الغلاء انعكس على جميع أفراد المجتمع البحريني
11 يناير 2008تشعب ظاهرة ارتفاع الأسعار العالمية وامتداد تأثيرها إلى السوق المحلي ليشمل جميع فئات المجتمع يجعل منها مشكلة مجتمعية بالدرجة الأولى لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون حلها بيد جهة واحدة فقط كما يعتقد البعض، من خلال تحميل الحكومة مسؤولية ضبط الأسعار ووقف موجة الغلاء إذ أن المشكلة مرتبطة بعوامل خارجية، وهو ما يعني أن الجميع مشتركون في تحمل تبعاتها والمبادرة ببذل الجهود المشتركة كل في نطاق دوره واختصاصه ومسؤولياته من أجل مواجهة هذه الظاهرة والتخفيف من آثارها السلبية محليا.
فمن جهتها أكدت الحكومة برئاسة الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة أنها لن تقف مكتوفة الأيدي حيال ارتفاع الأسعار، كما دعت في الوقت نفسه إلى التوقف عن التجاذبات العقيمة واللوم في هذا الشأن والأخذ بالحوار والمشورة كأساليب لحل مختلف القضايا، مما يشير من ناحية إلى قرب الإعلان عن الحلول والبدائل المقترحة لمشكلة غلاء الأسعار.
وبدا اجماع الآراء واضحا في تأكيده أن غلاء الأسعار قضية عالمية بالأساس.
وكما يقال فإن الاعتراف بوجود مشكلة ما هو إلا أول الطريق لحلها، لذا فلا يختلف اثنان على ايجابية التحرك الحكومي السريع والتفاعل الايجابي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لكبح جماح الأسعار، فمثلما شهدت الفترة الأخيرة عقد جلسة استثنائية لمجلس النواب تمخضت عن توصيات نيابية لمواجهة ظاهرة ارتفاع الأسعار، ركز مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة على كيفية المواجهة الفاعلة لظاهرة غلاء الأسعار، ووجه إلى عقد اجتماع استثنائي عاجل للجنة الوزارية المعنية بالشؤون المالية والاقتصادية لدراسة هذه الظاهرة واعطاء مرئياتها ومقترحاتها بشأنها.
وفي هذه الأثناء وبينما المواطن يترقب المستجدات التي ستسفر عنها جهود الحكومة والنواب على حد سواء فلابد ألا يغيب عن الحسبان أهمية دوره كمستهلك في التعامل مع هذه الظاهرة العالمية.
بداية من المفترض أن يدرك المواطن أن فعالية ونجاح الجهود والمبادرات الحكومية وغيرها تبقى مرهونة بمزيد من الوعي المجتمعي الذي يعزز من إحكام الرقابة على الأسواق وضبط الأسعار بحسب مقتضيات العرض والطلب وليس تبعا للأهواء ومنع أخذ موجة ارتفاع الأسعار العالمية للنفط على سبيل المثال كذريعة لرفع أسعار كل شيء من دون استثناء.
والأمر المهم الآخر الذي ينبغي أن يدركه كل مواطن أنه غدا مستهلكا عالميا وليس مستهلكا محليا نظرا لاعتماده على الاستيراد من السوق العالمية لسد احتياجاته، إضافة إلى التبعات والالتزامات التي فرضتها الاتفاقيات الدولية التي جعلت من العالم سوقا واحدة لتبادل السلع والخدمات بخلاف وضعها السابق كأسواق متناثرة بين أطراف العالم لا تربطها قوانين وأنظمة مشتركة تؤثر على بعضها بعضا.
والسؤال الذي يطرح نفسه الان، ما هو دور المواطن في حماية نفسه من الآثار السلبية للغلاء؟ هذا السؤال طرحته وكالة أنباء البحرين على نائب رئيس جمعية حماية المستهلك عبدالحميد خليل السويهيدي، فقال إن المستهلك يجب أن يكون واعيا بالقدر الكافي وأن يختار من الأسواق ما يكفي حاجته من دون مبالغة مشيرا إلى أن الاستهلاك أمر طبيعي بالنسبة إلى الإنسان ولكن الاستهلاك من غير حسبان هو الأمر غير الطبيعي الذي يحتاج إلى إعادة نظر خاصة في ظل ردة الاستهلاك في منطقة الخليج بصورة كبيرة منذ منتصف السبعينيات وحتى الآن.
