الطقس

ملاحظات مبسّطة في قضايا مالية كبرى

ملاحظات مبسّطة في قضايا مالية كبرى

23 اغسطس 2008

بقلم الدكتور طوني الشويري*

 لقد أوجدت العولمة حالات متورمة من التداول لأدوات مالية ومشتقاتها من جانب المصارف والمودعين والمستثمرين على حد سواء، تعمل وفق نمط خاص بها، له قوانينه المبتدعة وممارساته المنغلفة والمتفلتة في آن واحد. هذه الوضعية افلتت من الرقابة المالية التي لم تستطع هيئاتها الناظمة ان تضع حدودا لضبط العمليات وتحديد الاحجام والخسائر الا في مجالات ضيقة، منها اعلان الافلاس الظاهر. وتدخل في هذا المجال الخيارات والمنتوجات المالية والمقايضات، على تعددها واختلافها، والـ”سوابات” التي ترتكز على مجموعة من الفوائد والاسهم والسندات كل على حدة ويدخلها ايضا بعض المؤشرات في أحيان أخرى.

  واستخدم بعض الصناديق، ومنها ما يخصّ التحوّط، هذه الادوات ليبلغ حجم العقود الآيلة والآجلة اضعاف المراكز الحقيقية، مع ما تحمله هذه الظاهرة من احتمالات وقوع المصارف والمستثمرين في خسائر.

  وتستدعي هذه الظاهرة المطالبة برقابة فعلية على هذه الادوات ومديريها، ومراجعة الاسس المحاسبية لمراكزها وكذلك مؤشراتها المالية.

 وبغية الحدّ من المخاطر وانكشاف المراكز المالية للمتعاملين (مصارف ومستثمرين) والمتغيرات غير المنضبطة في الاسواق، لا بد من اعادة النظر في نسب المطلوبات الى الموجودات وفي الوقت عينه نسب تقلّص الموجودات للايفاء بالالتزامات ومستحقاتها. كذلك تتطلب تفعيل اتفاقات “بازل 2″ وتوسيعها بغية عدم توريط المصارف والمؤسسات المالية والصناديق السيادية في سوء استخدام المنتوجات المالية وتاليا انكشافها لكل مخاطر تحديد الاسعار وخسائرها.

 وفي السياق والمنهج عينهما تأتي أزمة الاسواق العقارية حيث معاناتها من سلامة الافصاح ودقة البيانات المحاسبية وصحة التدفقات النقدية. وقد تجلت في مجموعة من القروض المتعددة الآجال والمبالغ لمقترضين غير مليئين اساسا بحسب الاصول المصرفية المتبعة، مراهنة على ارتفاع في اسعار العقار يغطي الفوائد والاخلال في سداد اقساط القرض مما يصبّ في تغطية التشوّهات في القرار الاقراضي لدىادارة المصارف التي ركزت على ارتفاع قيمة الرهون على حساب امكان سداد القرض.

 هذه الارضية ساعدت مصارف الاستثمار ومستثمرين محليين واجانب ليبنوا عليها منتوجاتهم المالية ومشتقاتها، على اساس التوقعات الايجابية لارتفاع الاسعار مما افقدها التقدير الجيد لمخاطر الاسواق العقارية والتقويم الائتماني الصحيح لاصل القروض واساسها وامكانات تحصيلها وطبيعة المقترضين. ونجمت عن ذلك خسائر تفوق التريليون من الدولارات حتى الآن، مما اوجب تدخل المصرف المركزي الميركي وبعض الصناديق السيادية لضخّ السيولة، ولاعادة رسملة بعض المصارف ومؤسسات التسليف والاستثمار.

 ان تلك المسائل تطرح تساؤلات عدة حول توجهات المصارف والمستثمرين حيال القطاع العقاري اللبناني والعربي والخليجي، وضرورة تدخل المصارف المركزية لتقييد الاستثمار والاقراض في هذا القطاع الحيوي تجنبا لازمات اربع قد تلحق بها، هي: السيولة، واعادة الرسملة، والارتفاع القياسي في الاسعار، والمشكلات الاجتماعية الناجمة عنها.

 ان ارتفاع اسعار السلع والخدمات الى مستويات قياسية وفّر فوائد حقيقية سالبة لدى المصارف مقارنة بين الاسعار الاسمية للفوائد ونسب التضخم ومؤشراته في الدول التي تربط اسعار عملاتها المحلية بالدولار، وكذلك اسعار فوائدها. وقد دفعت هذه الحال المصارف الى التوّسع في قاعدة الاقراض لمختلف القطاعات والمؤسسات والافراد، مركزة على العائدات على حساب المخاطر من دون تدخل مباشر من هيئات الرقابة لضبط هذه الظاهرة. ولعل حال الاشباع هذه التي بلغتها المصارف نتيجة الاقراض المتفلت في اسواقنا المحلية العربية على العموم، جمدت مؤشرات مضاعف الارباح او اسعار السوق مقارنة بالسعر الدفتري المكتتب به. لذلك، لم تلحظ اسواق الاسهم والسندات والصكوك اي تطورات ايجابية رغم الوضع الاقتصادي الجيد والارباح المرتفعة للمصارف والشركات.

كذلك، فان دخول رأس المال الاجنبي الى الاسواق العربية بغية الافادة من الطفرة النفطية والارباح المضخمة في قطاعي المصارف والعقار، ينتظر ايضا اللحظة المناسبة للخروج منها.

