الطقس

دور المصارف في تمويل الدين العام وانعكاساته على مخاطر القطاع

دور المصارف في تمويل الدين العام وانعكاساته على مخاطر القطاع

23 اغسطس 2008

بقلم الدكتور منير راشد *

 منذ انتهاء الحوادث، استمر الدين العام في الارتفاع المطرد. اذ بينما بلغت نسبته 50 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي عام 1991، تصاعدت هذه النسبة في الاعوام التي تلت بسبب تسارع الانفاق على إعادة الإعمار والإنفاق الجاري، بينما تخلف الإصلاح الضريبي وكذلك الجباية الضريبية. وساهم ايضاً في نمو نسبة الدين ضعف النمو الاقتصادي، اذ كانت الفوارق كبيرة بين الفائدة الحقيقية (التي تساهم في رفع نسبة الدين) والنمو الحقيقي (الذي يساهم في خفض عبء الدين). ورغم التحسن الملحوظ في الميزان الأولي منذ عام 2002 وفوارق أسعار الفائدة، فقد استمرت نسبة الدين في الإرتفاع لتصل إلى 177 في المئة من الناتج مع حلول العام المنصرم رغم تمويل جزء مهم من العجز عبر إعادة تقويم أصول مصرف لبنان من الذهب (ولا تعتبر هذه من القواعد السليمة للتمويل، اذ لم يتم تسييل الذهب فعليا).

 ولا بد من إيضاح المخاطر السيادية والمصرفية لدور المصرف المركزي الذي كان ولا يزال المصدر الأساس لتمويل العجوز المتتالية على مدار عقدين، وخصوصا بعد التحويل الواضح مطلع 2002 حين تزعزعت ثقة المصارف بسندات الخزينة مما دفع المصرف المركزي إلى أن يأخذ على عاتقه تمويل جزء مهم من الدين العام والعجوز المتتالية.

 ورافقت هذا الارتفاع في الدين العام زيادة ودائع المصارف لدى المصرف المركزي لامتصاص السيولة ودعم احتياطاته. وبذلك عزّز المركزي دوره كوسيط على حساب المصارف التجارية (إذ أصبحت حيازة المصرف المركزي للدين نحو 20 في المئة منذ ذلك الحين).

 المخاطر السيادية

 ورغم ان الدين العام يثير مخاطر القدرة على إيفاء الدين للمستثمرين بما فيه المودعين في المصارف نظراً الى حجمه وآجال استحقاقه، لا يزال الاقتصاد اللبناني يحظى بتصنيف عالمي يوازي أو قد يكون أفضل من دول اخرى ذات ديون عامة أقل مما هو في لبنان. فعلى سبيل المثال، تصنّف وكالة “ستاندرد اند بورز” و”فيتش” و”موديز” الاقتصاد اللبناني B-B-,BB تباعا في مقابل تصنيف متوسط مقداره +B2B,B لـ23 دولة تعاني أعباء الدين، ولكن يتعدى حدها الاقصى 100 في المئة. وهو تصنيف غير مجحف اذا اخذنا في الاعتبار حجم الدين العام ومتطلبات خدمته (التي توازي نصف الايرادات).

 ورغم هذا التصنيف المنخفض، لا تزال المصارف على استعداد لتمويل الدين العام وإن بدرجات أقل مما كان عليه.

 إن الوضع الصافي للأصول الأجنبية أصبح مثيرا للقلق في الاعوام الأخيرة، إذ انخفضت حيازة المصرف المركزي إلى 3,5 مليارات دولار في مقابل 9 مليارات دولار عقب مؤتمر باريس 2. وباعتماد الأصول السائلة فقط (أي باستثناء الذهب) يصبح صافي الأصول سالباً أي بحدود 6 مليارات دولار في نهاية 2007، ويعزى ذلك الى ارتفاع ودائع المصارف وكذلك أفضلية حيازة الاصول الخارجية.

 وتشكل الدولرة ايضا احد مصادر المخاطر لميزانية المصرف المركزي. اذ ارتفعت نسبتها للمصارف إلى 75 في المئة مع نهاية 2007 في مقابل 65 في المئة في 2003. وقد نتج منها الاخلال بالتوازن بين أصول المصارف بالدولار وخصومها، مما حدا بها إلى تسييل سندات سيادية مقوّمة بالليرة وتحويلها أصولاً مقوّمة بالدولار، الأمر الذي دعا المصرف المركزي إلى إحلال حزء من حيازته من السندات بالليرة بودائع مقوّمة بالدولار سواب بغية الحد من تدفق بالأصول الأجنبية إلى الخارج، مما يؤدي إلى تدهور وضعه الصافي الأصول الأجنبية. كذلك، فان دولرة الدين العام تزيد من الضغوط على الاحتياطات وادارتها.

 وساهم ثبات أسعار الفائدة وانخفاض الفارق بينها وبين اسعار الفائدة العالمية، في خفض أعباء الدين وتقليص المخاطر الناتجة من تقلبها. وجدير بالذكر ان الانحراف المعياري لتغيّر أسعار الفائدة للمصارف اللبنانية كان أقل منه مقارنة بمعظم الاقتصادات الناشئة النظيرة خلال 1998 - 2007.