ولخص السويهيدي أبجديات الاستهلاك في عدد من الخطوات العملية التي يتوجب على المستهلك اتباعها لتقنين عملية الاستهلاك تتمثل في الآتي:
- الابتعاد عن الشراء العشوائي والتخطيط للمشتريات عن طريق تحديد «ماذا أريد أن أشتري؟« قبل الذهاب إلى السوق، وتنظيم ميزانية الأسرة لتقليل الأموال التي تصرف هدرا من دون الشعور بها، بسبب الاندفاع في شراء أشياء ليس لها حاجة.
- المقارنة بين نوعية وأسعار السلع المتواجدة في الأسواق، والتعرف على البدائل المتاحة لكل سلعة واختيار المناسب منها بحسب الذوق والقدرة المالية.
- نشر التوعية في المجتمع حول ثقافة المستهلك والتعاون مع الجهات الرقابية عبر الابلاغ عن المتلاعبين بالأسعار من أجل استكمال منظومة الرقابة على الأسواق والتعاون مع الجهات المعنية في تنفيذ القرارات المرتبطة بترشيد الاستهلاك.
- التنبه إلى أساليب «الخداع التسويقي« المغرية المتبعة في معظم الأسواق الكبيرة، وعدم الاندفاع وراءها من دون وعي، ومثل ذلك استخدام عربة التسوق الكبيرة بمراكز التسوق والتي تضيع فيها السلع بحيث يشعر المستهلك انه لم يلب حاجاته من المشتريات بعد.
- عدم اللجوء إلى التخزين وخصوصًا بالنسبة إلى المواد الغذائية التي قد تتعرض للتلف بسبب عدم توافر ظروف التخزين الملائمة في المنازل.
ولا يقتصر دور المواطن في مواجهة غلاء الأسعار على ذلك فقط وانما يمتد ليشمل كذلك ضرورة العمل الجاد على تغيير بعض العادات الخاطئة في الاستهلاك وعلى رأسها الإسراف.
ويلاحظ في هذا الصدد أن هناك مغالاة في عادات الطعام عند كثير من الأسر البحرينية بحيث يتم تجهيز الأطعمة بكميات تفوق الحاجة الفعلية بأضعاف، مما يفضي في النهاية إلى إلقاء كميات كبيرة من الأطعمة في القمامة، وتجدر الإشارة هنا إلى أن البحرين جاءت في المرتبة الأولى من حيث كميات القمامة بالنسبة إلى دول المنطقة قياسا بمساحاتها وتعداد سكانها.
كما أن قيام التجار والمنتجين بتحمل مسؤوليتهم الوطنية والتكاتف مع الجهات التنفيذية والتشريعية تجاه هذه الظاهرة أمر مطلوب، وذلك من خلال المساهمة في تقديم الحلول الممكنة والتي من بينها على سبيل المثال تقليل هامش الربح وعدم المغالاة في أسعار السلع خصوصًا تلك المنتجة محليا وعدم استغلال ظاهرة ارتفاع الأسعار عالميا وأخذها ذريعة لرفع الأسعار من أجل تحقيق أرباح عالية وسريعة على حساب المواطنين.
وبجانب دور المواطن بفئتيه المستهلك والمنتج في مواجهة غلاء الأسعار فإن هناك دور لا يمكن اهماله نظرا لتأثيره الفعال في مملكة البحرين، ويتمثل في دور مؤسسات المجتمع المدني والتي يمكنها تبني مبادرات أو تنظيم حملات توعية للمستهلكين حول ضبط وترشيد عملية الاستهلاك والعمل على إنشاء المزيد من الجمعيات التعاونية على نطاق أوسع كأحد الحلول المطروحة في مواجهة الغلاء.
كما يمكن تفعيل دور هذه المؤسسات لايجاد آليات التدخل والرقابة والقدرة على حماية المجتمع من الاستغلال، وفي نهاية الأمر يبقى النجاح حليف المجتهد أيا كان موقعه ولنبدأ بأنفسنا فلربما يبدأ العلاج الناجع منا، ثم ننتظر دور الآخرين كي تتلاقى الجهود وتتفاعل الأدوار من أجل تخطي موجة الغلاء بسلام.
(أخبار الخليج البحرينية)