المدفع الرمضاني... "قنبلة الخير"

المدفع الرمضاني... "قنبلة الخير"

10 سبتمبر 2009

كتبت جورجينا زيادة
يترافق شهر رمضان مع عادات كثيرة، منها ما هو قديم أخذ الطابع الرمضاني، ومنها ما هو جديد بدأ "رمضانيًا".

مدفع رمضان هو أسلوب في إعلان موعد الإفطار وأخبار العامة عن هذا الوقت. هذا تقليد متبع في العديد من الدول الإسلامية بحيث يقوم جيش البلد بإطلاق قذيفة مدفعية صوتية لحظة مغيب الشمس معلنا فك الصوم خلال شهر رمضان.
يشير التاريخ إلى أن المسلمين - في شهر رمضان - كانوا أيام الرسول يأكلون ويشربون من الغروب حتى وقت النوم، وعندما بدأ استخدام الآذان اشتهر بلال وابن أم مكتوم بأدائه. وقد حاول المسلمون على مدى التاريخ - ومع زيادة الرقعة المكانية وانتشار الإسلام - أن يبتكروا الوسائل المختلفة إلى جانب الآذان للإشارة إلى موعد الإفطار، إلى أن ظهر مدفع الإفطار إلى الوجود.
250px-Cannon_model_1.png

أما للمدفع الرمضاني قصص أخرى
الكثيرون لا يعرفون متى بدأ هذا التقليد، ولا قصة استخدام هذا المدفع، وهناك العديد من القصص التي تُروى حول موعد بداية هذه العادة الرمضانية التي أحبها المصريون وارتبطوا بها، ونقلوها لعدة دول عربية أخرى مثل الإمارات والكويت.
يرجّح أن القاهرة عاصمة مصر كانت أول مدينة إنطلق فيها مدفع رمضان. فعند غروب أول يوم من رمضان عام 865 هـ أراد السلطان المملوكي (خشقدم) أن يجرب مدفعاً جديداً تلقاه هدية وتصادفت تجربة هذا المدفع عند وقت غروب الشمس لحظة الافطار فظن الناس انه تقليد جديد يخبرهم عن موعد افطارهم، فلما انقطع صوت المدفع ذهبوا الى السلطان المملوكي ليطلبوا منه ان يستمر اطلاق المدفع وقت الافطار، لكن السلطان لم يكن موجودا في قصره فقابلتهم زوجته التي تعرف باسم «الحاجة فاطمة»، فوعدتهم بنقل طلبهم للسلطان فوافق السلطان على ذلك فأطلق على ذلك المدفع مدفع «الحاجة فاطمة»، ولا يزال يطلق عليه اسم الحاجة فاطمة حتى عصرنا الحالي.
وتحكي لنا رواية اخرى ان ارتباط اسم المدفع بالحاجة فاطمة يعود الى فاطمة بنت الخديوي اسماعيل التي اقترحت على ابيها استخدام صوت المدفع المدوي لاخبار الناس عن موعد افطارهم فلقيت فكرتها استحسان والدها الخديوي اسماعيل، فأصبح مدفع رمضان مرتبطا بفكرتها التي استمرت حتى الآن.
وهناك رواية اخرى تحكي ان محمد علي باشا حاكم مصر عندما اشترى مدافع لبناء جيش قوي اراد تجربتها فتصادف ايضا ان تمت تجربة المدافع في شهر رمضان وبالتحديد وقت الغروب وخلال رفع الأذان فظن الناس انها طريقة حديثة للاعلان عن موعد الافطار فذهبوا الى محمد علي باشا يطلبون منه ان يجعل المدفع أداة للاعلان عن موعد الافطار، فاستمر هذا التقليد حتى وقتنا هذا.
وقد تغيّر المدفع الذي يطلق قذيفة الإعلان عن موعد الإفطار أو الإمساك عدة مرات، فقد كان المدفع الأول إنجليزيًّا، ثم تحول إلى ألماني ماركة كروب، ومؤخرًا أصبحت تطلق خمسة مدافع مرة واحدة من خمسة أماكن مختلفة بالقاهرة، حتى يسمعه كل سكانها، لكن أدى اتساع وكبر حجم العمران وكثرة السكان وظهور الإذاعة والتليفزيون إلى الاستغناء تدريجيًّا عن مدافع القاهرة، والاكتفاء بمدفع واحد يتم سماع طلقاته من الإذاعة أو التلفزيون.
وقد أدى توقف المدفع في بعض الأعوام عن الإطلاق بسبب الحروب واستمرار إذاعة تسجيل له في الإذاعة إلى إهمال عمل المدفع حتى عام 1983م عندما صدر قرار من وزير الداخلية بإعادة إطلاق المدفع مرة أخرى، ومن فوق قلعة صلاح الدين الأثرية جنوب القاهرة، بيد أن استمرار شكوى الأثريين من تدهور حال القلعة وتأثر أحجارها بسبب صوت المدفع قد أدى لنقله من مكانه، خصوصًا أن المنطقة بها عدة آثار إسلامية هامة.

