سُحب الأزمة العالمية تطرق باب أبراج دبي
7 نوفمير 2008منذ تفجر أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأميركية أواخر عام 2007 اتجهت الأنظار إلى السوق العقاري في منطقة الخليج، وخصوصًا دبي، لكنه تمكن من الصمود ومعاكسة التيار، ومع تفجر الأزمة المالية العالمية الحالية في منتصف سبتمبر/أيلول الماضي سعى الخبراء والناطقون باسم شركات التطوير العقاري والعاملون في السوق إلى التأكيد على متانة السوق وازدهاره، ولكن مع مرور الوقت بدأت أعراض العدوى في الظهور.
وتفيد المصادر العليمة في السوق العقاري في دبي أن الشهر الماضي كان «شهر ترقب»، وكادت حركة البيع أو الشراء خلاله تتجمد… بينما تؤكد، في المقابل، دائرة الأراضي والأملاك أن الوضع لم يتغير وأن تصرفات الأراضي في دبي اقتربت من 13 مليار درهم خلال أكتوبر/تشرين الأول.
وقال خبير اقتصادي إماراتي لـ«القبس» الكويتية إن الأسعار تراجعت خلال الفترة الفاصلة بين منتصف الصيف وحتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول بما لايقل عن 15 في المئة، وأعطى مثالا على أن سعر القدم المربعة في برج دبي كان في حدود 8500 درهم (750 ديناراً) خلال الصيف بينما الآن يتراوح عند مستوى 6000 درهم.
وأضاف الخبير، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن «هناك اختلافاً كلياً بين سوقين داخل السوق العقاري في دبي… هناك السوق الخاص بمناطق المواطنين وهو سوق ينمو وحركته لا تشهد تراجعاً ملحوظاً وإن شملتها حالة الترقب… وسوق التملك الحر، وهذا ربما دخل في مرحلة الركود».
وأعاد هذه الحالة إلى عدد من العوامل، منها: هروب رؤوس الأموال، ونقص السيولة، والقلق السائد في أوساط التمويل العقاري الذي رأى أنه يعاني من أزمة سيولة بدليل المفاوضات التي تجري بين شركتي «تمويل» و«أملاك» في إمارة دبي للاندماج، مع حذر المصارف الإماراتية من التوسع في هذا النطاق في ظل انحسار السيولة.
واتفق مع هذا التصور أحد المراقبين للسوق العقاري، الذي رأى أن الأسواق تعيش حالة من «ضبابية في الرؤية» أدت إلى توقف عمليات البيع والشراء في انتظار «التصحيح الذي يتحدث عنه الكل».
واضاف أن التصحيح إن حدث فسيكون كبيراً، وعزا ذلك إلى أن السوق العقاري خرج عن الأساس الاقتصادي الصحيح وبات «سوق مضاربة» كما حال سوق الأسهم، مما أدى، برأيه، إلى ارتفاع اسعار الوحدات السكنية والمكتبية إلى 10 أضعاف «السعر المنطقي» لها.
وقال إن حركة التداول تتجه بشكل ملحوط نحو الضعف، وإن اختلفت بين إمارة وإمارة بحسب قاعدة المستثمرين فيها، لكنه رأى أن هذا التأثر يظهر بوضوح في سوق دبي، حيث بدأ «المستثمرون الحقيقيون»: الأجانب والخليجيون في التمهل والتراجع بانتظار جلاء الرؤية في السوق، لكنه أوضح أن أوضاع السوق تشجع على البناء نظراً لتراجع اسعار المواد الأولية، وخصوصًا الحديد الذي تراجع 50 في المئة في غضون شهر. ورأى أن الفترة المقبلة ستشهد محدودية في التوجه نحو التملك لمصلحة زيادة الاقبال على قطاع الإيجار.
انعاش السوق
وأمام هذا السيناريو، سعت بعض شركات التطوير العقاري العاملة في الإمارات، وفي دبي بالتحديد، الى اتخاذ تدابير من شأنها انعاش السوق، وخصوصًا السوق الثانوي. ومنها إعادة جدولة الدفعات المترتبة على المستثمرين الأفراد والشركات الذين حانت آجال دفعاتهم، وتخفيض رسوم التعاملات.
وقالت مصادر عاملة في السوق الهندسي إن العديد من شركات التطوير العقاري طرحت جانباً شروطاً سابقة تتعلق بتسريع الدفعات المقدمة، ومنع إعادة البيع قبل دفع ما نسبته 30 في المئة من قيمة الوحدة السكنية. وقال خبراء إن «أوضاع السوق تحكم ذلك».
وتطرق نائب الرئيس في بنك حبيب شارجل هـ. فيجداني إلى الحديث عن تغيير في سياسات البيع لدى مطورين كبار مثل «إعمار» وغيرها.
