شبكات الامن الاجتماعي ترسل صرخات الاستغاثة
23 اغسطس 2008بقلم المحامي ميشال فلاّح *
تحدثنا في مقالة سابقة عن الفقر كظاهرة عالمية، ومررنا بسرعة على بعض الارقام والاحصاءات حول تطور هذه الحالة الاجتماعية والاقتصادية في العالم. وقد لا يقتصر الحديث عنه إلا بمقاربة السياسات الحكومية إزاء مواجهته أو درس أسبابه، من هنا كان مفهوم شبكات الامن الاجتماعي.
فنادراً ما تقارب السلطة موضوع الفقر ومدى انتشاره. وغالباً ما يتعاون اصحاب السلطة ورجال الاعمال على انكاره واخفاءه انطلاقاً من مفهومين، الاول هو النظر الى الفقر نفسه كعيب اخلاقي، والثاني نسبته الى مصدر خارجي (ابعاد، الفوارق الطبقية في لبنان، العدد السادس، أيار 1997).
وانتقلت سياسات الحكومات في مختلف دول العالم من البحث عن اسباب الفقر، الى البحث عن سبل مواجهته ضمن اطار عام، تنساق ضمنه المعاني والوظائف الملموسة لما اصطلح على تسميته بـ “شبكات الامن الاجتماعي والصناديق الاجتماعية” (Social Safety Nets and Social Funds).
وقد راوحت هذه السياسات بين التخفيف من الفقر (Alleviation) وبين تقليصه أو الحد منه (Poverty Reduction) واقتلاع جذوره والقضاء عليه (Eradication of elimination of poverty)، الا ان مختلف هذه السياسات لم تشهد نجاحاً يذكر، خصوصاً وأنها كانت تطبق منذ مطلع الثمانينيات الى اليوم في ظل عالم “سريع الخطى”، يسعى الى إطلاق آلية السوق (التحرير) في مختلف المجالات، والتوجه نحو الخصخصة، الامر الذي كان يدفع بالجهود نحو توسيع دائرة الفقر الى الوراء بدلا منها الى الامام.
والسبب الرئيسي يكمن في عدم لحظ هذه السياسات الجديدة أي معايير اجتماعية ثابتة ومحصنة للحقوق الاجتماعية، فشبكات الامن الاجتماعي والصناديق الاجتماعية كانت تتفاعل وفق مفهوم يلتزم جزئياً بموجبات التكيف الهيكلي في تنظيم الاقتصاد الوطني، وفي العلاقة بالاسواق العالمية. ومن شأن هذا ان يضفي بعض “العقلنة” على الاداء الاقتصادي للبلدان النامية، ويمهد الطريق امام ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة نتيجة ذلك (Jessica Vivian, Report of the UNRISD/UNDP international seminar on Economic Restructuring and Social Policy, New York, Jan. 1995)
الا ان هذا المنطق قد اثبت محدودية نجاحه، لا سيما وان تطوير فئة من المجتمع يرتبط ارتباطاً مباشراً بتطوير المجتمع ككل، اضافة الى انه لا يمكن فصل اي فئة او شريحة من المواطنين عن التغيرات المجتمعية العامة. وبالتالي تبقى عملية مواجهة الفقر، أو على الاقل الحد منه عملية تنموية شاملة.
والمشاركون في هذه العملية كثر، المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، والبلديات والمنظمات الاهلية، وصولاً الى الفرد نفسه.
وعليه، فان برامج شبكات الامان ليست الرد المناسب لتحقيق التكيف الاجتماعي ولا لمكافحة الفقر.
ويجب الا تتحول الى عذر لعدم اعادة النظر في برامج التكيف الهيكلي، بحيث تكون اكثر استجابة لحاجات الفقراء ونقاط ضعفهم.
إزاء ذلك، لا بد لأي سياسة فاعلة لمواجهة الفقر أن تقترن بشروط، منها تأمين تنمية متساوية بين مختلف المناطق تسمح بخلق فرص عمل جديدة ،ولا سيما في الأرياف، وتساعد على كبح جماح النزوح السكاني الذي تشهده تلك المناطق.
أضف الى ذلك، العمل على ردم الهوة القائمة حالياً بين المدخول والانفاق، وبالتالي ردم الهوة بين الطبقات الاجتماعية واعادة تشكيل الطبقة الوسطى والتي تمثل صمام الامان للمجتمع المحلي. وهذا أصبح – للاسف- من المهمات المستحيلة في ايامنا هذه.
ولا ننسى دفع المواطنين الى المشاركة في تقرير شؤونهم عبر العمل البلدي او العمل الاجتماعي، بحيث يتحول المواطن والدولة الى فريق عمل واحد، مما يخفف من حدة التوتر بين الطرفين. وفي هذا السياق، يبدو من المفيد جداً مواجهة تفاقم مشكلة البيروقراطية، وكسر تهميش الادوات التنظيمية للفئات الأكثر فقراً والمقصود بها النقابات العمالية والزراعية وروابط المعلمين. ولا يغفل عن بالنا إعطاء موظفي القطاع العام حق التنظيم النقابي.
في المحصلة، النظريات والافكار ليست بقليلة، لكن الفعلة قليلون، خصوصاً مع نوايا مشكوك بصدقيتها، فكيف الحال مع إمكانيات متضعضعة؟
* رئيس تحرير موقع Nufooz.com


