القطاع الإعلاني في المنطقة فريسة لا بدّ من اصطيادها .. والصياد "الازمة المالية"

القطاع الإعلاني في المنطقة فريسة لا بدّ من اصطيادها .. والصياد "الازمة المالية"

21 اغسطس 2009

كتبت جورجينا زيادة
الأزمة المالية ... حكاية بدايتها معروفة، أسبابها عديدة، أضرارها جسيمة...
لم توفّر قطاعًا إلا وأصابته، فجاءت إنعكاساتها متفاوتة، حسب قدرة القطاع وما يستطيع
تحمّله.
فكيف الحال إذا كان المتضرّر القطاع المسوّق لسائر القطاعات، وهل يصح في هذه الحال القول إنه متى ضُرب الرأس شُلّ الجسم...
على عاتق القطاع الإعلاني ألقيت مسؤوليات جمة خصوصًا في عالم اليوم، فهو المسوق الرئيسي لكل القطاعات.
وإن كانت الأزمة لم توفّر أضخم الإقتصادات في العالم، فالإقتصادات العربية تضررت بشكل حتمي.
ما مدى تأثير الأزمة على القطاع الإعلاني في الدول العربية؟
هل صحيح أن الأزمة الإقتصادية العالمية دمّرت القطاع الإعلاني؟
newspaper.jpg

بوادر جمود الإنفاق الإعلاني في العالم العربي
كان من الطبيعي أن تؤثر الأزمة الإقتصادية العالمية على القطاع الإعلاني، بعد أن تمكّنت من قطاعات إقتصادية عدة، ومع بداية الـ2009 توقع خبراء ان يشهد القطاع الاعلاني في المنطقة العربية تراجعاً كبيراً بعد أن لجأت شركات عقارية ومالية الى خفض إنفاقها على الاعلانات، ولجأت الى الاستغناء عن موظفين، أغلبهم من قطاع التسويق، لمواجهة آثار أزمة المال العالمية.
وعلى رغم هذه التوقعات، أشاروا إلى أن انعكاس أزمة المال العالمية على قطاع الإعلان العربي، لن يبلغ مستوى الانهيار، وإنما يجمد معدلات النمو التي شهدها القطاع خلال السنوات الثلاث الماضية ما يخلق تحديات كبيرة لأقطاب صناعة الإعلان في المنطقة.
وكان إجمالي الإنفاق الإعلاني في المنطقة العربية خلال الـ2008 قد حقق نحو 8 بلايين دولار، مقابل 4.82 بليون دولار في 2007.

advertising-ideas-250.jpg
وصدقت التوقعات!
أدت تداعيات الأزمة المالية العالمية إلى إغلاق صحف عربية وعالمية، وإعلان إفلاسها، علاوة على تسريح العاملين في مؤسسات لاتزال قائمة.
وأدت كذلك إلى إغلاق صحف نذكر منها صحيفة «الصوت» اليومية الكويتية، وصحيفة «الأبراج» الأسبوعية من الكويت.
أشهرت مؤسسات إعلامية كبيرة إفلاسها، مثل «تريبيون» للنشر والإعلام في الولايات المتحدة الأميركية، والتي تشتمل في ممتلكاتها أكبر الصحف، من بينها صحيفة «لوس انجلوس تايمز» وصحيفة «بالتيمورصن» ومحطة التلفزيون «الكابلي دبليو جي إن».
أعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» أنها ستقترض 225 مليون دولار مقابل رهن مقرها الجديد في منهاتن لمواجهة أزمة السيولة الناتجة عن تراجع أرباحها.
إعلانات تتحدى الازمة
أظهرت الإحصاءات نمو الإنفاق الإعلاني في معظم الدول العربية رغم استمرار ضغوط الأزمة المالية العالمية التي قلصت مخصصات الإنفاق الإعلاني لدى المؤسسات والشركات خصوصا في القطاعين المالي والعقاري، حيث ارتفع الإنفاق الإعلاني في وسائل الإعلام العربية العابرة للحدود والممثلة في القنوات الفضائية والصحف الدولية بنسبة 37% ليصل إلى 1.75 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري مقابل 1.28 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

