مؤتمر «أنظمة الكومبيوتر العالمية المتكاملة»: المستقبل تصنعه العواطف والهويات لا الأرقام
15 يونيو 2008شرم الشيخ - ضرب «تسونامي الجوع» الكلمات التي أُلقيت في «القاعة المصرية» من فندق «سافوي» المُشاد على «ساحل القرش» على الطرف الشرقي لمدينة شرم الشيخ، خلال المؤتمر الرابع لشركة «أنظمة الكومبيوتر العالمية المتكاملة» International Trunkey Systems (تعرف اختصاراً باسم «أي تي أس» ITS) الذي يُنظّم كل سنتين.
لم تفلح الرفاهية التي تفيض في أرجاء المكان حيث تتراصف مجموعة من فنادق الدرجة الأولى المُخصّصة للسياحة البحرية فيكاد يقتصر روادها على الأجانب، ولا نخبوية الحضور الذي تشكّل من 700 ممثل لقطاعات المصارف والاتصالات والتعليم جاؤوا من 22 دولة، في رد موجة الجوع العالمية وتفاعلاتها عن مداخلات المؤتمِرين.
وألقت الأزمة الاقتصادية العالمية، التي تظهر في الارتفاع المذهل لأسعار الطاقة والركود العالمي وارتفاع أسعار المواد الأولية والسلع الأساسية والغذائية، بكل ثقلها على نقاشات المؤتمر، على الرغم من تمحورها حول التقنيات الأكثر حداثة وتقدّماً في شبكات المصارف واستراتيجيات الاتصالات والحلول التكنولوجية للشركات الصغيرة والمتوسطة والتعليم الالكتروني. لكن التكنولوجيا لا تسير في الفراغ ولا تهدف الى العبث.
ولذا ظهر التداخل بين التقنية الرقمية والسياسة (بمعناها الأشد اتساعاً وعمقاً) في كثير من أعمال هذا المؤتمر.
لم تكن تلك الشريحة الضوئية الوحيدة التي لامست تقاطع التكنولوجيا الرقمية مع الابعاد الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، في المحاضرة التي ألقاها اختصاصي «علم استشراف المستقبل» («فيوتشرزم» Futurism) باتريك ديكسون. والمعلوم أن ديكسون يترأس مؤسسة «غلوبال تشينج» (ترجمتها «التغيير العالمي»)، ويعتبر من رواد علم استشراف المستقبل. فقد أظهرت شريحة ضوئية أخرى، شخصاً يسكن في العراء، قبالة مبنى فخم يستضيف مقر «البنك الدولي» في مانيلا عاصمة الفيليبين.
وفي المقابل، شدّد ديكسون على ضرورة هجر الكلام الوردي في الحديث عن مستقبل التكنولوجيا، على الرغم من تفاؤله بالآتي من الأيام وتوقعه أن يستمر مسار التقدم العلمي (وخصوصاً في المعلوماتية والاتصالات) صاعداً بقوة في المستقبل.
وأشار مثلاً الى ضرورة التشديد على جعل الاتصالات الرقمية تعمل بصورة دائمة وفورية ومنتظمة ومضمونة، فيصبح تصفح الانترنت مثل تقليب صفحات كتاب بصورة حرفية. «هل من المنطقي أن يستمر برنامج متخصص في البريد الالكتروني مثل «أوت لوك» في عدم الانتظام في العمل، على الرغم من مرور ثلاثين سنة على الخبرة العلمية في تبادل الرسائل الالكترونية؟ إن كل تأخير بمقدار عشر ثوان في إنزال مادة من الشبكة العنكبوتية يؤدي الى فقدان ثُلث الجمهور». والمفارقة أن بث الشرائح الضوئية من الكوميبوتر عبر جهاز العرض، انقطع أكثر من مرة خلال هذه المحاضرة. وكذلك لم توافق سوى قلّة من الحضور على أن نُظُم «مؤتمرات الفيديو عبر الانترنت» تعتبر وسيلة فعّالة في إدارة الأعمال!
وفي المحاضرة ذاتها، رأى ديكسون ان التاريخ تصنعه السياسة والتكنولوجيا والميول والقيم، ولكنه توقع أن يصبح مستقبل الانسانية في يد العواطف. ويقول: «إن الميل الى الاحساس بالعدالة ربما أصبح أهم من الحصول على اتصالات متقدمة وتفاعلية».
ولذا، نبّه الى أن من الضروري الحذر من الاعتماد المفرط على الأرقام وحدها في رسم اتجاهات التكنولوجيا المستقبلية. «ليس من الحكمة أن تقتصر النقاشات على الأرقام التي تأتي في البحوث عن الأسواق». ولاحظ أن الناس تميل الى تصديق الأشخاص الموثوق بهم محلياً، أكثر من وسائل الاعلام العالمية.
وعادت السياسة لتبرز في كلامه بقوة، إذ اعتبر أن الميل الى الهويات المحلية (التي أشار إليها, وللأسف، بمصطلح «القبائلية» Tribalism) هو من العوامل الأساسية في صوغ مستقبل التكنولوجيا. وأعطى العراق واحتلاله مثالاً عن «القبائلية». والحال أن الوضع العراقي أشد تعقيداً من ذلك المصطلح الذي يمكن أن يُساء استخدامه.
