ملف مسجد "محمد الأمين" الأضخم في لبنان بالوثائق والأرقام

ملف مسجد "محمد الأمين" الأضخم في لبنان بالوثائق والأرقام

01 ابريل 2009

إعداد الزميل إبراهيم عرب

"إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الأخر"، "وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا"، تحسم هاتان الآياتان الكريمتان من القرآن الكريم أمرين مهمين لا جدال فيهما: الأول أن من يعمّر المساجد هو مؤمن بالله واليوم الآخر، والثاني أن المساجد لله وحده لا لمخلوق من مخلوقاته مهما علا شأنه أو كبر.
نستذكر هاتان الآياتان في وقت شهدت فيه بيروت بمشاركة إسلامية واسعة ولافتة إفتتاح مسجد خاتم الأنبياء والمرسلين محمد الأمين صلى الله عليه وسلم في 17 تشرين الأول الماضي في وسط بيروت، إذ حضر مفتون وزراء الأوقاف يمثلون دولاً إسلامية، على رأسهم شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي ومفتي الديار المصرية محمد جمعة.
المشروع يعود لعام 1945
"الحقيقة الدولية" تفتح، بالوثائق، ملف هذا المسجد المبارك لأنه ليس كغيره من بيوت الرحمن في لبنان، إذ أنه الأكبر والأضخم، كما حفلت مسيرة ما قبل إنشائه وما بعد بالكثير من السجالات القانونية والشرعية والفقهية، خاصة وأن مشروع بناء الجامع يعود إلى أوائل العام 1945 أي ليس حديث العهد كما يخيل للبعض، إلى أن أطلق رئيس الوزراء الأسبق الشهيد رفيق الحريري ورشة الإعمار فيه في 6 تشرين الثاني 2002 بعد أن رصد 24 مليون دولار من حرّ ماله لإنشاء المسجد لله سبحانه وتعالى.
وإن كان للرئيس الحريري فضل كبير، فهذا لا يعني تجاهل جهود الكثير من المسلمين من لبنان والعالم، بينهم رؤساء وملوك وأمراء وأناس عاديين ساهموا بما قدرهم الله عليه. وهو ما تجلى في الصحافة المصرية في ثاني يوم افتتاح الجامع إذ سلطت الضوء على تجاهل القيمين على الإفتتاح لدور الرئيس جمال عبد الناصر. أما في لبنان، فإن كثيرين ساهموا وتحركوا من أجل الإعمار، بينهم جمعية محمد الأمين التي غيبت عن الإحتفال الإفتتاحي.