وتوجب هذه المسألة التحوط المستقبلي، لانها تتسبب بتوترات كبيرة لا يمكن تقديرها في الاسعار المحلية للاسهم والسندات والصكوك ومستويات الاحتياط الاجنبي من العملات. وتنعكس سلبا على الدورة الاقتصادية ونتائج الشركات القيادية مستوى النمو الحقيقي. وفي هذا المجال، لا بد من الاحتذاء بتجارب النمو في شرق آسيا في العقد المنصرم، وخصوصا عندما اتبعت حكومات تلك الدول ومصارفها المركزية سياسة التدخل في الاسواق لحماية المؤسسات الوطنية والامن الاجتماعي.

من هنا، نقترح ان تتبع المصارف المركزية المعنية سياسة لجم الاقراض ضمن مستويات معينة وفي قطاعات قيادية، وان تفرض بعض المعوقات امام بيع منتوجات التجزئة لدى المصارف، واجراء اعادة نظر ثاقبة في عمل عقود صناديق الاستثمار وصناديق التحوّل في الداخل والخارج وطبيعتها بغية حماية المصرف والمستثمر في آن واحد. ونتفهم جيدا قرار تأجيل موعد انطلاق الوحدة النقدية بين دول الخليج لعدم توافر الآلية المشتركة التي تساعد في استقرار العملات والفوائد من جهة، ولجم التضخم والانفلاش في الصرف من جانب الموازنات العامة وتحقيق النمو من جهة أخرى.

ومن اجل تهدئة المخاوف من تأثير الاستثمارات السيادية في القرارات الاقتصادية للدول المعنية بالاستثمار والتوظيف من اميركية واوروبية، عمدت الصناديق السيادية وخصوصا الخليجية منها الى اعادة نظر جذرية في سياساتها التقليدية بالتوظيف المباشر في الاسهم والسندات المتنوعة في الشركات القطاعية والمصارف القيادية، وفق قواعد وضعها خبراء اجانب لحماية المصالح الاساسية لدولهم آخذين في الاعتبار اولويات حاجات التوظيف فيها. ومن السياسات المقترحة، التوظيف في صندوق الصناديق للحد من التأثير المباشر في قرارات مجالس الادارة والجمعيات العمومية للشركات المعنية.

الا ان الظاهرة الاخطر تتمثل في احتمال ان يصعب على القيمين على الصناديق السيادية تبيان كيف توظف اموالهم وأين، ومددها وعائداتها والنتائج المتوخاة منها في بعديها النقدي والسياسي. ولعل آلية عمل صندوق الصناديق وقواعده تجعل المرء يتكهن بان عملياته الاستثمارية في هذه الحال ستتوجه الى سدّ الحجوزات النقدية والمالية للمشاريع والمؤسسات الكبرى المؤثرة في القطاعات الانتاجية والفاعلة في الاسواق المالية. وتتطلب هذه التساؤلات تدخلا من الحكومات مالكة الصناديق السيادية لاتخاذ القرار السياسي الجريء الذي يضمن سلامة توظيفاتها والقدرة على تسييلها عند الحاجة وبعائدات ملموسة ومعقولة.

  في ظل المعمعة القائمة في اسواق التداول المحلية والدولية، تبرز حقيقة ساطعة تقضي بضرورة المحافظة على ثروات المساهم والمستثمر الصغيرين ومصالح الاقلية المساهمة في كل المؤسسات، وعدم تعريضها للاضمحلال وخطر الزوال من جانب المساهمين الكبار المسيطرين على القرارات الكبرى ومجالس الادارة والجمعيات العمومية، ومن المضاربين الكبار الذين يؤثرون في توجهات الاسواق حملة المحافظ الكبار الذين يملكون معلومات خاصة.

  ومن الضرورة ايضاً الانتهاء من عمليات الاستحواذ القسري من المؤثرين الكبار في اسواق التداول للشركات والمؤسسات التي تتسبب بذبذبات غير منضبطة في قيمها الحقيقية وشكوكا في غير محلها في سياسات الادارات المعنية. وهذا يتطلب تنفيذ القوانين المرعية الاجراء التي تقضي بالافصاح عن رغبات المساهمين الكبار في الشركات الذين يملكون فيها حصصا تراوح بين 5 و 10 في المئة، وتوضيح نياتهم وخططهم المستقبلية.

  كذلك، لا بد من تخفيف عقود الخدمات التي تبرمها مجالس ادارة الشركات مع شركات شقيقة بغية خفض الاعباء على ارباح الشركات وتاليا على توزيعها.

  ومن اجل تطوير الاسواق المالية وجعلها اكثر فاعلية، لا بد من المحافظة على ثروات طبقة وسطى عريضة من المستثمرين والمودعين الصغار عبر المشاركة الجدية لهؤلاء في صنع القرار المصرفي والمالي والحد من غلواء المساهمين والمستثمرين الكبار في اتجاه قرارات التوسع والمنافسة عبر اصدارات لادوات مالية كثيرة المخاطر ولكنها قليلة الجدوى.

 ولقد اثبتت التجارب ان نظرية السوق القادرة على تصحيح الاختلالات النقدية والتشوهات المالية وتوجيه الموارد الاقتصادية نحو الاستخدام الامثل، هي نظرية سياسية بحت يستخدمها الكبار في صنع القرارات خدمة لمصالحهم الخاصة والآنية. وفي عالمنا العربي، لا بد من الانكباب على تطوير قاعدة اقتصادية تنموية منتجة تشارك فيها جميع القطاعات والمناطق والطبقات لكي تحميه من غدرات السوق.

 * مستشار مصرفي ومالي

(مقالة نشرت في ملحق خاص بالمصارف صادر عن صحيفة النهار اللبنانية بتاريخ 1/8/2008، من إعداد الزميلة فيوليت البلعة)