لماذا نستمر في إهمال حقوق المستهلك؟
3 سبتمبر 2008بقلم لويس حبيقة
يعتبر المستهلك ركيزة المجتمع الاقتصادي، وعليه يبنى الاقتصاد العام. يشكل الاستهلاك الجزء الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي في كل المجتمعات المتطورة. نرى المستهلك مهملا في النقاش الاقتصادي، ليس فقط في لبنان بل في كل الدول العربية. ما يجذب الإعلام دوليا هو الإنفاق الإعلاني الذي تقوم به الشركات لتسويق سلعها وخدماتها، وبالتالي يرتكز الخطاب الاقتصادي على ما يفيد عملها ويرضي أصحابها. في كليات الاقتصاد وإدارة الأعمال، يجري التركيز ايضا على ما يرفع من قيمة الشركات وربحيتها أكثر مما يفيد ويصون حقوق المستهلكين. نعلم جميعا أهمية دور القطاع الخاص في تمويل مشاريع البحوث والتطوير، وفي إعطاء منح للطلاب وتمويل العديد من النشاطات الترويجية والدعائية والتربوية كالمؤتمرات والندوات وحلقات الحوار. المطلوب توجيه الاهتمام أكثر نحو المواطن والمستهلك دون إهمال الأقسام الأخرى من الاقتصاد الوطني الذي يبقى وحدة متكاملة.
أين هي حقوق المستهلك ومن يدافع عنها في غياب جمعيات عربية فاعلة وشفافة؟ تنبع حقوق المستهلك العربي من حقوق المواطن ومن الحريات التي تعتبر محدودة في أفضل الحالات. أين هم المواطنون الذي يشتكون علناً وليس سراً من سوء خدمة بعض الشركات أو من الضرر الذي لحق به من بعض مقدمي الخدمات ويدعون عليهم في القضاء؟ اذا سكت المواطن ولم يطالب علناً بحقوقه، فلا مجال للإصلاح وبالتالي يستمر سوء المعاملة. عندما تسعى أي دولة لخفض إنفاقها، نرى أنها تقوم أولا بخفض موازنات المكتبات والبحوث والتأمين والرقابة والصيانة، وتبقي على الهدر والفساد الغنيين في مشاريع البنية التحتية والإنشاءات الكبيرة. لو هدفت الحكومات الى احترام حقوق المواطن والمستهلك لربما فعلت العكس تماما. أين هو المواطن ليردع حكوماته ويفرض عليها تغيير أولويات الإنفاق باتجاه احترام حقوق المواطن العادي الذي يبقى أساس المجتمع المعاصر وتلبية حاجاته.
في الحريات، هنالك جوانب ثلاثة مترابطة وهي السياسية والمدنية والاقتصادية. من الصعب احترام بعضها دون الأخرى، وهذا ما حاولت القيام به حكومات غربية عدة في العقود الماضية. فهل تحترم هذه الحريات جميعها لبنانيا وعربيا، وهل يمكن الوصول الى مجتمعات متطورة اذا ما أهملت العلاقة الثلاثية المذكورة؟ في كل حال ماذا يريد المستهلك؟ سلعا وخدمات جيدة بأسعار مقبولة. فهل هذا كثير، ومن هي الجهات الرقابية الرسمية الشفافة والنزيهة والمتخصصة التي تعاقب من يخل بهذه العلاقة بين المنتج والمستهلك؟ هل يمكن اعتبار بعض التجارب العربية في هذا الاطار مشجعة؟ ماذا ينفعنا وجود قوانين على الورق كما هو الحال في لبنان منذ سنوات اذا لم تطبق بشكل صحيح وكامل بسبب بعض العراقيل أو التأخير في الأمور التنفيذية الأساسية؟
في كل حال، يرتكز النقاش الاقتصادي العربي على دور الشركات وأرباحها كما على طبيعة الإنفاق العام وجدواه، ويبقى المستهلك غائبا. يجب أن نعلم انه لا يمكن لأي شركة كبيرة أو صغيرة أن تنجح اذا أهملت حقوق المستهلكين. »المستهلك هو ملك« وبالتالي يجب إرضاؤه للنجاح. علمنا »جون كينيث غالبريث« منذ عقود أن للمستهلك حاجات ومن لا يلبيها يخسر. كان »هنري فورد« مؤسس الشركة يقول انه يرغب في إرضاء المستهلك طالما رغب في شراء سيارة فورد معينة وسوداء. لا يمكن إملاء الشروط على المستهلك الذي له أفضلياته التي ربما تكون أحيانا غير منطقية. فهمت شركة فورد طبعا منذ عقود أنها لا يمكنها أن تستمر اذا لم ترضِ المستهلك في كل شيء. لذا ٢٠٪ من السيارات التي تنتجها فورد هي من الكبيرة والمعروفة بالـSUV التي تستهلك الكثير من الوقود وتلوث الجو، لكنها مرغوبة من المستهلك لأنها تؤمن له الحماية اذا ما حصلت حوادث سير. فالمستهلك يعرف تماما أن هذه السيارات الرياضية تستهلك وتلوث لكنه يرغب في شرائها، وبالتالي يفرض على شركات السيارات إنتاجها بكل الأشكال والألوان لإرضاء رغباته في السلامة له ولعائلته.