 كذلك ساهم تمديد متوسط آجال الدين في خفض مخاطر تقلب الفوائد.

مخاطر المصارف

 أما في ما يخص المصارف الخاصة، فان مخاطرها تنشأ الى حد بعيد من مدى اعتمادها على الأصول السيادية مما ينتج منها انخفاض التنوع في محافظها ومخاطرها الواردة اعلاه. فقد بلغ نصيب أصولها المحلية المستحقة على الحكومة ومصر لبنان 80 في المئة من الاجمالي في نهاية عام 2007. ومع ان بعضهم يعتبر ان مخاطر ودائع المصرف المركزي هي أقل خطراً منها للحكومة، اذ ان الأخيرة قد تجبر على التوقف عن خدمة ديونها المحلية بالعملة المحلية إذا نفدت مواردها، في حين ان المصرف المركزي يستطع دائماً التزام مستحقاته بالعملة المحلية عبر إصدار العملة، وإنما على حساب التضخم. أما في ما يخص الالتزامات بالعملات الأجنبية، فالأمر مغاير، كون قدرة الدولة على الحصول على اصول اجنبية لدى المصرف المركزي قد تكون محدودة.

 في أي حال، إن التمييز عادة ما يكون غير واضح وخصوصا في خلال حلول الأزمات. إلى ذلك، ومع ان إقراض المصارف للحكومة يعرّضها لمخاطر مرتبطة بقدرة الدولة على خدمة الدين، إلا انها تشجع في الوقت عينه المصارف على الاستمرار في تمويل الدولة كي تحافظ على كيانها المالي، ولن يكون من مصلحة المصارف ان تتعثر الدولة مالياً.

 ومن المخاطر الأخرى للمصارف، اختلاف آجال الاستحقاق (maturity mismatch) للأصول والخصوم الأجنبية. ففي حال سحب الودائع وتحويلها الى الخارج، قد تلجأ المصارف إلى استخدام أصولها في الخارج كخط دفاع أولي، ومن ثم تستخدم ودائعها لدى المصرف المركزي. الا ان مثل هذا القرار بقدرة مصرف لبنان على إدارة احتياطاته عبر استخدام سياسته لسعر الفائدة بغية تقليص هذه المخاطر. اذ ان آجال الودائع لا تتعدى الشهر الواحد في المتوسط، بينما تراوح آجال سندات الخزينة بين سنة و 6 سنوات.

 ويتعرض أيضاً الوضع المالي للمصارف لمخاطر ثبات الودائع (Rollover Risk). وتعير المصارف اهتماما خاصا الثبات ودائعها، وهي في معظمها قصيرة الأجل. ولكن الأزمات السابقة أثبتت أن المودع (وخصوصا اللبناني) يحافظ على ثقته بالجهاز المصرفي رغم الظروف الصعبة التي عاناها الاقتصاد. ومما يعزز هذه الثقة، الالتزام المتواصل للحكومة بخدمة مستحقاتها بما يشير إلى قدرة الدولة على تحمل الدين (debt tolerence) ، وبما يعزز الثقة أيضاً. فقد تخطى الاقتصاد أزمة عام 2006 باستخدام 1,5 مليار دولار من الاحتياطات. ولم يتعد هرب رؤوس الاموال الـ3 مليارات دولار. كذلك، فان مخاطر سعر الصرف قد لا تستبعد، وتنبع من أصول المصارف للقطاع الخاص المقوّمة بالعملة المحلية. ففي حال انخفاض سعر الليرة، قد تتفاقم اعباء خدمة الدين لتلك المؤسسات غير المصدرة ولقدرتها على الايفاء.

 وكخلاصة، ان الترابط بين مخاطر المصارف بسبب حجم حيازتها من السندات السيادية وقدرة الدولة على الايفاء بالتزاماتها يخفف من وطأة هذه المخاطر. اذ ان اي أزمة مالية للسندات السيادية ستلحق بالمصارف. أضف الى ذلك، الدور الايجابي للروابط الاقتصادية القوية الإقليمية والدولية. كذلك، يتميّز الدين العام بكونه ديناً محلياً (يوازي الدين المحلي 85 في المئة من إجمالي الدين) والجزء الخارجي معظمه ثنائي. الى ذلك، فان الاحتياطات تفوق الـ 20 في المئة من الدين العام، وتحافظ المصارف على توازن كامل بين أصولها وخصومها المقوّمة بالعملات الأجنبية مما يجنّبها مخاطر سعر الصرف. وتشير هذه العوامل مجتمعة إلى ان القدرة على ايفاء الدين العام هي اقل خطورة رغم خفض التصنيف السادي من جانب وكالة “ستاندرد اند بورز” اخيرا. ولكن، يجب الا ننسى ان الوضع الذي ساد في حينه من استغلال لموارد المصارف، قد حرم القطاع الخاص موارد قيّمة بكلفة مدنية الأمر الدي عوّق نموه.

*نائب رئيس الجمعية الاقتصادية اللبنانية، واقتصادي سابق في صندوق النقد الدولي

(مقالة  نشرت في ملحق خاص بالمصارف صادر عن صحيفة النهار اللبنانية بتاريخ 1/8/2008، من إعداد الزميلة فيوليت البلعة)