هواجس بيئية وزراعية علّتاها الغذاء والنفط
6 مايو/أيار 2008بقلم المحامي ميشال فلاّح*
كل العالم اليوم منشغل بأزمة الغذاء. من اسعاره وكلفته وتوزيعه، وبكل شيء مرتبط فيه، ومن غير النفط ليكون اللاعب الرئيسي في “مسرحية الخوف”؟
هواجس كثيرة حول الزراعة (المورد الاساس للغذاء) والطاقة (النفط على راسها) والبيئة (مستقبل الارض على منكبيها) وباقي “العائلة” في الافكار المنسوجة بجوع طفل فقير، وبهدير جرار زراعي لمزارع متخم!
تعتمد الزراعة الحديثة على الوقود النفطي لتشغيل الماكينات الزراعية وإنتاج الأسمدة الكيمائية والمبيدات الحشرية. وقد تمت في البلدان المتقدمة، الاستعاضة عن القوة العضلية للإنسان، وكذلك للحيوانات التي كانت تستعمل في الحراثة، ورش البذار، والمبيدات، ضمن عملية الإنتاج الزراعي بشكل كامل، بماكينات وجرارات ومضخات. وحتى في البلدان الفقيرة، فإن الماكينات الزراعية والأسمدة الكيمائية تشكل جزءًا مهمًا من العملية الزراعية.
أدى هذا التغير إلى انخفاض هائل في عدد سكان الأرياف، واتساع المناطق الحضرية في مختلف أرجاء العالم. وازداد خلال القرن العشرين، الإنتاج الزراعي العالمي إلى ستة أضعاف ما كان عليه في بداية القرن، على رغم أن حجم الأراضي الزراعية ازداد بنسبة الثلث فقط. وهذه الزيادة في الإنتاج الزراعي العالمي، ليست سوى نتيجة، إلى حد كبير، للاستخدام الواسع للماكينات الزراعية والمبيدات والأسمدة الكيميائية. كما أنه لا بد من الإشارة إلى التقدم الذي حصل في مجال أنواع النباتات والبذور، لزيادة إنتاجها، ومقاومة العوامل المناخية والأمراض التي كانت تصيبها. وبحسب تقديرات خبراء معنيين، فقد تضاعفت، خلال القرن العشرين، الأراضي الزراعية التي تُسقَى بالقنوات بنسبة خمسة أضعاف. فحفر القنوات وضخ المياه يعتمدان اعتمادًا كليًا على الطاقة الرخيصة التي توافرت خلال القرن الماضي. وبلا شك، فإن الزيادة الهائلة للمنتج الزراعي العالمي، هي عامل هام برَّر لزيادة مماثلة في عدد سكان العالم.
إضافة إلى دور النفط في العملية الزراعية، كوقود للأجهزة والماكينات الزراعية ولصناعة المبيدات، وإنتاج معظم المواد المستخدمة في تعليب الأغذية، فإن الغاز الطبيعي يشكل مصدراً هامًا لإطعام سكان العالم. فالأسمدة الكيميائية المنتَجة من الغاز الطبيعي، تمثل نصف ما تتغذى به النباتات الزراعية في العالم، وهذه نسبة كبيرة تجسد أهمية الوقود الرخيص، ليس لإدارة محركات السيارات فقط، بل في توفير الغذاء لسكان العالم. ويجب ألا ننسى كذلك أن الثروة الحيوانية تعتمد هي أيضًا على الزراعة، كغذاء للحيوانات المنتِجة للحوم والبيض وأسماك الأحواض.
إنتاج الأسمدة الكيميائية من الغاز الطبيعي، عملية اقل كلفة من أي مصدر آخر لإنتاج هذه المادة الأساسية في الزراعة الحديثة. فالغاز الطبيعي غني بالهيدروجين الذي يُستخدم لإنتاج الآمونية التي تتحول إلى سماد كيميائي. وهذه العملية منخفضة التكاليف وذات كفاية عالية، وتنتج كميات منخفضة من الملوثات البيئية مقارنة بأي طريقة أخرى لإنتاج الأسمدة الكيميائية.
وثمة جانب آخر يجسد أهمية النفط، هو نقل الأغذية، من منتجات زراعية ولحوم، لمسافات طويلة عبر البحار، أو بطائرات النقل، وهو ما أدى إلى عولمة سوق الغذاء. ومن نتائج هذه العولمة، اختفاء التنوع في إنتاج الأغذية بالكثير من البلدان. فبعدما كانت هذه البلدان تُنتج مختلف الأغذية لإطعام سكانها، توجهت إلى إنتاج نوع معين من النتاج الزراعي الذي يوفر أكبر مردود اقتصادي. فثمة دول تنتج ما يسمى “المنتجات الأحادية” كالفواكه، مثل الموز، أو منتجات مثل القهوة أو الكاكاو، وذلك للتصدير إلى الأسواق العالمية. وفي الوقت نفسه، تستورد هذه الدول مختلف احتياجاتها من الأغذية الأخرى. إلا أنه لم يكن بالمستطاع تطوير أساليب الزراعة المكثفة هذه ونقل المنتجات الزراعية عبر البحار والقارات من دون دور النفط الأساسي في عملية النقل هذه.