نذكر هنا ان شركة وولمارت Walmart وهي اكبر سوبرماركت في العالم، فشلت في اختراق السوق اليابانية لأنها لم تحترم أذواق المستهلك الياباني وتقاليده. أنفقت وولمارت حوالى مليار دولار لاجتذاب المستهلكين، إلا ان اليابانيين يفضلون محلات البيع المتخصصة ذات الجودة العالية والأسعار المرتفعة وليس السوبرماركت الشعبي الذي يبيع في مكان واحد كل شيء، من الدجاج الى التلفزيونات والثياب والكتب وغيرها. ما يصلح في الولايات المتحدة لا يصلح بالضرورة خارجها، وها هو المستهلك الياباني يفشل أهم مؤسسة بيع بالتجزئة في العالم. أما الخطأ الثاني الذي ارتكبته وولمارت وهو تعيينها مديراً غير ياباني لاستثماراتها، أي شخص يجهل العقلية والتقاليد اليابانية وبالتالي يتعلم وهو يقوم بعمله. ربما لو اختارت وولمارت مديرا يابانيا لتجنب بعضا أو معظم أخطائها. لا بد هنا من أن نذكر أن رئيس شركة »نيسان« للسيارات كارلوس غصن كاد يفشل في بداية عمله عندما أتى الى طوكيو مع برنامج إنقاذي مدروس في باريس، ان تراعي مصالح المستهلك وتسعى لاجتذابه، اذ يبقى هو اولا واخيرا المسبب للنجاح والفشل في كل الدول والمجتمعات.
يساعد التطور التكنولوجي على حماية حقوق المستهلك أو بالأحرى على وصوله الى حقوقه بسرعة أكبر. فالانترنت ساهمت في تعزيز شفافية الاسواق وفي خفض الأسعار لأنها وسعت المنافسة ليس فقط في الداخل وانما ايضا دوليا. سمحت للمستهلك باختيار الافضل من منزله وبالتالي بتكلفة منخفضة جدا. يحاول المستهلك الحصول على عروض عبر الشبكة ويختار منها الافضل له. تشير الاحصائيات الاميركية الى ان المستهلكين الذين يبتاعون سيارة عبر الانترنت يدفعون ٢,٢٪ أقل للسيارة نفسها من الذين يشترونها من صالات العرض. الفارق ليس قليلا، خاصة للسيارات الكبيرة الفخمة. كما ان الشراء عبر الانترنت يمنع التمييز بين مستهلك وآخر بسبب الجنس أو العرق أو العمر أو الشكل أو العلم أو الخبرة أو غيرها من الخصائص المرتبطة بالفرد لا بالسلعة أو الخدمة.
هنالك قوانين تحمي المستهلك في كل الدول الغربية. لا بد من ان نذكر هنا الدور الكبير الذي لعبه المحامي اللبناني الاصل »رالف نادر« الذي أقام دعوى في الستينيات على الشركة العملاقة »جنرال موتورز« عندما لم يجرؤ أحد على توجيه أي نقد علني إليها. أجبرها قضائيا، بالرغم من التهديدات، على استرداد عدد من السيارات التي لم تكن سليمة وبالتالي ساهم في تغيير حقوق المستهلك في المبدأ والتطبيق. تغيرت طبيعة حقوق المستهلكين الاميركيين، بدءاً من رالف نادر وتتطور كل يوم. لا بد من ان يكون لنا في المنطقة العربية أشخاص يغامرون عن حق لمصلحة مجتمعهم وليس للمنفعة الشخصية الوجاهة الاجتماعية. ما زالت مبادئ الخدمة العامة غير متطورة في مجتمعاتنا، ولا بد من دور كبير للعائلة اولا وثم للمدرسة في هذا الاطار.
أخيراً، لا بد من أن نذكر الدور الكبير الذي تلعبه شركات الإقراض الجزي أو الوحدي لجلب المواطن الى الانتاج وثم الاستهلاك. هنالك ما يفوق ٣ آلاف مؤسسة إقراض وحدي في أكثرية دول العالم تقرض لأكثر من ٩٢ مليون شخص، مما يسمح لهم بدخول مجتمع الانتاج الرسمي، وبالتالي رفع مستوى استهلاكهم. لا بد من ذكر الدور الكبير الذي لعبه ويلعبه »محمد يونس« الذي حاز جائزة نوبل للسلام الذي طور الإقراض الجزئي في بنغلادش ليس فقط في النظريات وانما خاصة في التطبيق.
(مقالة نشرت في صحيفة السفير اللبنانية في تاريخ 3 أيلول/سبتمبر 2008)


