فيض فضائح الشركات بدأ من دبي
25 سبتمبر 2008أعد رئيس ادارة الأصول- دول مجلس التعاون الخليجي في شركة غلوبل شاهد حميد تقريراً قال فيه:
بالرغم من أن الهبوط الحاد في أسواق مختلف دول المنطقة كان منتظراً كأمر مرجح جداً، فان «المجزرة» التي شهدتها أسواق الأسهم الخليجية في الأسابيع القليلة الماضية قد فاجأت الجميع بلا استثناء تقريباً. فهبوط السوق الذي بدا في الظاهر وكأنه قد نشأ نتيجة لفتور الصيف التقليدي قد تحول الى هبوط بلا قيود نتيجة لتضافر عدد من العوامل.
فقد هبط مؤشر ام اس سي آي الخليجي - وهو مؤشر يقيس أداء أسواق الأسهم الخليجية - بمعدل 29% حتى تاريخه من العام وتكبد خسائر أكثر مدعاة للحذر حيث بلغت 33% منذ أن لامس آخر ذروة له في شهر يناير من هذا العام.
وهكذا تعرضت الأسواق في مختلف دول المنطقة لضربة كبيرة، حتى أن مؤشر تداول السعودي يسجل الآن عائداً سلبياً حتى تاريخه من العام بحوالي 32%. وتأثر سوق الامارات سلباً أيضاً، حيث انخفض سوق دبي المالي بمعدل 34%، بينما انخفض مؤشر سوق أبوظبي للأوراق المالية بمعدل 18% حتى تاريخه من العام.
ــ فما الذي تغير ؟ نتفحص فيما يلي بعض العوامل التي تجمعت معاً لتفسد الأجواء بالنسبة للمستثمرين الاقليميين.
ــ في ضوء حقيقة كوننا نعيش الآن في سوق مالي متزايد العولمة، ما كان بالامكان أن ننجو من اضطراب الأسواق الدولية الذي كان له أثر سلبي بالغ السوء على أسواق الأسهم الاقليمية. فقد كان الارتباط المنخفض للأسواق الاقليمية مع الأسواق الدولية عنصر جاذبية رئيسيا للاستثمار في الأسهم الاقليمية. ولكن مع استمرار تحرير الأسواق وانفتاحها على الاستثمار الأجنبي، تزايد هذا الترابط ومن المقدر له أن يشهد مزيداً من الارتفاع في المستقبل.
ــ ان معظم مديري الأموال الأجانب الذين كانوا قد اندفعوا أسراباً الى أسواق الأسهم الاقليمية بحثاً عن أرباح فائقة قبل حوالي سنة مضت، قد بدأوا بالهرب من هذه الأسواق في وقت ما من الصيف الفائت.
وبالرغم من أن تدفق الأموال الأجنبية الى المنطقة قد تحول الى وضعية سالبة منذ أوائل هذا العام، فان هذا الاتجاه قد اكتسب زخماً في منتصف الصيف. فمديرو الصناديق الدوليون الذين كانوا يترنحون من استمرار الخسائر في الأسواق المتقدمة وكذلك الأسواق الناشئة وكانوا يواجهون طلبات استرداد من قاعدة عملائهم، قد بدأوا بتصفية مراكزهم في الأسواق الخليجية على نطاق واسع. ولسوء الحظ، تزامن التغير في اتجاه تدفقات الأموال الدولية مع أشهر الصيف المنخفضة النشاط تقليدياً حيث يهاجر معظم المستثمرين المحليين الى وجهات أكثر برودة في الطقس.
وهذا ما أدى الى بداية انخفاض في أسواق الأسهم الخليجية تسارع مع بداية سيطرة المخاوف على الأسواق. ثم ازداد تفاقم هذا الاتجاه عندما بدأ المستثمرون الأفراد الذين مولوا استثمارهم بالاقتراض يواجهون استدعاءات الهامش، وهنا وبدأت عمليات التصفية القسرية.
وكان من شأن فيض فضائح الشركات التي بدأت من دبي أن خلق لغطاً في الأسواق أيضاً. فبدءاً من بنك دبي الاسلامي، انتشرت فضائح الشركات الى عدد من المؤسسات الأخرى البارزة في دبي ومن ضمنها شركتان مدرجتان - ديار وتمويل. وهذا ما أفضى الى «أزمة ثقة» في دبي وبدأت عمليات البيع المكثفة في الأسواق المالية لدولة الامارات العربية المتحدة.
وعندما نضيف مخاوف «التصحيح في سوق العقار بدبي» و «أسعار النفط المتسارعة الانخفاض» الى هذه التوليفة من العوامل السلبية، تتكون لدينا وصفة لعاصفة مثالية واجهتها الأسواق المالية في الامارات بصفة خاصة وأسواق المنطقة بصفة عامة على مدى الصيف الهادئ تقليدياً وشهر رمضان. فقد تعرض سوق الامارات العقاري والأسهم المرتبطة بالعقار هناك لضربة قاسية خلال هذا الاتجاه التنازلي.
العوائد على أسهم الشركات العقارية بدولة الامارات العربية المتحدة
لحقت صناديق التحوط بهذا الاتجاه في وقت مبكر وبدأت بموجة بيع على المكشوف في الأسواق. ورغم أن البيع على المكشوف ليس مسموحاً به في الأسواق الاقليمية، فان الأدوات متاحة الآن بصورة متزايدة لبيع ما لا تملكه (أي بيع الأسهم المقترضة).