شركات الإعلانات معاناة ومعاناة...
ففي الكويت وبعد سنوات عدة من الرواج والانفاق بلا حدود بدت ميزانية التسويق والدعاية والاعلان في الشركات الكويتية في مواجهة ازمة حقيقية بسبب الاوضاع المالية والاقتصادية .
وكان من الطبيعي ان تتقلص ميزانية التسويق والاعلان باعتبار انه فى فترة الرواج التى امتدت ما بين 2003 و 2008 تضخمت هذه الميزانية بشكل كبير مواكبة للرواج السائد في ذلك الوقت.
وفي ظل الازمة الطاحنة وحركة الركود التى تشمل كل القطاعات الاقتصادية فان تقليص الانفاق في بند التسويق والاعلان يكون مطلوبا الى جانب البحث عن وسائل بديلة يمكن ان تحقق النتائج نفسها بكلفة اقل.
والى جانب ما سبق فان الضبابية لا تزال تكتنف ميزانية الانفاق الاعلاني لدى المصارف والشركات في ظل انتظار ما يمكن ان تسفر عنه الايام المقبلة من تداعيات للازمة او طرح حلول تخرج القطاعات الاقتصادية الكويتية من ازمتها.
وفي المقابل فان شركات الدعاية والاعلان بدت في مواجهة تحديات كبيرة نتيجة انخفاض الانفاق الاعلاني والذي يمثل عصب عملها ومصدر دخلها الاساسي وهو ما دعا بعض الخبراء الى طرح فكرة اندماج وتحالف هذه الشركات لمواجهة تداعيات الازمة على انشطته..
ومع مطلع الـ2009 قامت العديد من الصحف اليومية باجراء زيادة في اسعار الاعلانات.
اما بالنسبة لاعلانات الشوارع او اعلانات (اوت دور) فقد شهدت انخفاضا حادا يمكن ملاحظته بسهولة من خلال بقاء الكثير من الاعلانات في الطرق والشوارع حتى بعد انتهاء الحدث او انتهاء فترة الترويج للمنتج وهو دلالة على عدم وجود اعلانات بديلة.

economy1_491994.jpg
خسائر القطاع تنعكس سلبًا على الفعاليات
واضافة الى الامور التقليدية التى تتضمنها ميزانية التسويق والاعلان فان الكثير من الشركات قلصت الى حد كبير من مشاركتها في رعاية الاحداث والفعاليات مثل المؤتمرات والمعارض .
وادى ذلك الى تاجيل او الغاء عدد كبير من المؤتمرات والمعارض التى كانت تقام بصورة دورية نتيجة انخفاض مشاركة الشركات فيها والتى كانت تمثل الممول الاول لهذه الانشطة والفعاليات.
الإمارات الأولى عربيا في الإنفاق الإعلاني
وأفادت الإحصاءات بأن الإمارات احتلت المركز الأول عربياً في الإنفاق الإعلاني خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري رغم انخفاض قيمة الإنفاق الإعلاني بنسبة 22% ليصل الى595 مليون دولار مقابل 770 مليون درهم خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
في الإمارات تأثرت بعض الصحف من خلال تراجع حجم الدخل الإعلاني وانخفض معدل الإنفاق الإعلاني في وسائل الإعلام خلال الأشهر الأولى من السنة بنسبة 17٪.
وأثرت الأزمة المالية العالمية في وسائل الإعلام في الإمارات من ناحية اعتمادها على الإعلانات التجارية، التي انخفضت جداً حسب إدارات الصحف، وقد كانت في السابق تجني أرباحاً.
وتأثر العائد الإعلاني كثيراً بالأزمة المالية، إذ لوحظ الانخفاض في نسب النمو، خلال الـ10 سنوات الماضية، إذ كانت نسب النمو في الإعلانات تصل من 10 إلى 15٪ وتالياً أرباح الصحف تزيد، لكن الوضع الحالي تراجع فيه النمو.
وفي سوق الإعلان في الإمارات واصلت إعلانات الصحف سيطرتها على المشهد الإعلاني في الأشهر الخمسة الأولى من العام حيث بلغت حصتها من إجمالي الإنفاق الإعلاني نحو 68% بقيمة 406 ملايين دولار (1.4 مليار درهم ) و جاءت المجلات في المرتبة الثانية مسجلة نحو 72 مليون دولار وبحصة بلغت 12%، يليهما التلفزيون بنسبة 10.5% بقيمة 63 مليون دولار، ثم الإعلانات الخارجية بإنفاق قدره 35 مليون دولار وبحصة لا تتجاوز 5.8% من إجمالي حجم الإنفاق الإعلاني بالدولة. وسجلت إعلانات الراديو إنفاقا قدره 11 مليون دولار وجاءت إعلانات السينما في المرتبة الأخيرة بإجمالي إنفاق إعلاني لا يتجاوز السبعة ملايين دولار.

aljawal_0.jpg
السعودية تكافح أيضًا... وتحتل المرتبة الثانية
وجاءت المملكة العربية السعودية في المركز الثاني، وسجلت إنفاقاً إعلانياً بلغ 433 مليون دولار، لتستمر فجوة الإنفاق الإعلاني بين السعودية والإمارات عند حدود 162 مليون دولار.
ووفقا للإحصاءات نفسها بلغ حجم الإنفاق الإعلاني في مصر خلال خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري نحو 412 مليون دولار مقابل 440 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام 2008 لتسجل بذلك تراجعا في حجم الإنفاق بنسبة 6%. وجاءت الكويت ولبنان وقطر وعمان في المراكز التالية على التوالي بحجم إنفاق إعلاني بلغ 354 مليون دولار و169 مليون دولار و164مليون دولار و99 مليون دولار على التوالي، فيما جاءت البحرين في المركز الأخير بحجم إنفاق إعلاني لم يتعد 42 مليون دولار.