ويبين لنا التاريخ الحديث أن بعض الدول الصناعية الغنية، استخدمت القروض والرشى والقوة السياسية والعسكرية لإجبار دول يعيش سكانها على المنتجات الزراعية التقليدية لإنتاج غذائهم، على تشريد الفلاحين من أراضيهم ودمج المَزارع الصغيرة لإنتاج محاصيل أحادية للتصدير. وقد أُنشئت في بلدان كثيرة المَزارع الضخمة التي تملكها شركات عالمية لإنتاج القهوة أو الشاي أو السكر أو الفاكهة الاستوائية، وتصديرها إلى المستهلكين في الأميركيتين وأوروبا والشرق الأقصى.
ولم يقتصر تأثير توافر الطاقة الرخيصة في الأرض، بل تعداها إلى البحار، إذ جعلت من صيد الأسماك عملية عالية المهنية والجودة إلى درجة أن سفن صيد الأسماك المجهزة بالأجهزة الميكانيكية لجر شباك الصيد الضخمة، أدت إلى خطورة إفراغ بعض المناطق الغنية بالأسماك من ثروتها السمكية. وقد دفع ذلك إلى عقد عدد من الاتفاقات الدولية للحد من “فوضى” الصيد في بعض المناطق من بحار العالم، كبحر الشمال وسواحل المحيط الهادي.
وتشير الكتابات في موضوع البيئة الطبيعية، إلى التأثير البيئي لاستخدام الطاقة الرخيصة والأساليب المكثفة في الزراعة. فالمزارعون باتوا يعاملون الأرض كعنصر غير فعال تصب فيه المغذيات الكيميائية التي تمثل الغذاء الرئيسي، اذ من دونها لا يمكن العملية الزراعية أن تكتمل وتنتج المحاصيل الزراعية. وأحد أهم المؤثرات السلبية لهذا الأسلوب في الإنتاج الزراعي، هو فقدان الأراضي الزراعية لدورها البيئي – الأيكولوجي كجزء من المحيط البيئي الطبيعي المتكامل. كما أدى هذا الأسلوب إلى تلويث البحيرات والأنهار بالمواد الكيميائية، التي رفعت بدورها معدل انقراض أنواع من المخلوقات البرية والمائية. لكن هذا الأسلوب الزراعي، أسهم في التوسع الزراعي الهائل الذي مكّن من إطعام سكان العالم، الذين ازدادوا بشكل خيالي من 1,7 مليار نسمة إلى أكثر من 6 مليارات، وذلك خلال قرن واحد من الزمن فقط.
وفي هذا السياق، يقول العالم الاميركي Richard Heinberg:
“الطاقة الرخيصة ستكون قريبًا جزءًا من التاريخ. لكم من البشر يمكن الزراعة أن تُطعم من دون استخدام الطاقة الرخيصة؟ هذا السؤال مهم للغاية، وتصعب الإجابة عنه. قد تكون الإجابة أن الزراعة في العالم، من دون استخدام الطاقة الرخيصة، يمكن أن تُطعم عددًا من البشر لا يزيد كثيراً على العدد التي كانت تطعمه في بداية القرن العشرين… بحدود ملياري نسمة كتقدير مبني على توقعات مدروسة لدوام العالم بعد نهاية عصر وفرة الطاقة الرخيصة. هذا يشكل مشكلة كبيرة، ذلك لأن عدد سكان العالم حالياً هو بحدود ستة مليارات، وفي زيادة مستمرة. وإذا كانت التقديرات المشار إليها أعلاه قريبة إلى الصحة، فالفرق بين عدد سكان العالم – الذي يجب أن ينخفض – هو عدد هائل – أكثر من أربعة مليارات من البشر - وهذا الانخفاض لا بد من أن يتم خلال الفترة منذ الآن وإلى الوقت الذي ينتهي تماماً فيه إنتاج النفط والغاز الطبيعي”.
