تصويتك اليوم يحلّق بأرزات لبنان الشامخة نحو عجائب الدنيا السبع!
24 يوليو 2008بيروت - جورجينا زيادة
لبنان بلد شرقي، امتاز منذ القدم بفن الكلام حمل الحرف وطار به ، وهو اليوم يحلق نحو منافسة عالمية ليغرّد بأجمل كلمة : “الأرز”!
أن تصل إلى منافسة عالمية يعني أنك تأبطأت ذراع المجد، فكيف الحال إن كنت تحمل رمز المجد والخلود والشموخ؟!
الأرز في لبنان تحفة زيّن بها الخالق أرض لبنان، شمخت بشموخه، ورسخت بأرضه، إلى أن أصبحت جزءًا من تاريخه، وبصمةً عل علمه، ومرتعًا لأبنائه.
حبل الزمان بأشجار الأرز فأنجبها على أرض لبنان، لتطلّ مشعة نضرة على بساطه، وما زالت هذه الأشجار التي بلغ عمرها ألاف السنين والتي شكلت غابات شاسعة إحدى أبرز المناطق السياحية اللبنانية.
أدى الأرز دوراً بارزاً في ثقافة الشرق الأدنى القديم، كما في تجارته وطقوسه الدينية، حيث ورد ذكره في التوراة وفي نصوص قديمة أخرى. وقد بدأ استثمار أخشاب الأرز بشكل مكثف منذ الألف الثالث ق.م. عندما أخذت مدن الساحل الكنعاني تصدره إلى مصر.
وكان هذا الخشب يشكل جزءاً رئيسياً من الجزية التي كانت المدن - الدويلات الكنعانية_ الفينيقية تدفعه عبر العصور المتعاقبة إلى غزاتها الأشوريين والبابليين والفرس. وكان الفينيقيون يصنعون منه سفنهم، كما أن سليمان طلب من حيرام الصوري تزويده بكميات منه لبناء قصره وهيكله.
وفي إحدى الكتابات يفاخر الملك الأشوري “سنحاريب” (715-681 ق.م.) بأنه توغل في أعالي جبال لبنان وقطع بيديه أجمل أرزاته وسرواته وأعظمها. وكذلك فعل من بعده الملك البابلي “نابو قد نصر” (605-562 ق.م.). وكان القدماء يرغبون في الأرز بسبب عبيره ومتانته وطول جذوعه، فيستعملون خشبه في بناء السفن كما في سقف القصور والمعابد، ناهيك عن استعمال زيته في طقوس التحنيط وصمغه كمادة عازلة.
وفي غضون القرن الثاني م.، عمد الإمبراطور الروماني “هادريانوس” (117-138 م.) إلى اتخاذ تدابير من شأنها حماية عدد من أصناف الأشجار التي كانت تنمو في جبال لبنان. وقد أوكل إلى عدد من فرق المساحة بمسح الأحراج والغابات بهدف تحديد الأصناف التي كان قطعها ممنوعاً والتي كانت تعتبر بمثابة محمية إمبراطورية، وهي الأرز والصنوبر والعرعر والسنديان.
وما تزال صخور جبال لبنان تحمل ما يزيد عن مئتي كتابة من تلك الكتابات المرموقة التي كان من شأنها تذكير حطابي تلك الأيام بواجباتهم.
بيد أن الاهتمام الذي أبداه “هادريانوس” بغابات لبنان لم يدم طويلاً، فأخذت الغابات تتعرى من غطائها الأخضر، وأخذت الأخشاب طريقها إلى المواقد والمشاجر وأتاتين الكلس. واستغلت الغابات استغلالاً واسع النطاق في غضون القرن التاسع عشر، وأصبحت في أثناء الحرب العالمية الأولى مصدراً رئيسياً للأخشاب اللازمة لمد خط سكة الحديد التي أنشأها الجيش البريطاني لوصل طرابلس بحيفا.
وللأسف لم يعد لبنان يحتفظ إلا بعدد محدود من غابات الأرز المبعثرة في أرجائه. ومن خصائص هذه الأشجار أنها تنمو على ارتفاعات تتراوح بين 1500 م. و 2000م. فوق سطح البحر. ومن بين تلك الغابات، في محافظة لبنان الشمالي، محمية حرش “إهدن” الطبيعية وغابة “حدث الجبة” وغابة ” تنورين”. أما محافظة جبل لبنان، ففيها إحدى أقدم الغابات التي جرى استغلالها في العصور القديمة وهي غابة “جاج” في قضاء جبيل، والتي لم يبق منها إلا عدد محدود من الأشجار المنتشرة فوق القمم المشرفة على البلدة. وتذخر منطقة الشوف بغابة أرز “الباروك” التي يزيد عمر أشجارها على 350 سنة، وهي أحسن حالاً وأفضل حماية من جميع غابات الأرز اللبنانية على الاطلاق، تضاف إليها أجمتا “عين زحلتا” و “معاصر الشوف” في المنطقة عينها.