Untitled-6.jpg
وما أثار استياء الكثيرين، تلك اللوحة العملاقة التي وضعت على المسجد وكتب عليها أن رفيق الحريري هو من عمّره، فضلاً عن كلام عدد من المفتين الأجلاء المشاركين في الافتتاح في الإشادة بالحريري الأب والإبن النائب سعد الحريري، وهو ما يخالف كلام الله المذكور في بداية هذا التحقيق.
وحتى لا نخوض في تفاصيل القضايا الإشكالية، يكفي أن نتوقف عند مضمون الفتوى الصادرة عن مفتي جمهورية مصر العربية الشيخ الدكتور أحمد محمد الطيب بتاريخ 12/08/2003 والتي حصلت عليها "الحقيقة الدولية"، بعدم جواز شراء عقار من شركة إستولت عليه، بطريقة غير شرعية وبدون رضى أصحابه، لبناء مسجد لأن هذه الأرض تكون في حكم المغتصبة.
نسخة من فتوى مفتي مصر محمد الطيب
لا يجوز شراء أرض مغتصبة وبناء مسجد عليها
ومعلوم للقاصي والداني في لبنان ومن يهتم بالشأن الإقتصادي والعقاري في العالم، أن شركة "سوليدير" لإعادة إعمار وسط بيروت التجاري بعد إنتهاء الحرب الأهلية وضعت يدها على العقارات في كامل منطقة الوسط التجاري في بيروت وألزمت أصحابها بقبض ثمنها سندات أو أسهم، حيث كانت قيمة السهم عام 1991 ما يزيد عن 100 دولار في حين أنها إنخفضت في وقتنا الراهن إلى مستوى متدن جداً يقل في بعض الأحيان عن الثلاثين دولاراً.
كما أن المحاكم اللبنانية تغص بقضايا خلافية بين الشركة والملاك الأصليين وورثتهم، إذ أن القليل جداً منهم إستطاع إنتزاع حقه منقوصاً عبر القضاء، والكثير منهم توفي وهو لم يسامح من إغتصب ملكه، وجلهم سلّم بالأمر الواقع ورضي بالأسهم والسندات كون شركة "سوليدير" مملوكة من النافذين والحاكمين في البلاد.
عبد الناصر والملك فيصل من أوائل المتبرعين
ما يعنينا هنا، أن مسجد محمد الأمين صلى الله وعليه وسلم أقيم على قطعتي أرض متلاصقتين، الأولى هي ملك لمديرية الأوقاف الإسلامية في دار الفتوى ولجمعية "محمد الأمين" (حلّت بقرار صادر عن مجلس الوزراء في 29/8/2002)، تم شراؤها من تبرعات المحسنين اللبنانين والعرب والمسلمين وب
بينهم رؤساء وملوك، مثل الرئيس جمال عبد الناصر والملك فيصل، وكذلك فقراء ساهموا بليرة لبنانية واحدة ضمن "مشروع الليرة" الذي أطلقته الجمعية عام 1965، ومساحتها الإجمالية 2100 متر مربع. أما الثانية وهي عبارة عن ألفي متر مربع، إشترتها مديرية الأوقاف الإسلامية من شركة "سوليدير" بمبلغ وقدر ثلاثة ملايين دولار، حسم منها الرئيس رفيق الحريري مبلغ 220 ألف دولار، وتبرع الأمير الوليد بن طلال بمليوني دولار، وتم توفير بقية المبلغ من تبرعات المحسنين وأهل البرّ والخير.
وما يهمنا تحديداً، شرعية ش
شراء قطعة الأرض الثانية ومساحتها ألفي متر مربع وجواز إنشاء مسجد عليها، إزاء ما بينّاه أعلاه لجهة أن جل الأراضي إشترتها شركة "سوليدير" بمبالغ بخسة لا تساوي قيمتها الحقيقية وبعضها تم الوضع عليه دون رضى أصحابها، والأدلة كثيرة وموجودة في المحاكم اللبنانية وكذلك لدى جمعية أصحاب الحقوق في الوسط التجاري.
إيصال المساهمة بليرة لبنانية واحدة في بناء المسجد
المفتي اللبناني يرفض الإفتاء بجواز أو حرمة بناء المسجد على أرض مغتصبة
ويؤكد أمين سر "جمعية محمد الأمين" الحاج محمد صالح عثمان الحبال لـ"الحقيقة الدولية"، أن هذا الواقع دفعه للتوجه "لصاحب السماحة مفتي الجمهورية (اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني) بطلب فتوى: هل إذا كانت الأرض مغتصبة يجوز بناء توسعة المسجد عليها والبناء،.. لم نلقى إجابة، ما أجبرنا على التوجه إلى مصر واستحصال الفتوى من مفتي الديار المصرية". وقد سلّمنا الحبّال وثيقة رسمية تثبت طلب الفتوى من مفتي الجمهورية اللبنانية بتاريخ 24/10/2000 أرسلت بالبريد المضمون معززة بأربعة عشرة رسالة بنفس الموضوع كان آخرها في 04/01/2007.
ويدعو الحبال مديرية الأوقاف ودار الإفتاء في الجمهورية اللبنانية إلى البحث عن ورثة أصحاب العقارات مثل آل الريّس وآل جلول وغيرهم، لإجراء تسوية شرعية، إما بدفع المال المتوجب على شراء الأرض أو نيل السماح منهم كون الأرض بني عليها مسجد.
"سوليدير" تستولي على الأملاك
الوقفية
ويلفت النظر إلى أن شركة "سوليدير" لم ترجع مبلغ 400 ألف دولار أميركي لمديرية الأوقاف الإسلامية وهو تعويض عن ما تعرف بـ"الرديات" لجهة حرمان العقار من الصفة التجارية، مبيناً أن القرار صادر عن القاضي سعيد ميرزا بتاريخ 24/2/1997 (في حوزة الحقيقة الدولية نسخة منه). ويوضح أن القرار القضائي هذا يقضي بإلزام شركة "سوليدير" بتسديد مبلغ 250 ألف دولار لجمعية محمد الأمين (تسلم للمديرية العامة للأوقاف بعد قرار حل الجمعية) و150 ألف دولار للمديرية العامة للأوقاف الإسلامية.
ويؤكد أنه طالب المفتي محمد رشيد قباني أكثر من مرة بهذا الأمر، إذ أن هذا المبلغ يكفي ليتم توزيعه على 400 عالم دين، فضلاً عن إصراره على ملاحقة قضية "وقف العلماء" أو "أرض الأوتوماتيك"، التي استولت عليها الشركة العقارية وهي تعود للأوقاف الإسلامية وتقع بين مسجد الأمير منصور عساف والمسجد العمري الكبير.
ويدلل الحبّال على أن مسجد "محمد الأمين" تم بناؤه بنسبة 40 في المئة من عامل إستثمار العقار، ويتوجب على شركة "سوليدير" تسديد ما يوزاي نسبة 60 في المئة من إستثمار العقار للأوقاف الإسلامية.