وهناك عامل مهم آخر - ربما كان الحديث عنه أقل - كان فاعلاً على مدى الأسابيع القليلة الماضية وهو الاسترخاء الذي سببه توقع الكثير من المستثمرين لاعادة تقييم العملات الاقليمية. فقد أوضحت المصارف المركزية الخليجية على مدى الأشهر القليلة الماضية أن اعادة تقييم عملاتها ليس وارداً، في الوقت الحالي على الأقل، الأمر الذي أدى الى تدفق سلبي للأموال الى المنطقة.
وفي وسط كل ما ذكر أعلاه، فان الانخفاض الحاد في أسعار النفط - بمعدل 32% منذ أن بلغت ذروتها في بداية شهر يوليو - لم يكن أيضاً عاملاً ايجابياً. ومع الاقرار بأن أسعار النفط مازالت مرتفعة بحوالي 10% حتى تاريخه من العام وتظل في مستويات قوية تماماً يمكن أن تسمح بنمو اقتصادي كلي في مختلف دول الخليج، لكن الانخفاض السريع من المستوى القياسي المرتفع البالغ 146 دولارا في يوليو الى مستوى أقل من 100 دولار، لا بد له أن يجعل حتى المستثمرين ذوي الأعصاب القوية يتحولون الى حالة عصبية.
كانت السيولة شحيحة في مختلف دول المنطقة لفترة من الزمن حتى الآن، واتسعت هوامش الائتمان بدرجة كبيرة نتيجة لانهيار سوق الائتمان العالمي، وما يحدث الآن في أسواق الائتمان العالمية له تأثير مباشر على مدى توافر الائتمان وتسعيره في دول الخليج. وفي الوقت ذاته، قامت بعض المصارف المركزية الخليجية، القلقة من ارتفاع معدل التضخم، باستحداث اجراءات جديدة لابطاء نمو الائتمان لدى النظام المالي والمصرفي، وهذا ما كان له بدوره تأثير سلبي على تكلفة التمويل بالنسبة للمؤسسات الاقليمية، كمـا حدّ من نمو الائتمان.
واجهت بعض الأسواق الاقليمية مشاكلها الخاصة بها أيضاً. ومن الأمثلة على ذلك السوق السعودي، حيث قامت هيئة أسواق رأس المال اخيراً بادخال تغييرين هيكليين على سوق الأسهم، مما أثر سلباً في مشاعر المستثمرين.
وكان التغيير الأول متعلقاً بمتطلبات الافصاح عن المساهمة والتي تلزم المستثمرين بالافصاح عن مساهماتهم التي تزيد على 5% من أسهم الشركات المدرجة. وفي الوقت ذاته، غيرت الجهة الرقابية أيضاً حجم التغير في أسعار أسهم الشركات المدرجة الذي أصبح الآن مربوطاً بمستوى سعر تداول السهم، ورغم أن رد فعل السوق السعودي جاء سلبياً تجاه هذه التغييرات، فاننا نعتقد بأنها يفترض أن تساعد على تحسين هيكل السوق وينبغي النظر اليها بايجابية.
ما رد فعل المفترض لسياسة الجهات الرقابيـة؟
نعتقد أنه يمكن للسلطات الحكومية أن تلعب دوراً أساسياً في أوقات مثل هذه، وأن تخلق حاجز حماية من خلال الاستثمار في أسواقها الوطنية. ورغم اننا نفهم بأن واجبات صناديق الثروات السيادية هي تعظيم العوائد على الاستثمار، ومع أننا نؤمن بشكل راسخ بأنه يجب السماح لقوى السوق بأن تجد توازنها الذاتي، فان هذه الأوضاع غير اعتيادية، ومن شأن الاجراء المتفاعل من جانب السلطات الرقابية الاقليمية أن يساعد على تهدئة الأعصاب.
وفي الوقت ذاته، ربما كان من المفترض بمخاوف التضخم أن تتراجع في الوقت الراهن، وسيكون من المفيد جداً للسلطات الرقابية أن تتخذ الاجراءات الكفيلة لتهدئة أوضاع السيولة في مختلف أنحاء المنطقة.
كما ينبغي على السلطات الرقابية أيضاً أن تتخذ اجراءات صارمة لمنع البيع على المكشوف الذي يجرى في المنطقة، حيث أن ذلك ليس نشاطاً مسموحاً به في الأسواق الاقليمية. وبالرغم من أن البعض قد يجادل حول مزايا البيع على المكشوف، فاننا نرى بأنه يجب منع هذا النشاط غير القانوني.
وعلى نحو خاص، فان نوع البيع على المكشوف الذي رأيناه في المنطقة هو نشاط مدمّر بطبيعته وأصبح أسلوباً لتحقيق الذات. كما أن هذا النشاط مضاد للانتاجية بالنسبة لأسواق مثل أسواقنا التي يشكل فيها نشاط مستثمري التجزئة معظم حجم النشاط اليومي للسوق.
وقد أدى البيع على المكشوف في الواقع الى تحول أسعار أسهم الشركات نحو اتجاه تنازلي، مفضياً الى استدعاءات للهامش أدت بدورها الى عمليات تصفية قسرية تعتبر معطلة للأسواق.
(القبس الكويتية)