وأشهر الغابات على الإطلاق غابة “بشري” المعروفة باسم “أرز الرب”، وأرزاتها أقدم أشجار الأرز في لبنان، ومن شأنها إعطاء صورة عما كانت عليه تلك الغابات التي اشتهر بها لبنان في العصور القديمة.
ومن تلك الأشجار 375 شجرة يصل عمرها إلى بضعة مئات السنين، من بينها أربعة أرزات يصل ارتفاعها إلى 35 م. وقطرها إلى ما بين 12 و 14 م. وتمتاز هذه الأشجار باستقامة جذوعها وبأغصانها العظيمة المروحية الشكل التي تنبسق متعامدة مع الجذوع.
بالإضافة إلى تلك الأشجار الوقورة هناك الألاف من الأشجار الأصغر سناً، وقد غرست منذ عقود أو سنوات بهدف تأمين استمرارية هذا الإرث الوطني ولا بد من الإشارة إلى أن الأرزة شجرة بطيئة النمو وقد يلزمها ما لا يقل عن أربعين سنة لتبدأ بطرح بذور منتجة.
ولا بد من القول أن بوادر الاهتمام بهذه الأرزات في العصر الحديث قد بدأت عام 1876، عندما أولت ملكة بريطانيا العظمى “أرز الرب” عنايتها، فأمرت بإقامة سور حوله لحمايته من أعداء الغابة التقليديين، لا سيما قطعان الماشية التي تقضم البراعم وتقضي على الشجيرات اليافعة.
وللوصو إلى غابة “أرز الرب” يمكن سلوك الطريق الأولى التي تنطلق من بلدة “دير الأحمر” الواقعة عند السفوح الشرقية من سلسلة جبال لبنان الغربية، فتتسلق منعطفاتها المشرفة على سهل البقاع.
وكلما اقتربت الطريق من القمة، ازداد الهواء نقاء والجو انتعاشاً وأصبح بالإمكان مشاهدة بعض المثلجات الصغيرة التي بقيت صامدة في وجه حرارة الصيف. ومع بلوغ القمة ينفتح أمام الناظر مشهد رائع يمتد ليشمل غابة الأرز ومحطة التزلج وليغوص في أعماق “وادي قاديشا” ويصل إلى البحر. غير أن هذه الطريق الجميلة تبقى مقفلة في فصل الشتاء بسبب تراكم الثلوج عليها.
أما الطريق الأخرى، وهي الأقصر، فتنطلق من “شكا” إلى “بشري”، ومنها تتشعب إلى طريقين يوصلان كلاهما إلى بقعة الأرز التي لا تبعد عن “بشري” أكثر من سبعة كيلومترات. فالأولى، وهي طريق قديمة، تمتاز بتعرجاتها الضيقة، تسمح للزائر ببلوغ “مغارة قاديشا” وهو في طريقه إلى الأرز.
أما الأخرى، فهي أكثر حداثة وتجهيزاً بحيث أنها تبقى سالكة في أيام الشتاء. وأيا كانت الطريق، فسينعم الزائر بالمناظر الخلابة، لا سيما عندما يبدأ الضباب بالتوغل في أحشاء الوديان.
ينخرط “أرز” لبنان الموجود بمختلف جباله خصوصا في بشري والشوف وتنورين وعكار بمسابقة عالمية لتحديد عجائب الدنيا السبع الجديدة التي ستكون من عجائب الطبيعة، بينما كانت العجائب الحالية من صنع الإنسان.
وتصويتكم المكثُف يؤهّل لبنان للإنضمام إلى عجائب الدنيا السبع، أما التصويت الإلكترونيّ فيتم على الموقع التالي:
www.new7wonders.com
ويكفي أن تملأوا استمارة تحتوي معلومات عن اسمكم وعن بريدكم الإلكتروني لتختاروا بعدها القارّة التي تريدون التصويت لها واسم مرشّحكم الأبرز، ويمكن لكلّ مشترك أن يختار التصويت لسبعة معالم مختلفة. وتسهم هذه الطريقة حسب ما يروّج لها الموقع «بالتعرّف إلى أماكن ومعالم طبيعيّة لا يعرفها كثيرون، وتساهم بالتالي في اكتشاف جمال كوكبنا وتنوّعه.”
تشمخ شجرات الأرز في لبنان متابهيةً بعظمتها وجمالها، وتصويتكم اليوم لهذا المعلم الطبيعي يزيد مجده وبهاءه ويدفع لبنان إلى الإرتقاء نحو قمة المجد!