2.JPG
ويستقر المدفع الآن فوق هضبة المقطم، وهي منطقة قريبة من القلعة، ونصبت مدافع أخرى في أماكن مختلفة من المحافظات المصرية، ويقوم على خدمة (الحاجة فاطمة) أربعة من رجال الأمن الذين يُعِدُّون البارود كل يوم مرتين لإطلاق المدفع لحظة الإفطار ولحظة الإمساك.
في بيروت استحدثت الدولة العثمانيّة أيام إبراهيم باشا مدفعاً في بيروت، خصصت له مدفعياً مهمته إثبات شهر رمضان وإعلان وقت الإفطار والإمساك والأوقات الخمسة، وكذلك إطلاقه طيلة عيدي الفطر والأضحى. كان يتم إطلاق المدفع مساء يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، إذا ثبتت رؤية هلال شهر رمضان، وإلا عصر الثلاثين منه، وكانت تطلق 21 طلقة مدفع تبشيراً وإجلالاً كما حصل سنة 1859م وما بعدها.
والملاحظ في مدفع رمضان أن له دولابين كدواليب العربات، والقذيفة العائدة له هي عبارة عن حشوة قماش كتّان محشوة بالبارود ومتصلة بكبسولة يضعها الجندي في المدفع ويطلقها بواسطة حبل رفيع. كان موقع المدفع في الثكنة العسكرية الواقعة على رابية مطلّة على بيروت، متجهاً إلى الشرق. يشرف على إطلاقه ميقاتياً إشتقت منه عائلة الميقاتي.استمر هذا الموضع لمدفع رمضان والأعياد حتى عام 1935م، وبعد أن أتسعت المدينة جنوباً وغرباً، وظهرت على أثرها أحياء جديدة، نُقل الموقع إلى تلة الخياط قرب مقهى أبو النور الكوسا التي كانت تطل على معظم الأحياء الإسلامية، حيث أشرف على المدفع وإطلاقه رجال القناصة اللبنانيّة (جيش الشرق)، ومن بعدهم الجيش اللبناني بعد الاستقلال.
وفي عهد الانتداب الفرنسي استلمت المفوضية العليا لشؤون الإفتاء والأوقاف الإسلامية، باعتبارها جزءاً من دوائر الدولة، وعيّنت السيد جيناردي مشرفاً عليها، وهو عسكري متقاعد.
وحتى قبيل الأحداث اللبنانيّة عام 1975م، كان مدفع الإفطار ومدفع الإمساك يُطلق، ولكن من منطقة تلة الخياط، في المنطقة التي تعتبر أعلى مرتفع في بيروت، ثم من تلة زريق قرب دار الأيتام الإسلامية، وعادت هذه العادة ابتداء من عام 1995م بإطلاق مدفع الإفطار ومدفع السحور من منطقة السفارة الكويتية قرب قصر رياض الصلح.
مدفع الإفطار في الكويت
جاء اول مدفع للكويت في عهد الشيخ مبارك الصباح، وذلك عام 1907، وليس متوافرا نوعه واسمه، ويقال ان الشيخ مبارك الصباح قبل المدفع كهدية من حاكم ايران في ذلك الوقت، وكان موقع ذلك المدفع على البحر قرب قصر السيف وانتقل المدفع في حقبة الثلاثينات الى قصر نايف.
وفي بداية الستينات أسندت الى الجيش مهمة اطلاق المدفع لاعلان موعد الافطار، حيث تم وضع مدفعين الاول في قصر السيف والثاني في قصر نايف، وهما من نوع 25 رطلا ومصنوعان في انكلترا. ويتولى الجيش الكويتي احضار هذا المدفع الى قصر نايف قبل شهر رمضان المبارك بيومين، ويقوم على مدفع رمضان ضابط وثلاثة جنود ويفتح القصر ابوابه امام الجمهور بعد صلاة العصر حتى يشاهدوا لحظة اطلاق المدفع معلنا لحظة الافطار.
في السعودية بقيت مكة المكرمة والمدينة المنورة أكثر المدن السعودية التي شهدت سماؤها طلقات القذائف الرمضانية، حيث وضعت من أعوام عديدة خطة لتدريب الأفراد القائمين على ضرب مدفع رمضان قبل بداية الشهر حيث يتم إعداد 29 فردا من وحدة المناسبات للقيام بهذا العمل طوال أيام الشهر الكريم، وقبيل الاقتصار على مدفعين بجوار الحرم المكي وتحت إشراف الحكومة.
EHG Ramadan1.JPG

اعتاد سكان البقاع المقدسة سماع قذائف طلقات المدافع الرمضانية من عدة مواقع مثل أعالي الجبل الهندي والقشلة والمسفلة والفلق وغيرها.
هكذا استمر صوت المدفع كعنصر أساسي في حياة الناس الرمضانية وحتى ظهور المذياع، ليتوقف إطلاقه من القلعة. ويذاع تسجيله الصوتي يوميا عبر أثير الإذاعة والتلفاز إلى أن قرر المسؤولون بث عملية الإطلاق لمدفع رمضان طوال الشهر الكريم في السحور والإفطار على الهواء مباشرة.
وقبل إحالة المدفع الرمضاني إلى التقاعد أحكم أسره داخل نفوس الصائمين، ليذهب البعض منهم إلى مكان المدفع قبيل الغروب للاستمتاع بصوته وحركته عندما يقذف ما في جعبته من بارود وملح ونار. هكذا ومهما تغير وتطور الزمان سيظل للمدفع خصوصيته وروحانيته في نفوس عاشقيه من الصائمين.