ويقول إن شركة "سوليدير" لم تكن تريد بناء الجامع منذ البداية، كاشفاً أن مشروع الجامع لم يتم وضعه على خرائطهم، وأن الشركة إستولت على الأرض، وفق الصحيفة العقارية التي استحصل عليها أفراد الجمعية في بداية التسعينيات من القرن الماضي.
ويروي الحبال أن رئيس الوزراء الأسبق صائب سلام علم بالقضية من جمعية "محمد الأمين"، وإتصل برئيس الوزارء في حينها رفيق الحريري، وأبلغه أن هذا الإجراء من الشركة هو وضع يد وسيؤدي إلى "ثورة دم"، مطالباً بإعادة الأرض إلى أصحابها أي الجمعية ومديرية الأوقاف.
مسجد محمد الأمين صلى الله عليه وسلم في وسط بيروت
حل جميعة محمد الأمين
وعن حل جميعة "محمد الأمين"، يشدد الحبّال على أن قرار حل الجمعية وإحالة أموالها المنقولة وغير المنقولة إلى المديرية العامة للأوقاف الإسلامية، جاء بسبب رفض الجمعية تسجيل كامل العقارات المملوكة من قبلها لبناء الجامع إلى مديرية الأوقاف، وقال "فعلاً نحن كنا خائفين وليس لدينا ثقة بالاوقاف لأن أرضٍ وقفية كثيرة بيعت لـ"سوليدير" ومنها وقف العلماء (مبنى الاوتوماتيك)".
ويعزز كلامه بموقف لمفتي الجمهورية محمد قباني عندما كان مديراً للأوقاف عام 1977، قال فيه "لا يجوز البيع - ولا البدل (في الأملاك الوقفية)". كما سلّمنا الحبّال تصريح للمفتي لصحيفة اللواء في تاريخ 17/6/ 1977 قال فيه: "لا يجوز التصرف بعقارات الأوقاف، لأن لها صفة المنفعة العامة، وبالتالي لا يجوز بيعها ولا التفرغ عنها، وهي ليست ملكاً لفرد بل هي ملك الطائفة كلها".
مسجد محمد الأمين.. حكاية عريقة
يجمع المؤرخون والعلماء المسلمون أن الشيخ محمد أبو النصر اليافي أنشأ زاوية سميت بزاوية النصر سنة 1853م. ومن ثم تحولت هذه الزاوية الصغيرة الى مسجد صغير، يحمل اسم خاتم الأنبياء محمد الأمين صلى الله عليه وسلم ويقع في شارع الأمير بشير الذي يربط ساحة البرج بساحة عصور (رياض الصلح) في وسط بيروت التجاري.
ويحكى أنه في أوائل العام 1945 اجتمع نفر من المؤمنين من أهل بيروت، ووجدوا ان المصلى الصغير، الذي كان يسمى مصلى أبو النصر، لا يتسع لعدد كبير من المصلين خاصة مع تطور الحياة في ساحة البرج، ولا سيما انه سيحمل اسم مسجد محمد الأمين صلى الله عليه وسلم. فقرروا شراء العقارات المجاورة للزاوية استعداداً للتوسعة، وعقدوا العزم وصدقوا النية مع رب العالمين وانطلقوا، بعدها أسسوا جمعية محمد الأمين صلى الله عليه وسلم التي ترأسها الشيخ أديب السيوفي وكان إمام الزاوية، ووزعوا الأدوارعلى مجموعة من الشباب المؤمن، حينها كان موجود 63 وحدة عقارية بمحيط المصلى منها قهوة الزجاج و بن عازار وغيرها من العقارات.. وكلها ضمن المخطط المعمول لبناء وتوسعة المسجد، الأسعار حينها كانت خيالية، لكن عزيمة الشباب قوية واصرارهم دفعهم الى اطلاق "مشروع الليرة"، الذي يعتقد أنه هو الركيزة الأولى لبناء المسجد وهو الذي جعل حتى الفقراء يشارك في الأجر والثواب.
مسجد محمد الأمين اليوم: روعة عمرانية
شيد المسجد على مساحة ٤١٠٠ متر مربع، وتبلغ مساحة البناء الإجمالية ١٠٧٠٠ متر مربع موزعة على اربعة طوابق، ارضي وأول وسفلي أول وسفلي ثانٍ، ويتسع إلى 7500 مصلٍ في الحد الأقصى، وزينت جدرانه الداخلية بآيات من "سورة محمد" أما مداخل الجامع وفتحات النوافذ فبآيات قرآنية تتحدث عن آداب المسلمين والمصلين، خطها خطاط القرآن في المدينة المنورة في المملكة العربية السعودية الشيخ عثمان طه.
أما سجاد المسجد، فقد أشرف الرئيس رفيق الحريري على تصميمه وإنتاجه بنفسه، بينما استوردت الثريات من فرنسا وتركيا، وهي مصممة من الكريستال والنحاس.
ويتخذ الجامع الشكل الرباعي الأضلاع ويغطي كامل مساحة العقار ويأخذ شكله، وترتفع من زواياه أربع مآذن بلغ طولها 70 متراً، فضلاً عن القبب الزرقاء التي تحتل سطحه.

(دراسة من إعداد الزميل إبراهيم عرب نشرت في مدونة "عرب بوست")