واضاف: «لن أفاجأ إذا غيرت إعمار سياستها (يقصد اشتراطها تسديد 30 % من قيمة العقار قبل اعادة بيعه في السوق الثانوي… لا أستغرب تقديم المطورين جداول سداد أكثر مرونة».
وفيما رأت بعض المصادر العقارية العاملة في السوق هذا التوجه حكيماً وضماناً للاستثمار.. رأت مصادر اخرى في هذه الترتيبات مسكنات لأزمة.
وكانت مصادر صحافية نقلت عن مصادر عاملة في التطوير والاستثمار العقاري أن عددا من الشركات الرئيسة في القطاع العقاري من مطورين ومقاولين ومصرفيين عقدوا اجتماعاً الأسبوع الماضي لمناقشة العواقب التي قد تستشعرها السوق العقارية جراء الأزمة الاقتصادية العالمية.
حذر وترقب
وفي الإجمال، ساد الحذر والترقب السوق العقارية في دبي تحديداً، في حين بدأت الشركات العاملة في إمارة عجمان تكثيف عروضها الترويجية لمشاريعها: خصومات، وتسهيلات في الدفع، وسيارات، ورحلات، وجوائز من ذهب وصلت إلى كيلوغرام.
تحت وقع التأثير النفسي دفع التخوف من المتغيرات السعرية السلبية البعض إلى وقف عملياته. وقال عقاريون انه رغم الحديث عن الفرص المجزية في القطاع العقاري فان المستثمرين يفضلون التريث في ظل شبح فرض قيود على التمويل العقاري والذي كان سابقا تصل نسب التمويل فيه إلى 95 في المئة.
ولفتت المصادر إلى ان أسعار الأراضي في مناطق الاستثمار الحر قد تشهد تراجعا خلال الأسابيع القليلة المقبلة يتراوح بين 5 و10 في المئة.
وكانت لقاءات أجرتها «القبس» الكويتية مع مختصين في قطاعي التطوير والتمويل العقاريين خلال معرض «سيتي سكيب دبي 2008» قبل ثلاثة أسابيع أشارت إلى أن التصحيح السعري بات وشيكاً أو هو بدأ فعلاً مع فتور التداولات العقارية، بانتظار ما ستؤول إليه التحركات الحكومية العالمية لضخ السيولة، لكنه، بحسب بعض التوقعات، لن يطول إلى أبعد من منتصف العام 2009.
تحليل واقعي
رأى خبير اقتصادي أن الفترة المقبلة هي الأصعب في غضون السنوات الست الماضية، وبالتحديد في مجال ايجاد قنوات تمويل للمشاريع في ظل شح السيولة الواضح، مشيراً الى أن السوق العقارية الخليجية بحاجة الى تحرك الحكومات في «مساعدة الشركات» لتجاوز هذه الأزمة وتنفيذ مشاريعها عبر دعمها بالسيولة.
وفي حوار مطول مع «القبس» قال مسؤول في بنك الاستثمار الدولي (ومقره البحرين) ان الاشهر الثلاثة المقبلة ستكون بمنزلة مرحلة «انتقالية» للسوق العقاري وستشهد تغييرات حتمية ستحددها سياسات الإقراض التي تتبعها المصارف ومؤسسات التمويل التي يبدو أنها تتعامل بحذر شديد.
وأوضح مدير الاستثمار المباشر وتطوير الأعمال في المصرف فادي قاسم أنه إذا توقفت المؤسسات المالية عن توفير القروض العقارية للأفراد كما كان الحال في السابق فالتأثير سيكون واضحاً في أسعار العقارات نتيجة لتراجع الطلب. لكنه في المقابل رأى أن المشكلة ستكون محدودة في حال استمر معدل التدفقات النقدية في السوق وعادت الثقة إلى الأسواق وبين المصارف.
وتابع قاسم القول «الوضع ليس سيئاً كما هو الحال في السوق الأميركية»، ولكن «إذا استمر الوضع الى فترة طويلة ستصيبنا تداعيات الأزمة» والتي ستنعكس بقوة على القطاع العقاري، الذي قال إنه سيعاني، وهو بدأ فعلاً، من وقف المصارف العالمية تمويل المشاريع العقارية الكبيرة التي تحتاج سيولة كبيرة في الخليج.
وتوقع خبير بريطاني ان تشهد سوق دبي العقارية انخفاضاً في الاسعار خلال الفترة المقبلة على ضوء تراجع عمليات التمويل سواء للأفراد أو الشركات المطورة، أو حتى شركات التمويل العقاري، وانحسار السيولة في المصارف، وارتفاع الفائدة على التمويلات العقارية بما يزيد على 7،5 في المئة.
(القبس الكويتية)