الإعلانات التلفزيونية الأوفر حظًا

استحوذت الإعلانات التلفزيونية على النصيب الأكبر من إجمالي الإنفاق الإعلاني عربياً خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري بما نسبته 49.4% حيث بلغت 2.046 مليار دولار،تلتها الإعلانات عبر الصحف التي بلغت 1.5 مليار دولار بنسبة 36% من إجمالي قيمة الإنفاق الإعلاني في جميع الوسائل الإعلانية ثم المجلات بنحو 310 ملايين دولار وبنسبة 7.4%.
وبلغ حجم الإنفاق الإعلاني العربي عبر وسائل الإعلانات الخارجية 212 مليون دولار بينما سجلت إعلانات الراديو نحو 56 مليون دولار وإعلانات السينما 8 ملايين دولار.
b248f822e3b7985ec933ceec153d2040_w290_h250.jpg

تراجع الإعلانات يحجب 121 وسيلة إعلام عربية منذ بداية الأزمة المالية
أدى تراجع الإنفاق الإعلاني خلال الأزمة المالية العالمية إلى زيادة الضغوط التشغيلية على وسائل الإعلام في الدول العربية، خصوصا في قطاع النشر المتخصص والمجلات، وقد كشف تقرير أن 64 وسيلة إعلام توقفت نهائيا خلال تسعة أشهر، فيما احتجبت 57 وسيلة أخرى عن الظهور بشكل مؤقت، إلى حين تحسن الأوضاع الاقتصادية.
وبلغ إجمالي عدد المجلات التي توقفت عن الصدور في المنطقة العربية منذ بداية الربع الأخير من العام الماضي 2008 وحتى نهاية النصف الأول من العام الحالي بلغ نحو 103 مجلات منها 52 مجلة توقفت تماما عن الصدور مقابل 48 مجلة علقت صدورها بشكل مؤقت، فيما استغنت ثلاثة إصدارات عن الطباعة الورقية واكتفت بالتحول التام إلى موقع إلكتروني.
وجاءت الصحف في المرتبة الثانية بفارق شاسع مع المجلات التي تصدرت قائمة المتوقفين، حيث توقفت ثلاث صحف عربية موزعة بين الكويت والجزائر ومصر مقابل تعليق العمل في صحيفتين في كل من السعودية وتونس.
وعلى صعيد المحطات التلفزيونية والقنوات الإذاعية، توقفت قناة «إم لايف تي في» في لبنان، وقناة البركة في مصر، وقناة «بحري تي في في» الكويت فيما توقفت محطة «أهلين» الإذاعية في الأردن. وفي الإمارات توقفت 35 مجلة صحفية عن الصدور، فيما تم تعليق العمل في 36 مجلة أخرى.
ومعظم تلك الإصدارات الصحفية تأتي في إطار المطبوعات المتخصصة في مجالات العقار والمال والصحة. وأرجع خبراء الإعلام موجة إغلاقات الإصدارات الصحفية في المنطقة العربية إلى التراجع الحاد في الإنفاق الإعلاني وصعوبات التحصيل علاوة على افتقار تلك الإصدارات لمقومات النمو المستدامة والمتمثلة في تجويد المحتوى واتباع أحدث أساليب النشر الإلكتروني.
هذا وقد بدأت الصعوبات التي تواجه قطاع النشر المطبوع منذ فترة طويلة، وهي ظاهرة عالمية بدأت في الولايات المتحدة وأوروبا وزحفت إلى جميع أنحاء العالم. وقد تفوق الإعلام الإلكتروني على الإذاعات، وعلى الصحف المطبوعة.
ودعا خبراء إلى الذهاب أبعد من حدود الأزمة المالية، والبدء في بناء استراتيجية إعلامية طويلة الأمد تهدف إلى مواكبة متطلبات العصر وصولا إلى نموذج أعمال جيد من خلال تجويد المحتوى واتباع أحدث أساليب النشر.
نال القطاع الإعلاني في المنطقة نصيبه من الأزمة المالية العالمية، فهو القناة المروّجة لباقي القطاعات، يبقى السؤال من أين يبدأ العمل، من القطاع الإعلاني للسير في مسيرة إصلاحية إقتصادية، أو الإنتعاش الإقتصادي ينعكس تلقائيًا إيجابًا على هذا القطاع؟

filmstrip.jpg