يعتقد هينبرغ أنه لن يكون ممكناً إحداث هذا الانخفاض بالوسائل الاختيارية، بواسطة تحديد النسل والسيطرة على التكاثر. والاحتمال الأكبر هو أن يحدث هذا الانخفاض كنتيجة للمجاعات والأوبئة والحروب – وهي الاسباب التقليدية التي حدّت من تكاثر البشر قبل عصر الطاقة الرخيصة – عندما تزداد أعدادهم بشكل موقت أكثر من قدرة محيطهم على تحمل هذه الزيادة.
تعارض بعض الكتابات الصورة القاتمة التي رسمها هينبرغ، وتشير إلى أن الزراعة الحديثة أنتجت أنواعاً من البذور المحسّنة والمزروعات المعدَّلة وراثياً، بحيث يمكن العالم أن يُنتج أكثر مما أنتجته الأرض الزراعية قبل استخدام الطاقة الرخيصة. بينما يشكك آخرون في قدرة العالم حتى على إطعام ما يعادل عدد السكان الذي كان بالمستطاع إطعامه في بداية القرن العشرين، وقبل الاستخدام الواسع للطاقة الرخيصة. والمشكلة التي يشير إليها هؤلاء، هي أن الزراعة المكثفة خلال القرن الماضي، أدت إلى تردي جزء كبير من التربة الزراعية إلى درجة لا تمكن زراعتها من دون الأسمدة الكيميائية. كما يشيرون إلى فقدان ثقافة الزراعة بالأساليب التقليدية التي تصعب إعادة استخامها.
أما بالنسبة إلى بدائل إنتاج الأسمدة الكيميائية من الغاز الطبيعي، فهي محدودة. فبعد وصول إنتاج الغاز الطبيعي إلى الذروة، سينخفض هذا الإنتاج تدريجاً، مصحوباً بزيادة مستمرة في الأسعار. وسوف يترافق مع هذا الانخفاض، ازدياد الحاجة إلى مصادر أخرى للتعويض عن العجز في إنتاج الغاز الطبيعي. وسوف يصبح هذا الخطر “الداهم” أمرًا ملحًا، لا بد من البحث عن معالجات وبدائل له. والسؤال الذي يجب أن يُطرح هنا، هو: ما المدى الذي يمكن أن يصل إليه التعويض عن هذا العجز؟ حقيقة الأمر، أن الصورة ستختلف من دولة إلى أخرى، إذ إن الدول المختلفة ستواجه المشكلة بوسائل مختلفة، وذلك بحسب ما يتوافر لديها من مصادر طاقة، وإمكانيات التخطيط، لمواجهة تحديات هذه المشكلة.
إنتاج الأسمدة الكيميائية من الفحم الحجري مثلاً، قد يكون إحدى هذه الطرائق، بحسب Daffeyes، من خلال إنتاج الهيدروجين من الفحم الحجري واستخدامه لإنتاج الآمونية، التي تتحول بدورها إلى سماد كيميائي. وتقوم الصين بإنشاء عدد من المعامل المنتجة للأسمدة الكيميائية بهذه الطريقة، وذلك للتقليل من اعتمادها على السماد الكيميائي المستورَد، والمنتَج من الغاز الطبيعي. وهذه العلمية باهظة التكاليف، وذات كفاية مشكوك فيها، وتُنتج كميات كبيرة من الملوثات البيئية أكثر بكثير من إنتاج الأسمدة الكيميائية من الغاز الطبيعي. وتشتمل الملوثات البيئية على الغازات التي تسبب مشكلة الاحتباس الحراري، وأهمها ثاني أوكسيد الكربون، إضافة إلى كميات كبيرة من بقايا الفحم الحجري المستخدم، التي تُطرح في نهاية العملية.
ويمكن إنتاج الهيدروجين عبر التحليل الكهربائي للماء، ومن ثم يُستخدم في إنتاج الأسمدة الكيميائية. وهذه الطريقة ذات كفاية رديئة ومكلفة، إذا ما قورنت بإنتاج الهيدروجين من الغاز الطبيعي. لكن، بعد ازدياد العجز في إنتاج الغاز الطبيعي وارتفاع أسعاره، يمكن أن تصبح وسائل من هذا القبيل، اقتصادية في إنتاج الهيدروجين على رغم المشاكل البيئية المرتبطة بها، لكن لن تكون بالوفرة والرخص كثمن الأسمدة الكيميائية المنتجة من الغاز الطبيعي. بالتالي قسم كبير من مستخدمي الأسمدة لن يستطيعوا دفع ثمن تكلفتها، ومن غير الدول الاكثر فقرًا لتكون الضحية الاولى.
وفي النهاية، هل وجدنا الحل، أو حتى حددنا مكامن العلة؟ السؤال سينتظر عقودًا مقبلة، للإجابة عنه.
* رئيس تحرير موقع Nufooz.com