واعتبر أن الميل الى الهويات المحلية والصغيرة، يؤدي دوراً أساسياً في صنع ميول الجمهور، وبالتالي يتوجب على صُنّاع التكنولوجيا التنبّه إليه خلال صوغ النقلات المتتالية في التقنيات الرقمية، وخصوصاً في الاتصالات. وأوضح أن التقدم الذي تحرزه تقنية «واي ماكس» Wi Mx، التي تستطيع تقديم ربط تفاعلي متعدد الوسائط لمجتمع محلي عبر موجات الراديو، يقدم دليلاً على قوة الهويات المحلية في صنع مستقبل التكنولوجيا.
وأبدى ملاحظة مفادها أن صُنّاع التكنولوجيا يجب ألا يفقدوا الصلة مع الناس وهمومهم واحتياجاتهم «على رغم أن التلاقي التقني هو المستقبل، ولكن من يريد فعلياً ثلاجة مرتبطة بالانترنت؟ أليست هذه مجرد قلة؟ أليس من الأجدى ان نُركّز على حلول مشاكل حملة بطاقات الائتمان، الذين يصل عددهم الى نحو ستين مليوناً؟ لنلاحظ أن هؤلاء راكموا راهناً ديوناً مقدارها عشرة مليارات دولار، منها 1.3 مليار في بريطانيا، لأنهم يدفعون فائدة يصل معدلها الوسطي الى 16%. لعلهم أجدى بالتفكير في مستقبل الاتصالات واستثماراتها».
وتناول ديكسون بالتفصيل تجربة «تصدير المصدر» (تُعرف تقنياً باسم «آوت سورسنغ» Out Sourcing) التي تقف في أساس نجاح تجربة الهند والصين وتايوان في التكنولوجيا الرقمية، وقال انها مرشحة لأن تصبح القاعدة في التعامل بين أطراف صناعة الـ«هاي تيك».
وبيّن ديكسون أن الهند أيضاً صارت مصدراً للـ «أوت سورسنغ»، بحيث أنها تُشغّل مُبرمجي الكومبيوتر في باكستان، الذين يعملون بأجور أشد انخفاضاً من نظرائهم في الهند.
«قلب الطاولة» في الاتصالات
في محاضرته المستقبلية، لاحظ ديكسون أن الـ»آوت سورسنغ» تؤدي الى تقلص الفارق بين المركز والأطراف في التطور المعلوماتي. وأعطى مثالاً عن ذلك أعمال شركة «أي تي أس» نفسها، التي ابتدأت بمحاولات متواضعة لاستيراد برامج ونظم من الغرب لاستخدامها في صنع حلول معلوماتية. وسرعان ما توسعت دائرة تعامل «أي تي أس» مع التكنولوجيا الرقمية، بعد أن صنعت برامج برهنت عن فعاليتها وقدرتها على المنافسة عالمياً، فصارت راهناً تبيع منتجاتها الى الشركات الغربية الكبرى.
واستطراداً، فقد تقاطعت كلمات ديكسون هذه مع ما أورده المدير التنفيذي في شركة «أي تي أس» خالد فرج السعيد في كلمته الافتتاحية وقال فيها: «لقد قلبنا الطاولة... فنحن الآن نصدر للغرب ما كنا نستورده منه».
وأشار السعيد أيضاً إلى إنشاء مراكز لتقديم الخدمة للمشاريع الضخمة في كل من الأردن وبيروت، كجزء من مخطط الشركة في التوسع في تنفيذ المشاريع الضخمة في أسواق متعددة.
وأوضح ان الاستعدادات التي قامت بها الشركة لتنفيذ هذا التوجه نحو التوسع الخارجي اشتملت على ابتكار حلول تكنولوجية متقدمة تلبي احتياجات السوق، سواء للأفراد أم للشركات أم للمصارف، وكذلك تطوير الحلول والبرامج والأنظمة المستوردة لتتوافق مع حاجات العملاء في المنطقة. وبعد أن أثبتت برامجنا وتطبيقاتنا فعاليتها، بدأ الطلب على استيرادها من الشركات التي كانت توردها إلينا».
وفي هذا السياق، أشار الى قرب الاعلان عن نظام مصرفي تكنولوجي يجري تطويره حالياً بالتعاون مع شركة «هارلند» الأميركية برعاية وزير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المصري طارق كامل، اضافة إلى إطلاق مشروعين متطورين لمؤسسات مصرفية في الفيليبين وجنوب أفريقيا. كما أعلن عن خطة لافتتاح مركز لتقديم المشورة التكنولوجية في دبي بالتعاون مع شركة»إي أم سي» EMC العالمية، للمساعدة في قياس مدى سرعة استجابة البرامج وتوافقها مع حاجات العملاء. ويبدأ المركز العمل خلال الشهر المقبل.
(أحمد مغربي- الحياة اللندنية)