإحصاءات والبيانات لتؤكد أن الارتفاع في الأسعار مرده سعة الطلب وقصور الإنتاج، وعندها لابد من أن تفصح عن أن سعة الطلب تتعلق بالمشتقات النفطية لا بالنفط الخام، فإذا كان الأمر يتعلق، حقا، بعجز في طاقات التكرير فإن المفترض أن ترتفع أسعار المشتقات البترولية وتنخفض أسعار مخزون النفط الخام الذي لا يجد مصافي لتكريره .
هذا ما كان على الهيئات الدولية أن توضحه، لكنها خلافا لذلك قادتنا، عندما كُلّفتْ من قبل الاجتماعات الممهدة لقمة الثماني ببحث القضية، إلى حيرة أكبر على نحو زاد الأمر غموضا “يبدو أنه غموض مطلوب”، في الوقت الذي كنا ننتظر وينتظر العالم منها أن تأتي ببيانات حقيقية عن احجام العرض والطلب وطاقات التكرير وحجوم المخزون من هذه المادة التي تحرك اقتصاد العالم لكنها لم تفعل، وفي الغالب أنها لن تفعل ولو طلب منها استمرار البحث وعرضه على اجتماعات قادمة للمنتجين والمستهلكين . لذلك قد يكون أقرب إلى الفهم، في حدود الواقع المعاش، أن تفسر الزيادات التي تجاوزت المعقول “العلمي والمنطقي” في أسعار النفط بأنها تستهدف:
تحقيق أكبر مردود ممكن من استباحة نفط العراق يقتسمه المتحالفون على استباحته .
اشعال حرب اقتصادية ضد الاقتصاديات الناشئة في الصين والهند وأمثالهما .
ضمان جدوى زراعة وانتاج “الوقود الحيوي” حيث يؤدي ارتفاع اسعار النفط إلى تسويق مزروعات الطاقة الحيوية بأسعار مجزية وقد يكون في ذلك رد على رفض الدول ذات الاقتصاديات الناشئة استمرار دعم المزارعين في الولايات المتحدة في محادثات التجارة الحرة .
السعي إلى تسويق الطاقة النووية كطاقة بديلة يمكن قبول تكلفتها المرتفعة وخطرها الجسيم وتبعيتها المطلقة في ظل أسعار النفط التي تخترق الحواجز والحدود حواجز المنطق وحدود العلم . لهذا لن تفعل شيئا قمم الثماني سوى البحث عن الوسيلة التي تكرس نظام الجوع والوجبة الواحدة لسواد البشر، كما لن تفعل شيئا الهيئات الدولية والاقليمية لأنها ترى رؤية قمم الثماني . ولن تفلح منظماتها في تقديم احصاءات تبرز الواقع والحقيقة في مأساة النفط وتدعو العالم إلى التعاون في سبيل علاجها . وستبقى الذرائع تحقيقا لأكبر قدر من الأهداف المشار إليها تدور في إطار نقص المعروض وعجز الطاقة التكريرية المتناقضين في تبرير ارتفاع أسعار النفط الخام، ويظل في دائرة اللوم ازدياد الطلب على النفط من قبل المجتمعات الناهضة التي أصبحت تأكل أكثر من وجبة، وسيبقى المنتجون على لائحة الإدانة والاتهام لنقص المعروض . وستبقى الذرائع على هذا النحو، في النفط وفي سواه، تكذبها الوقائع إلى أن يلهم الله البشرية سبل الأوبة إلى إنسانيتها .
* باحث في شؤون المال والاقتصاد
(مقالة نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية في تاريخ 3 أيلول/سبتمبر 2008)


